Home » “الملك لير” أفريقياً!

“الملك لير” أفريقياً!

كتبه علي كامل
A+A-
إعادة ضبط

إيفون برويستر: لم يكن أحد يعرض على الممثلين السود أدواراً شكسبيرية، لذلك قمنا بتقديم مسرحية الملك لير الخاصة بنا.

علي كامل: لندن

حين يُصبِحُ كُرسيُّ العَرشِ هَشّاً كالزُّجاج!

فرقة مسرح (تالاوه) على خشبة المسرح اللندني كوكرين Cochrane

“لقد أخبرني جَديّ أنَّ أعمال شكسبير ليست مُلكاً للأوربيين فقط، إنما هي مُلكٌ للإنسانية جمعاء”

المخرجة الجامايكية إيفون بريوستر

الفرقة البريطانية (تالاوه) أسسّها فنانون سود، لتكون منصّة للفنانين المسرحيين من أصول أفريقية أو كاريبية، وقد اختير اسم “تالاوه” نسبةً إلى مثل جامايكي يقول:”قد أكون صغيرة الحجم، لكنني شجاعة وفاعلة، فاحذروا“.

الممثلة والكاتبة والمخرجة المسرحية الجامايكية إيفون بريوستر، هي التي قامت بتأسيس هذه الفرقة عام ١٩٨٥، برفقة الممثلين إنيغو إسبخيل، مونا هاموند وكارمن مونرو، وقد أثمرت الفرقة عروضاً مسرحية جريئة غير مسبوقة، بما في ذلك الأعمال الكلاسيكية الأفريقية والأمريكية والكاريبية والبريطانية، ما أتاح للممثلين السود في بريطانيا ممن تم تجاهلهم في التيار السائد فرصة لتوسيع نطاق أدائهم.

كان تدريب الممثلين على اتقان اللهجات المختلفة أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لإيفون بريوستر، وقد تحقّق ذلك بفضل ميل السود ذوي الثقافة المزدوجة إلى استخدام العديد من اللهجات في ترسانتهم اللغوية.

وصلت إيفون بريوستر إلى بريطانيا عام ١٩٥٦ وهي في سن السابعة عشرة، وسرعان ما اكتشفت عقبات التمييز الجنسي والعنصري والتقاليد الثقافية هي وسواها من قريناتها.

تتذكر إيفون عبارة لمخرج سينمائي، أبيض، ظلّت عالقة في ذهنها، حين كانت تلعب دوراً في أحد أفلامه، أنه طلب منها مرَّةً أن “تمشي خلال اللقطة بالطريقة التي يمشي بها أبناء جلدتها”… ” كما تفعلون أنتم” هكذا قال لها.

“لقد ظلّت تلك العبارة عالقة في ذهني” تقول إيفون وتضيف، “الممثلون الذين عملت معهم جاؤوا من جميع أنحاء الشتات، ولم يكن هناك اثنان متشابهان. كان من المهم جداً بالنسبة لي، أن تتاح لكل ممثل فرصة إيجاد صوته المميز. وبمجرد العثور عليه، يمكنه أن يتحرر من جميع الافتراضات المسبقة التي يفرضها عليه الآخرون”.

ولدت إيفون بريوستر في السابع من أكتوبر عام ١٩٣٨ في كينغستون، عاصمة جامايكا، لعائلة ميسورة الحال، جَدّها، البولندي الأم، كان مصدر إلهامٍ لها في اكتشاف مواهبها الإبداعية، فقد لاحظ أنها كانت تتمتع بالشجاعة الكافية لتلّقي وتحمّل تعليمه الصارم من بين جميع أحفاده. تضمّن تعليمه لها، كما تقول، حفظ حبكات روايات ديكنز، وإنشاد أغاني مغنية الجاز الزنجية إيلا فيتزجيرالد، والاطلاع على مسرحيات شكسبير التي قال لها عنها: “أنها ليست مُلكاً للأوربيين فقط، إنما هي مُلكٌ للإنسانية جمعاء“.

تلقّت إيفون تعليمها في مقاطعة سانت آن التي تقع على الساحل الشمالي لجزيرة جامايكا، قبل أن تأتي إلى المملكة المتحدة عام ١٩٥٦ لدراسة الدراما وفن الخطابة في كلية روز بروفورد، والرقص والإيماءة في الأكاديمية الملكية للموسيقى. وقد عادت بعد تخرجها إلى جامايكا عام ١٩٦٥ لتدريس الدراما وتأسيس فرقة

مسرح (المرآب)، أول فرقة مسرح احترافية في جامايكا، مع الكاتب المسرحي والمخرج السينمائي تريفور رون، والممثلة ليوني فوربس، وقد قدموا عروضاً مستوحاة من تجاربهم الشخصية. كان هدف الفرقة، كما تقول، هو “توفير وتشجيع ودعم الأعمال القيّمة الجادة والمبدئية”.

بعد عودتها ثانية إلى إنجلترا في أوائل سبعينيات القرن الماضي، عملت إيفون على نطاق واسع في السينما والإذاعة والتلفزيون والإخراج المسرحي، ومن بين أعمالها آنذاك، “كلما زاد الضغط، زادت المقاومة“، “ابتسامة برتقالية“، “فضيحة نبتة القنّب“، إضافة إلى مسلسلات تلفزيونية لهيئة الإذاعة البريطانية BBC  مثل، “النضال ضد العبودية“، والمسلسل التلفزيوني “مايبوري“، و” أبي سان سان جونسون“.

بمعية الممثل والمخرج البريطاني من أصل كاريبي أنطون فيليبس، شاركت إيفون بريوستر في تأسيس “فرقة المسرح الكاريبي” في أوائل الثمانينيات، وكان من أهدافها إبراز قيمة التعددّية الثقافية في بريطانيا، من خلال مسرحيات من تأليف وإخراج وبطولة ممثلين سود. شغلت إيفون منصب مسؤولة الدراما في مجلس الفنون البريطاني بين عامي ١٩٨٢ و١٩٨٤. وفي عام ١٩٩٣ مُنحت بريوستر وسام شرف الإمبراطورية البريطانية Order of the British Empire   تقديراً لإسهاماتها المبتكرة في المسرح البريطاني. وهذا الوسام هو وسام

شرف يمنح للأشخاص الذين قدموا مساهمات بارزة في مجال الفنون والعلوم والسياسة والخدمة العامة.

 في عام ١٩٨٥ أخرجت مسرحية “زبيب في الشمس” للكاتبة الأمريكية من أصل أفريقي لورين هانزبيري، لفرقة المسرح الأسود التعاونية، وعرضت في مسرح ترايسيكل اللندنية، ومركز دريل هول للفنون، وضمت الفرقة كارمن مونرو الممثلة الأمريكية من أصل أفريقي، والتي ستواصل العمل معها في نتاجاتها المقبلة. وفي

عام ١٩٨٦ أخرجت مسرحية “اليعاقبة السود“، للكاتب والمؤرخ والناشط السياسي الكاريبي سيريل ليوبرث جيمس، التي تدور أحداثها حول ثورة العبيد في هايتي في نهاية القرن الثامن عشر، والصراع ضد الاضطهاد الذي مارسه الاستعمار الفرنسي، وقد لعب فيها الممثل البريطاني الكاريبي نورمان بيتون الدور الرئيسي “توسان لوفيرتور”.

شهد عام ١٩٩١ علامة فارقة أخرى في عروض إيفون برويستر، عندما أخرجت أول إنتاج طاقمه سود بالكامل لمسرحية “أنطونيو وكليوباترا” لشكسبير، من بطولة دونا كرول وجيفري كيسون. وفي خطوة أثارت جدلاً عند الكثيرين أنها أظهرت شخصية كليوبترا ملكة مصرية سوداء (لعبت دورها الممثلة دونا كرول التي كانت تؤدي أدوار الخادمات في عروض شكسبير)، إلى جانب شخصية أنطونيو التي لعبها ممثل أسود هو (جيفري كيسون)، وقد أظهرت شخصية أوكتافيوس هو الآخر قيصرٌ أسود لعبه الممثل (بن توماس).

في عام ١٩٩٢ وبناءاً على مقترح من الشاعر الكاريبي ديريك والكوت، الحائز على جائزة نوبل في نفس العام، شرعت برويستر بإخراج مسرحية “الطريق” للكاتب النيجيري سوينكا. في عام ١٩٩٦ أخرجت مسرحية “الحدّ الأقصى” للموسم الأول لمسرح “يونغ فيك” اللندني المسمى” ممر للمشاة”.

مُنحت جائزة “الأسطورة الحية” عام ٢٠٠١ في مهرجان المسرح الأسود الوطني الأمريكي، وحصلت في نفس العام على شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة المفتوحة في المملكة المتحدة.

كانت إيفون بريستر أحد مؤسسي جائزة (الفريد فاغون)، وهي جائزة تُمنح للمسرحيات الجديدة التي يكتبها مسرحيون بريطانيون سود، وقد سميت بهذا الاسم تكريماً للشاعر والكاتب المسرحي البريطاني من أصل كاريبي الفريد فاغون.

عُرفت إيفون بنشاطها المسرحي البارز في مسارح جامايكا وبعض الدول الأفريقية والولايات المتحدة. وهي، فضلاً عن ذلك، تمارس الكتابة وتدريس مادة الدراما، وقد صدر مؤلفها الأول المتكون من مجلدين وهو بعنوان “المسرحيات السوداء”.

***

“الملك لير” بين الجدل والتأويل

لم تشهد مسرحية منذ إسخيلوس وسوفوكليس حتى يومنا هذا جدالاً وخلافاً في الرؤى والتأويلات مثلما شهدته مسرحية “الملك لير” في أوساط الكُتّاب وعلماء النفس والفلاسفة والنقاد والمخرجين على حد سواء. فقد اعتبرها البعض أنها أعظم ما كتب شكسبير إطلاقاً، فيما اتهمها البعض الآخر، ومنهم تولستوي، بالركاكة والسخف.  

وثمة من أضفى عليها بُعداً دينياً ودرساً في الأخلاق الرواقية، مثل إدوارد داروين. أما فرويد، فقد كشف عن مديات أخرى أبعد لمغزى المسرحية عبر تقصيه المضامين الأسطورية والصلة القائمة بين النورنات الثلاث (*) وآلهة القدر والجمال عند الإغريق، أي العلاقة بين الثلاثيات الأنثوية وبنات لير الثلاث، وتحوّل إلهة الموت إلى إلهة الحب، وتوحّد كورديليا، ابنة لير الصغرى، مع كلتيهما. أما الناقد البولوني يان كوت، فقد كتب: “لا

توجد في مسرحية الملك لير شخصيات بالمعنى الرومانسي أو الواقعي، أمّا العنصر المأساوي هنا، فقد حلَّ بدله العنصر الغروتسكي، مجسداً في حالة لير العقلية والجسدية المتدهورة، وهو عنصر أشد قسوة من المأساة”.

أما النقاد الأكثر تفاؤلاً، ولعل أبرزهم الناقد المسرحي البريطاني أندرو سيسيل برادلي، فقد كتب يقول: “الملك لير هي أكثر المسرحيات توليفاً لمغزى القانون والجمال الذي نُحسّه في الآخر. ليس الحزن أو اليأس، إنما إحساس الخوف في الألم ووقاره الملغز الذي يصعب علينا سبر أغواره”.

على عكس أسلافه ومعاصريه، لم يطرح وليم شكسبير في تراجيدياته أهدافاً أخلاقية ذات سمات محدّدة تتناغم وأخلاقية عصر النهضة، إنما كان يسعى إلى إخضاع كل تلك القيم إلى اختبارات قاسية ومريرة، وهذا الأمر يجد تعبيره الساطع في مسرحية “الملك لير”، فكل شيء هنا يخضع للتجربة والاختبار: الحب، الكراهية، الزنا،

الشرف، الصدق، التزلف، الغنى، الفقر، العقل، الجنون، الطبيعة، المجتمع، العدالة والجور، وأخيراً الملكُ والسلطة.

***                    

حين يُصبِحُ كُرسيُّ العَرشِ هَشّاً كالزُّجاج!

على خشبة مسرح كوكرين، وسط لندن، الذي يتسع لأكثر من 300 مقعد، غامرت فرقة “تالاوه” على تقديم

مسرحية “الملك لير” بطاقم فني وتقني خليط العرقية، أفريقي، آسيوي وأوروبي، ربما بهاجس من المخرج

الراحل بيتر بروك ومركز بحوثه المسرحي في باريس، الذي كان يهدف في مشروعه الجمالي إلى مزج الثقافات وإقامة حوار بينها.

 في معالجتها الإخراجية لهذا النص، سعت المخرجة إيفون برويستر إلى أن تتخطى حاجز العرقية، وهي خطوة مدهشة وخطيرة في ذات الوقت.

“أنا من عشاق شكسبير” تقول إيفون، “الأمر كله يتعلق بكيفية التعلم. كان جدي يهودياً من بولندا، درس القانون وانتهى به المطاف في جامايكا، يعمل في مجال دفن الموتى. كان رجلاً ذكياً جداً، وقد احتضنني، وجعلني أستمع إلى أغاني إيلا فيتزجيرالد وأقرأ ديكنز. كان يردد عبارة الليدي ماكبث وهو يحلق ذقنه “اخرجي أيتها البقعة اللعينة!”. لقد نشأتُ على حب شكسبير كصديق، وعلمّني جَدّي كيفية أداء النصوص الشكسبيرية.

طاقم التمثيل:

الممثل بن توماس (لير)

الممثلة مونا هاموند (المهرج)

الممثلة ديان باريش (كورديليا)

الممثلة لوليتا تشاكرابارتي (غونيريل)

الممثلة كاثي تايسون (ريغان)

الممثل الهندوسي ديريندرا (إدغار)

الممثل ديفيد فيلدر (غلوستر)

الممثل ديفيد هاروود (إدموند)

الممثل ديفيد ويبر (كينت)

لير: هل مِن أحدٍ هنا يعرفُني؟ هذا ليسَ لير.. أيمشي ليرُ هكذا؟ أينطِقُ هكذا؟ أينَ عيناهُ؟ مَن لهُ أنْ يُخبرَني مَن أنا؟

البهلول: أنتَ ظلُّ ليرِ يا عمَّاه.

ما أن تدخل قاعة مسرح كوكرين حتى تُفاجئ بصدى أنفاس ثقيلة أشبه بأنين تأتيك من عمق المسرح، والعرض لم يبدأ بعد. إنها أنفاس الملك العجوز لير، ممتزجة بريح تزوم في الخارج.

تُفتح كوة ضوء قادمة من خلفية المسرح، فيطالعنا معمار سينوغرافي غرائبي، الجدران وقد اكتست بالسواد، وثمة حبال سميكة حمراء أشبه بقضبان تتدلى من السقف مثبّتة بأوتاد حديدية في الأرض. أما كرسي العرش المصنوع من الزجاج، فقد احتل مركز خشبة المسرح، تضيئه مصابيح من الأسفل، ومن الأعلى تدلّت قماشة بيضاء كبيرة أشبه بغيمة. 

هذه اللوحة لوحدها، والعرض لم يبدأ بعد، كافية لمنح المتفرج انطباعاً مشوباً بالخوف والترقّب والدهشة. إنها صورة توحي بطقس جنائزي لمملكة سجينة ينتظرها هلاك وعَتمة.

فجأة تقرع الطبول ويدخل الملك لير (الممثل بن توماس) وهو يسحب أقدامه الثقيلة المُتعَبة، ملك أشبه بطوطم، بمشية متغطرسة، وصوت أجش، وعيون مطفأة، عيون حاكم مستبد سينتهي إلى شبح ملكٍ أو ظلّه، كما يقول المهرّج. إنها ملامح وجه ملكٍ معكوسة على حطام مرآة مهشمةٍ، خليطٌ من الألم والندم والإثم. إنه لير الهش هشاشة عرشه الزجاجي.

ثمة حبكتان في المسرحية، الأولى، الرئيسية، ممثَّلة بالملك لير وبناته الثلاث ريغان، گورنيل وكورديليا. وفي متن هذه الحبكة يتخلى الملك عن مملكته لابنتيه ريغان وگورنيل، ويحرم ابنته الصغرى كورديليا من حقها في

المملكة.

أما الحبكة الثانية، الثانوية، فتتمثل بشخصية ﮔلوستر وأولاده: أدموند، الابن غير الشرعي، الذي يمنحه والده السلطة، وإدغار، الابن الشرعي، الذي يُحرم من تلك السلطة بسبب وشاية من إدموند وتلفيقه لرسالة تشي عن نية إدغار في قتل أبيه وتقاسم السلطة مع أخيه.

ما فعلته المخرجة إيفون برويستر، رغم وجود هاتين الحبكتين، أنها سعت إلى الغور في العالم الداخلي لبطلها لير. بتعبير آخر أدق، لقد أخضعت وعي لير إلى اختبار واختيار بين عالمين، عالم السلطة ونزعة الاستبداد وفردية القرار، حيث البلاط المترع بالأقنعة والولاءات الزائفة، وحيث الأنذال بريئين والشرفاء خونة، وبين عالم الطبيعة الحر، البرية، وسط العاصفة، حيث يتجرّد لير ليس من ثيابه، فحسب، إنما من وعيه الزائف، عالم يخلو من العسس والدسيسة والولاءات الكاذبة والتسلسل الهرمي.

الصدع الأكبر في مأساة لير، هو جهله بمعرفة ذاته. إنه لا يستطيع أن يسترّد وعيه وعافيته ألا وسط العراة والشحاذين والمجانين فقط. ولكن متى؟ فقط حين يفقد قواه العقلية. في جنونه يكتشف لير كل حماقاته، مُدرِكاً، لأول مرة، خطأه الفادح وسقوطه المُدوّي وهو في عقده الثامن.

والسقوط هنا يتجاذبه الجانبان الروحي والمادي معاً، ولعل الناقد البولوني يان كوت هو أفضل من أضاء هذا الجانب بقوله: “… في البدء كان ثمة ملك ذو بلاط ووزراء. بعد ذلك، ليس هناك سوى شحاذين أربعة هائمين في البرية تتناوشهم الرياح الهوجاء والأمطار الغاضبة… كان للملك لير حاشية من مائة رجل، ثم صاروا خمسين، ثم رجل واحد فقط هو.. المهرج”.

المهرج: أتعرفُ كيف تَصنعُ المحارةُ صدفَتَها يا عمّاه؟

لير: كلا.

المهرج: ولا أنا. لكنّي أعرفُ لماذا للحلزونِ قوقعةٌ.

لير: لماذا؟

المهرج: ليضعَ رأسهُ فيها، فلا يُسلِّمَها لبناتهِ، ويتركُ قَرنيهِ بدون غطاءٍ.

تجربة الإذلال والبؤس التي يخضع لها لير بعيداً عن السلطة، وسط المعوزين والمشردين والمجانين، تكشف له الصدأ العالق في وعيه وافتقاره إلى القدرة على التمييز بين الزائف والحقيقي. أما موته هو وابنته الصغرى كورديليا في الفضاء الأجرد القاسي والعاصف، فما هو إلا نوع من تطهير الذات من مستنقع أدرانها.

حين يرى لير إدغار، الذي ظنه والده ﮔلوستر خائناً، وقد تشرّد هو الآخر في ثياب شحاذ مجنون، يخاطبه قائلاً:

“.. لخيرٌ لكَ أن تكونَ في القبرِ مِن أن تتحملَّ قسوةَ السماواتِ بجسدِكَ المُعرَّى. أهذا هوَ الإنسانُ كُلُّّهُ؟ تأمَّلوهُ جيداً. لستَ مَديناً للدودةِ بحريرٍ، للثورِ بجلدٍ، للخروفِ بصوفٍ، للقطِّ بعطرٍ. نحنُ الثلاثةُ هنا ملفِّقون. وأنتَ، أنتَ

فقط الشيءُ الحقيقي. فما الإنسانُ بلا رياشٍ إلا هذا الحيوانُ المشطورُ الأجردُ المسكينُ الذي هوَ أنت. إليكِ عني أيَّتُها الاستعاراتُ. تعالَ فك أزراري هذه.

(يُمزقُّ عنه ُثيابَه)”.

حين يصابُ بلوثة الجنون في مشهد العاصفة، يكتشفُ لير في نفسه الإدراك الفطري والحديث التكّون للدلالات الحقيقية للمملكة خارج نطاق السلطة السياسية:

“أيَّها التُعساءُ العُراةُ المُعدمونَ أينما كُنتُم، وأنتمْ تتحمَّلونَ ضرباتِ هذه العاصفةِ التي لا ترحم. أنَّى لرؤوسِكُم بِلا مأوى، وجوانِبِكُم بِلا طعامٍ، وشعثُكُم مُثقّبٌ مُخرَّقٌ، أن تُقيكُم هولَ مواسمَ كهذه؟

آهٍ، ما أقلَّ ما عنيتُ بهذا. اجرعي الدَّواءَ يا أُبّهة. نفسُكِ عرضيّها لتُحسِّي ما يُحسُّه التُعساءُ لعلَّكِ تنفضينَ كل فيضٍ عنكِ لهم فتبدو السماواتُ أكثرَ عدلاً وقِسطاطاً”.

عندما يفقد ﮔلوستر بصره بعد أن تُسملُ عينيه بأمرٍ من ولدهِ إدموند، الذي ظنه مخلصاً، توجّه هو الآخر إلى البرّية بحثاً عن الملك لير.

ﮔلوستر: إنني لا أرى بوضوح، يا سيدي. ومع ذلك، أعتقد أنني أعرفك من صوتك.

لير: أنا أكثر من مجرد ظل، لكنك ترى ظلاً.

ﮔلوستر: أنت الملك نفسه. لقد كنت أبحث عنك.

لير: أن أردت أن تبكي حظي، خذ عينيَّ. أنا أعرفك تمام المعرفة. اسمك ﮔلوستر، تجملّ بالصبر. لقد جئناها باكين. عندما نولد نبكي لمجيئنا إلى مسرح البلهاء الكبير هذا.

 ﮔلوستر:لا أملك طريقاً، لذا لا أريد أن أرى. إن هذه الدموع التي تتدفق من عينيَّ الحزينتين هي دمي. لا أريد أن أرى. لقد تعثرت عندما كنت أرى. أنظر كيف يسير العالم. إنه جنون أن تكون حكيماً عندما يصبح الأوغاد والحمقى أكثر حكمة.

هذا الحوار يُظهر كيف أن ﮔلوستر، رغم عماه، لكنه يرى الحقيقة أكثر من لير. يقول لير، أن ﮔلوستر يرى ظلاً، في حين أنَّ لير هو الظل الحقيقي. ﮔلوستر فقده بصره، لكنه اكتسب رؤية روحية.

Hear me! I am no angel… Aye, I sinned when I shattered my crown to pieces! But…

I am a man more sinn’d against than sinning! The storm punished me tenfold for my sin!

اسمعوني! أنا لستُ ملاكاً… نعم، لقد أخطأت حين شطرت تاجي إلى شطرين، وألقيت نصف الملكوت للريح! ولكن، أنا رجل ظُلمَ أكثرَ مما أخطأ!  

هذا هو المقطع الأخير الذي يصرخ به لير وسط العاصفة، وفيه يوجز جوهر مأساته كلها!.

إنَّ رؤيةٌ سياسية ٌكهذه لا تكشف عظمة النص الشكسبيري وقدرته على التناغم مع كل الأزمنة فحسب، إنما شرعت أبواب التأويل على مصراعيها لافتراض أمكانية أن يكون الملك لير أسودَ أو أبيضَ أو أصفرَ، بعيداً عن العرقية، قريباً من الانسان، في كل مكان وزمان، وهذا ما جسّده العرض الذي ضم طاقماً متعدد الجنسيات والأعراق.

والجدير بالذكر أن بن توماس هو الممثل الأسود الوحيد في بريطانيا الذي أدى دور الملك لير. ربما كان ايرا ألدريج، الممثل الأسود، هو الوحيد الذي سبقه في أداء هذا الدور عام 1959. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)

النورنات، حسب الميثولوجيا الاسكندنافية، آلهة القدر الثلاث اللواتي يتحكمنَّ في مصائر البشر، وهنَّ أخوات ثلاث: أورد  Urðr  (الماضي)، فرداني Verðandi(الحاضر) وسكولد Skuld (المستقبل).   

الإلهة أورد عجوز تتطلع نحو الماضي، فيما تتطلع فرداندي صوب الحاضر، أما سكولد فهي تمثل المستقبل وتتطلع باتجاه معاكس لاتجاه أورد. وحسب الأسطورة الاسكندنافية، تحدد النورنات الثلاث هذه، مصير الإنسان والآلهة، وكان الإسكندنافيون القدماء يعتقدون بوجود نورنات صغرى، وأن لكل شخص نورنته الخاصة.

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق