Home » طابلو، دراماتورجيا وإخراج عبد الجبار خمران عـن نـص “فن” لياسمينا رضا

طابلو، دراماتورجيا وإخراج عبد الجبار خمران عـن نـص “فن” لياسمينا رضا

كتبه محمد سيف
A+A-
إعادة ضبط

محمد سيف/باريس

إن تقديم عمل مسرحي من صنف “طابلو” للمخرج عبد الجبار خمران يمكن اعتباره، من منظور نقدي، مغامرة جمالية وفكرية لا تخلو من جرأة، خصوصًا في سياق مسرحي معاصر تحكمه في كثير من الأحيان اعتبارات السوق واشتراطات التلقي السريع. فمثل هذا الاختيار لا يستجيب بالضرورة لمنطق الربحية أو الاستهلاك الثقافي السهل، بقدر ما ينخرط في مساءلة عميقة لوظيفة الفن وحدوده.

يطرح هذا التوجه إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة الفن المسرحي ذاته: هل هو مجرد وسيلة للإمتاع والترفيه، أم أنه ممارسة رمزية تتجاوز اللذة الآنية لتؤسس موقفًا جماليًا وفلسفيًا من الإنسان والعالم؟ يبدو أن العمل، في هذا المنظور ، ينحاز إلى الرؤية الثانية، حيث يُستعاد المسرح كفضاء للتفكير النقدي وإعادة مساءلة المسلمات، بدل الاكتفاء بإنتاج الضحك كغاية في حد ذاته. إن هذا التصور يعيد الاعتبار للمسرح بكونه تجربة وجودية تتقاطع فيها الأسئلة الفنية مع القضايا الحياتية والإنسانية الكبرى، حيث يغدو العرض مساحة للتوتر الخلّاق بين المتعة والمعرفة، بين الحسي والعقلي. وانطلاقاً من ذلك، لا يعود الفن مجرد انعكاس سطحي للواقع، بل يصبح أداة لإعادة تشكيله وتأويله، بما يرسخ دور المسرح كفعل ثقافي نقدي يسهم في تعميق وعي المتلقي بذاته وبالعالم المحيط به.

منذ اللحظة الأولى، لا يتعامل العرض مع الفن بوصفه متعة بصرية جاهزة، بل كفضاء إشكالي يضع الذوق، والقناعة، والهوية الفردية في حالة اختبار. فالفن، كما يلمّح العمل، لم يكن يومًا مجرد جمال يُلتقط دون وسيط؛ بل كان دومًا أداة لفهم العالم، وتأويله، بل وإعادة تشكيله. لذلك، لا يسقط العرض في تبسيط الصراع بين أصدقاء ثلاثة عبر ثنائية سطحية: حداثي/تقليدي أو عارف/جاهل. بل يكشف تدريجيًا أن التوتر القائم بينهم أعمق من مجرد اختلاف في الذوق، إنه تصدّع خفي في منظومة القيم، وفي صورة كل واحد منهم عن نفسه وعن الآخر.

لحظة اجتماع عابرة حول لوحة شبه فارغة تتحول، بمهارة درامية، إلى لحظة انكشاف. صرخة الاحتجاج: “هل اشتريت هذه: الزبالة بهذا المبلغ الكبير؟!” لا تُقرأ كرفض للعمل الفني بقدر ما تُفهم كاهتزاز داخلي، كخوف من فقدان المعايير، أو ربما تلاشي الصداقة.

من خلال حبكة بسيطة ظاهريًا – ثلاثة أصدقاء ولوحة شبه فارغة – ينفتح عرض عبد الجبار خمران على توترات عميقة تتجاوز حدود الذوق الفني، لتلامس جوهر الصداقة وهشاشتها أمام اختلاف القناعات. ما بدا في البداية نقاشًا حول لوحة، تحوّل تدريجيًا إلى مواجهة داخلية، حيث يصبح الفن ذريعة لكشف ما هو أعمق: الغيرة، الشك، الحاجة إلى الاعتراف، والخوف من خسارة الآخر.

في عمل مسرحي مشغول بذكاء وحسّ جمالي، تطرح فرقة دور تمسرح سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في امتداداته: هل يمكن للوحة بيضاء أن تُربك توازن علاقة إنسانية ممتدة عبر الزمن؟ ثم لماذا تثير لوحة بيضاء هذا القدر من عدم الفهم والازدراء؟ ولماذا تُباع، من جهة أخرى، بسعر باهظ؟ ولماذا، في النهاية، تُشكّل هذه اللوحة نقطة انطلاق لمسرحية تتساءل عن دوافع الروابط الإنسانية؟

عندما كتبت ياسمينا رضا مسرحيتها عام 1994، لم يكن العمل الذي أثار الخلاف بين الأصدقاء الثلاثة عملاً جديدًا صادمًا. بل هو لوحة أحادية اللون، أي لوحة تجريدية تعتمد على درجة لونية واحدة. تستند المسرحية، في هذا الإطار، إلى إرث التجريد الفني الذي يتحرر من الإحالة المباشرة إلى موضوع محدد أو سرد حكائي أو تمثيل قابل للتعرّف. وقد تبلور هذا التوجه منذ بدايات القرن العشرين مع فنانين مثل فاسيلي كاندينسكي وبيت موندريان، ليتطور لاحقًا في تجارب أكثر راديكالية لدى كازيمير ماليفيتش وجاكسون بولوك ومارك روثكو، والفرنسي بيير سولاج. ضمن هذا المسار، لم يعد العمل الفني يُحيل إلى مرجع خارجي، بل غدا فضاءً مستقلًا للتجربة الحسية والتأمل الفكري، حيث تتقدم العلاقة مع اللون والشكل والإيقاع بوصفها جوهر التجربة الجمالية.

• أسئلة يطرحها العرض:

1- لماذا يحتقر “مبارك” هذه اللوحة؟ ولماذا يبدو “سليمان” مترددًا؟

ليس الجواب في رفض الحداثة أو الجهل بها، بل في طبيعة علاقتنا التاريخية بالفن. فقد ارتبط الفن، عبر العصور، بوظائف تفسيرية وسردية- من تمثيل العالم إلى نقل الحكايات الدينية والتاريخية- مما جعل الأعمال القابلة للفهم المباشر أكثر تقبّلًا. لذلك، يبدو التردد أو الرفض تجاه الفن التجريدي تعبيرًا عن صعوبة الانتقال من فنّ “يُحكى” إلى فنّ “يُحسّ ويُؤوَّل”. منذ القرن الخامس عشر، ارتبطت قيمة الفن بفكرة “العبقرية” ومهارة التنفيذ، غير أن تجارب لاحقة- كما لدى رامبرانت وفنسنت فان كوخ – كشفت هشاشة هذه المعايير. وفي القرن العشرين، ذهب مارسيل دوشامب أبعد من ذلك، حين فصل العمل الفني عن المهارة التقنية عبر “الأعمال الجاهزة”، مؤسسًا لتحول جعل الفكرة في صلب الممارسة الفنية. غير أن هذا التحول، رغم أهميته، زاد من تعقيد التلقي، إذ بدا الفن المفاهيمي أقل قابلية للفهم المباشر، ما يفسر استمرار الشكوك والرفض التي يعبّر عنها المتلقي تجاه هذا النوع من الأعمال.

وفي امتداد واضح لنص فن Art لياسمينا رضا، ينجح عرض عبد الجبار خمران في الحفاظ على التوتر دقيق بين الكوميديا والتفكير. فالضحك، رغم حضوره الكثيف، لا يُقدَّم كغاية في ذاته، بل كآلية جمالية تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية وتصدعاتها مع مرور الزمن. ومن خلال هذا التوازن، يدفع العرض المتلقي إلى مساءلة استمرارية الروابط بين الأفراد: إلى أي حد يمكن تقبّل الاختلاف دون أن يتحول إلى تهديد للعلاقة؟ وهكذا يتجاوز العمل حكايته البسيطة، ليضع المتفرج أمام اختبار ذاتي، حيث يصبح قبول الآخر مرآة لحدود وعينا بأنفسنا.

2- لماذا يشعر “سعد” بالسعادة لأنه دفع ثمنًا باهظًا؟

سعد محب للفن، لكن هل كان سيشتري اللوحة لو لم تُعرض في معرض مشهور؟ ربما لا. سوق الفن كان دائمًا منظّمًا، لكنه اليوم أصبح مرتبطًا بشكل كبير بالمعارض الفنية التي تتحكم في الأسعار والقيمة. وأصبح الفن سلعة استثمارية، مثل الأسهم، حيث يشتريه البعض كاستثمار أكثر من كونه شغفًا. ولكن، رغم كل ذلك، لا يزال هناك عشاق فن حقيقيون داخل وخارج هذا النظام. ومن ضمن هؤلاء العشاق فريق عمل طابلو.

لتقديم مسرحية طابلو، أحاط عبد الجبار خمران نفسه بكلّ من: جمال الدين كنو ليلعب دور “سعد” الذي اشترى لوحة فنية حديثًا. ومن خلال هذه اللوحة، تبدأ الشقوق في هذه الصداقة الطويلة بالظهور إلى العلن، بينما يؤدي عصام الدين محرم دور “مبارك” الذي يُبدي حيرته تجاه اللوحة، أما وليد مزوار فيجسد شخصية ” سليمان”، الأكثر ترددًا في هذا الصراع. تأسست الرؤية الإخراجية لهذا العمل على تصور جمالي مفاده أن العرض يُؤدَّى من قبل أفراد لا تجمعهم بالضرورة صداقة بالمعنى التقليدي، بقدر ما يوحّدهم انتماء عميق إلى فعل المسرح وشغفهم المشترك به. ومن خلال هذا الاختيار، يسعى المخرج إلى إعادة تعريف العلاقة بين الممثلين على الخشبة، بحيث تتحول من رابطة شخصية جاهزة إلى علاقة تُبنى داخل الفعل المسرحي ذاته. وتتجلى ملامح هذه الرؤية في الاشتغال الإخراجي الذي يعمل على استثمار هذا “الانتماء المشترك” بوصفه بديلاً دراميًا للصداقة المعلنة، حيث يصبح التفاعل بين الممثلين قائمًا على حساسية فنية متبادلة، وعلى وعي جماعي بإيقاع العرض وتوتراته. بذلك، لا تُقدَّم الصداقة كمعطى سابق، بل كإمكان يتشكل ويتحول عبر الأداء. هذا التوجه يمنح العرض بعدًا ميتا مسرحيًا، إذ يُحيل ضمنيًا إلى طبيعة العمل المسرحي نفسه بوصفه فعلًا جماعيًا قائمًا على الثقة والتجريب، حتى في غياب علاقات شخصية متينة خارج الخشبة. كما يفتح المجال أمام المتفرج لقراءة التوترات والعلاقات بين الشخصيات بوصفها امتدادًا لرهانات فنية، وليس فقط انعكاسًا لعلاقات إنسانية جاهزة. وعليه، فإن الإخراج لا يكتفي بتأطير النص، بل يعيد إنتاجه عبر رؤية تفكك مفهوم الصداقة وتعيد تركيبه داخل فضاء الأداء، بما يعمّق البعد الدلالي للعمل ويمنحه كثافة قرائية مضاعفة. فالمسرحيات التي تتناول ثيمة الصداقة لا تفترض وجود صداقة فعلية بين المؤدين، بقدر ما تراهن على كفاءة الأداء وقدرة الممثل على بناء وهم مقنع يستند إلى أدواته التقنية والحسّية. ومع ذلك، فإن وجود علاقة إنسانية حقيقية بين الممثلين يمكن أن يضفي على العرض درجة أعلى من الصدقية والانخراط العاطفي، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة التفاعل فوق الخشبة. وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في مسرحية Art لـ ياسمينا رضا، حيث لا تتمحور الحبكة حول لوحة فنية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتفكيك ضعف العلاقات الإنسانية، كاشفة كيف يمكن لتفصيل بسيط أو موقف عابر أن يعرّي توترات دفينة ويهدد استمرارية الصداقة. هنا يصبح الخلاف الجمالي مجرد ذريعة درامية لطرح أسئلة أعمق حول القبول والاختلاف والهوية. ومع ذلك، يظل التمثيل فنًا قائمًا على الاحتراف والقدرة على التقمّص، حيث يستطيع الممثل المتمكن أن يُقنع المتفرج بصدق العلاقة، حتى في غياب أي رابط شخصي خارج الخشبة. من هذا المنظور، لا تُعدّ الصداقة الواقعية شرطًا ضروريًا لنجاح الأداء، لكنها تظل قيمة مضافة يمكن أن تعزز من كثافة التجربة المسرحية، كما يبدو جليًا في هذا العمل، حيث تتقاطع الحميمية الإنسانية مع الوعي الفني لتنتج عرضًا غنيًا بالدلالات والانفعالات.

على المستوى الجمالي، لا يكتفي الإخراج بالاستناد إلى أناقة الفضاء المسرحي وانسجامه مع الانتماء الاجتماعي للشخصيات، بل يرتقي بهذا الفضاء إلى مستوى كتابة شعرية بصرية، تُحاكي في بنيتها وإيقاعها قصيدة مفتوحة على التأويل. فالعرض، في تصور عبد الجبار خمران، لا يُبنى بوصفه تتابعًا دراميًا للأحداث فحسب، بل كنسيج شعري تتداخل فيه الصورة والحركة والصمت، بحيث تغدو الخشبة مجالًا لتجسيد لغة موازية، تتجاوز المنطوق إلى الإيحاء. تنتمي هذه المقاربة إلى تقليد إخراجي يميّز تجارب خمران، حيث يُعاد تشكيل العلاقات بين الشخصيات عبر حساسية شاعرية تستثمر التفاصيل الدقيقة: نظرة عابرة، تردد في الحركة، أو مسافة صامتة بين جسدين. فحركة الممثلين، وإن خضعت لمنطقي الانتماء المكاني والفعل/رد الفعل، فإنها تكتسب في الآن ذاته بعدًا إيقاعيًا يجعلها أقرب إلى تنويعات لحنية داخل قصيدة مسرحية. تتقارب الأجساد كما لو كانت قوافي تتجاوب، وتتباعد كما لو أنها فراغات دلالية تتيح للصمت أن يقول ما يعجز عنه الكلام. وفي هذا السياق، يتحول الفضاء المسرحي من مجرد إطار للأحداث إلى كيان حيّ ينبض بالدلالة، حيث تُقرأ الأناقة لا كعلامة طبقية فقط، بل كاختيار جمالي يعكس هشاشة التوازنات الداخلية للشخصيات. فكل عنصر سينوغرافي- من توزيع الأثاث إلى الإضاءة- يُسهم في بناء صورة شعرية متحركة، تتشكل وتتبدل تبعًا لتحولات الصراع. أما الحوار، فعلى الرغم من طابعه الواقعي، فإنه يُؤدَّى ضمن إيقاع محسوب يراعي موسيقى اللغة وتوتراتها، فيتراوح بين الانسياب الهادئ والانفجار العاطفي، بما يعزز الطابع الشعري للعرض. كما تلعب لحظات الصمت دورًا محوريًا، إذ تتحول إلى فراغات دلالية مكثفة، تتيح للمتفرج أن ينخرط في إعادة إنتاجها. بهذا المعنى، يبدو العرض وكأنه قصيدة مسرحية تتجسد في الزمن الحي، حيث تتآلف العناصر البصرية والسمعية والحركية في بناء تجربة جمالية تتجاوز السرد، لتلامس أفقًا تأمليًا يجعل من المسرح فعلًا شعريًا بامتياز، يزاوج بين الفكر والإحساس، وبين الصورة والدلالة.

أما على مستوى الأداء، فيحتل الحوار موقعًا مركزيًا بوصفه الحامل الأساسي للفكر الجمالي في العمل، متأرجحًا بين نقاش عقلاني وجدال عاطفي، ما يقتضي ضبطًا دقيقًا لإيقاع الإلقاء وتلويناته وفق التحولات النفسية للشخصيات. غير أن الكلمة لا تُقدَّم بمعزل عن الجسد، بل ضمن بنية أدائية ذات حساسية شعرية، حيث يتكامل القول مع الحركة ويكتسب الصمت قيمة دلالية مكملة. ورغم بساطة اللغة، ينفتح النص على صراع معرفي عميق يمزج بين متعة التلقي والتفكير. وفي السياق ذاته، يتحول الانتقال بين الفضاءات إلى عنصر جمالي فاعل، يتم بسلاسة عبر تدخل الممثلين أنفسهم، بما ينسجم مع الإيقاع الداخلي للعرض ويواكب تطوراته الدرامية.

وعلى هذا الأساس، تتكامل الاشتغالات الأدائية للشخصيات الثلاث في بناء نسيج تمثيلي متماسك ومتعدد الطبقات. فيؤدي “مبارك” الدور ببراعة لافتة، مجسدًا شخصية رجل صارم وحاد في ظاهره، غير أن الأداء يكشف تدريجيًا عن هشاشة داخلية مضمرة، حيث يطلّ الخوف من فقدان الصديق كتوتر خفي يحكم سلوكه وردود أفعاله. إنه أداء متوازن، يقوم على الاقتصاد في التعبير وعلى دقة في التقاط التحولات النفسية الدقيقة، ما يمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا واضحًا. أما “سعد”، فينجح في تقديم شخصية تتأرجح بين الثقة بالذات والنزوع إلى التمايز، حيث يعكس تعلقه بالفن المعاصر رغبة ضمنية في إثبات الذات وتأكيد القيمة الفردية. ورغم ما قد يبدو في شخصيته من نزعة إلى التعالي، إلا أن الأداء يمنحها جاذبية خاصة تنبع من صدق الإصرار الداخلي، ومن القدرة على جعل التناقض جزءًا من بنيتها الدرامية. في حين يبرز “سليمان” كعنصر توازن داخل هذا الثلاثي، تجمع بين الطرافة والارتباك والعمق الوجداني. فهو يجسد شخصية الوسيط الذي يسعى إلى رأب الصدع بين الآخرين، حتى وإن كان ذلك على حساب ذاته، ما يجعل حضوره مشبعًا بحس إنساني دافئ ومأزوم في الآن ذاته. وبذلك، تتكامل هذه الأداءات في بناء عرض يقوم على التوتر الخلاق بين الشخصيات، ضمن رؤية إخراجية تجعل من الأداء أداة لتكثيف الدلالة لا مجرد تمثيلها. هنا، يتحول الممثل إلى فاعل سينوغرافي، يشارك في “كتابة” الفضاء كما يشارك في بناء الشخصية، بما يعزز الطابع الشعري للعرض ويمنحه وحدة عضوية. وتُسهم الإكسسوارات المحدودة، بدلالاتها المكثفة، في ترسيخ هذا التحول، حيث لا تُستعمل بوصفها عناصر تزيينية، بل كعلامات دالة تُعيد تعريف المكان وتكثف حضوره الرمزي. وبهذا، يصبح الانتقال بين الأمكنة أشبه بانزياح شعري سلس، يحافظ على انسيابية العرض ويجنّبه التعقيد، جاعلًا من الفضاء المسرحي نصًا بصريًا موازيًا، يُقرأ بقدر ما يُشاهَد.

ويُضبط إيقاع العرض في انسجام عضوي مع تطور الأحداث وتصاعدها الدرامي، بحيث لا يكون الإيقاع مجرد تنظيم زمني للمشاهد، بل بنية حسية تتناغم فيها الحركة والصوت والصمت. وفي هذا الإطار، تتجاوز الموسيقى، التي يوقعها زكريا حدوشي، وظيفتها التأثيثية للصورة المسرحية لتغدو عنصرًا دراميًا فاعلًا، يُسهم في تعميق الحالات الشعورية للشخصيات، من قلق وتوتر، كما يواكب اللحظات الكوميدية بإيقاع خفيف يضاعف أثرها دون أن يفقدها بعدها التأملي. فالموسيقى هنا تُكتب كامتداد خفي للنص، أو كصوت داخلي يترجم ما تعجز الشخصيات عن البوح به. أما الإنارة، فتعتمد في مستواها الأول على بعد واقعي يضمن وضوح الفضاء والعناصر السينوغرافية، لكنها سرعان ما تنفتح على أفق تعبيري يتجاوز الوظيفة الإضائية نحو بناء الدلالة. ففي لحظات المونولوغ، حيث تنفصل الشخصية عن السياق الحواري لتغوص في مناجاة الذات أو في خطاب موجه إلى الجمهور، تتحول الإنارة إلى أداة كشف نفسي، تعزل الجسد داخل بقعة ضوئية مكثفة، وتمنح اللحظة طابعًا اعترافيًا حميميًا. بهذا المعنى، تتكامل الموسيقى والإنارة داخل رؤية إخراجية ذات منحى متماسك، حيث تتآزر العناصر التقنية لتشكيل نسيج جمالي موحّد، يُترجم توترات الداخل الإنساني ويمنح العرض إيقاعه الخاص، القائم على التناوب بين الانكشاف والاحتجاب، بين الصخب والهمس، في أفق مسرحي يجعل من الحواس مدخلًا للفكر، ومن الجمال وسيلةً لطرح الأسئلة.

أما على مستوى التصور السينوغرافي، الذي صاغ معالمه يوسف العرقوبي، فإنه يقوم على مبدأ تعدد الفضاءات باعتباره خيارًا جماليًا ودلاليًا في آنٍ واحد، حيث تتوزع الأحداث داخل بيوت الأصدقاء الثلاثة (مبارك، سعد، سليمان). غير أن هذا التعدد لا يُقدَّم في صيغة تفكيكية تُربك الإيقاع، بل ضمن رؤية موحّدة تحافظ على انسجام العرض وانسيابيته. ولتحقيق هذا التوازن، يعتمد التصور على خلفية متحركة تُعدّ العنصر البنيوي المركزي في تشكيل الفضاء، إذ تضطلع بوظيفة مزدوجة: تقنية وجمالية. فمن جهة، تتيح انتقالًا سلسًا بين الأمكنة، سواء عبر تسهيل دخول وخروج الشخصيات أو عبر إحداث تحولات بصرية مرنة؛ ومن جهة أخرى، تُسهم في بناء لغة بصرية دينامية، تجعل الفضاء في حالة تشكّل مستمر، بما يوازي تطور العلاقات الدرامية. كما يتم توظيف إكسسوارات محدودة لكنها مشحونة بالدلالة، لا بوصفها عناصر زخرفية، بل كعلامات فارقة تبرز خصوصية كل فضاء وتعكس في الآن ذاته ملامح الشخصيات وانتماءاتها. فاختلاف التفاصيل المادية بين البيوت لا يكتفي بتحديد المكان، بل يلمّح إلى الفروق النفسية والاجتماعية بين الشخصيات، مما يعمّق الأفق القرائي للعرض.

وبالتالي، يتجلى إخراج عبد الجبار خمران كاشتغال جمالي متقن يقوم على الاقتصاد البصري والاختزال الدلالي، حيث يُبنى العرض داخل فضاء شديد البساطة، تكاد تختزل ملامحه في “اللوحة البيضاء” كعلامة مركزية، وفي حضور ثلاثة ممثلين يتصدرون واجهة اللعب المسرحي. هذا الاختزال لا يُفهم كفقر في الوسائل، بل كخيار جمالي واعٍ يراهن على تكثيف الدلالة وإبراز جوهر الأداء. وانطلاقاً من ذلك، يصبح الصمت عنصرًا دراميًا فاعلًا، وتغدو النظرة حركة مكتملة المعنى، تكشف هشاشة الشخصيات وصدقها في آن واحد. فالعرض لا يعتمد على كثافة الأحداث بقدر ما يرتكز على اقتصاد التعبير، حيث تتولد الدراما من التفاصيل الدقيقة ومن التوترات الخفية التي تسكن العلاقات الإنسانية. ويُسهم هذا البناء البسيط في إنتاج كوميديا قائمة على المفارقة، حيث يضحك المتلقي من عبثية الخلافات اليومية، لكنه يجد نفسه في لحظات أخرى أمام جمل مشحونة بعمق إنساني أو بحميمية غير متوقعة، تكسر سطح السخرية لتكشف عن طبقات أعمق من الشعور والتأمل.

إن ما يميز هذا العمل هو قدرته على تحقيق توازن دقيق بين البساطة والعمق، بين الخفة والحمولة الفكرية، بما يجعل منه تجربة مسرحية محسوبة الإيقاع، رفيعة الصياغة، خالية من المبالغة أو الاستعراض. ومن خلال هذا التوجه، يقدّم عبد الجبار خمران عودة مسرحية لافتة، يتداخل فيها البعد الإنساني بالبعد الفني، حيث لا يُنظر إلى المسرح كأداة للعرض فقط، بل كفضاء للإنصات إلى الإنسان في ضعفه وصدق انفعالاته. وبهذا المعنى، ينجح العرض في خلق لحظة مسرحية مكثفة، تتجاوز حدود الفرجة العابرة لتترك أثرًا وجدانيًا عميقًا، قوامه الإحساس بالدفء الإنساني وبجماليات القول المسرحي حين يبلغ أقصى درجات صفائه.

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق