(مسرحية من فصل واحد)
تنويه: صدرت هذه المسرحية ضمن نصوص كتاب “مسافات في الظل”، عن دار التلاقي للكتاب (القاهرة) 2010. تُرجمت إلى الفرنسية تحت عنوان: “.Dis: je suis heureux“، وصدرت ضمن نصوص كتاب “Parcours dans l’ombre- Nagah Abdelnour” عن دار نشر L’Harmattan الفرنسية 2017.
الشخصيات
عليش : عجوز هرم.
سلام : شاب وقور هادئ.
الفصل الأول
أصوات صرصور الليل، نقيق ضفادع، وأسماك تضرب الماء الراكد من آنٍ إلى آخر.
إضاءة.
المسرح عبارة عن عجلة دائرية كبيرة مرتفعة، تتحرك ببطء وفق حركة عقارب الساعة.
يظهر عليش وسلام في أقصى اليمين. يظهر عليش أولًا؛ هو عجوز هرم، ثم سلام، وهو شاب وقور هادئ.
يجلسان على حافة العجلة، مدليين أرجلهما. يمسك كل واحد منهما بصنارة أمامه، يصطادان السمك. هناك بقعة ضوء تسقط عليهما، فيبدوان وكأنهما يجلسان على ظهر ساقية دائرية كبيرة، موضوعة على حافة نهر شبه راكد.
يلقيان بشصيهما في السواد، يخيم الهدوء عليهما لفترة، ثم ينهض عليش – بالكاد يمشي – ويلقي ببعض الحجارة في الجهة المقابلة، فيُسمع صوت ارتطامها القوي بالماء. يعود ويجلس مكانه ممسكًا بصنارته ومركِّزًا في الماء.
عليش : والآن، ماذا كنت أقول قبل أن أقف وألقي بحجارتي في الماء، مهيجًا بها هذا السمك الذي لا يأتي أبدًا؟
(وقفة)
حسنًا، كنت أقول: لقد حان الوقت يا عليش، حان الوقت لتبدأ من جديد. أبوك أكل من الثمرة المحرمة، وحكم على نفسه بالموت إلى الأبد، حكم على نفسه بالحياة في الظلام؛ الظلام الأسود، الظلام الذي يغلف ثوبًا من الساتان لامرأة خرجت لتوها من الحمام، يتبعها بخار الماء الدافئ، السواد الذي تشمه وتلمسه وتتحسسه بيديك. (وقفة) كنت أقول: لقد حان الوقت يا عليش لتصطاد، ولو أسماكًا صغيرة لا تصلح للأكل. حان الوقت من جديد لتصطاد، وتهتز أصابعك القوية، وتنتشي بلذة الارتعاش. (ينظر إلى سلام) لقد حان وقتك يا عليش، وأصبح قريب المنال!
سلام : أما أنا فدائمًا أقول لنفسي: لا تكن واثقًا إلى هذا الحد، لا تكن واثقًا أبدًا يا سلام، فكل الأشياء تتغير. لا يوجد ثبات إلا في الله وحده؛ الله الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران. الله الباقي للناس إلى الأبد. كنت أقول لنفسي… ولكن، أصدقك القول يا سيدي، ما زلت لا أصدق أي شيء مما يحدث أمامي، لأن كل شيء يتغير بسرعة البرق.
عليش : لا تكن متشائمًا إلى هذا الحد. (يُخرج بعض التبغ من جيبه، يخلطه بيديه) أنا لا أستطيع أن أقول لك كل شيء دفعة واحدة، أنا عاجز، لكنني (يمضغ التبغ) سأدور حول الفكرة، سألف وأدور حولك، وأتقافز أحيانًا كالقرد، لكنني سأقولها لك في النهاية. سأقول لك كل شيء قبل أن تموت مباشرة وبعد! (يبصق)
حسنًا، إنه لأمر محزن أن يموت الإنسان. لا يعرف المرء الكثير حتى يموت. يعرف المرء الكثير قبل أن يموت مباشرة، ثم تبدأ حياة أخرى؛ يولد طفل آخر، ويتعلم حتى المئة، ثم يموت. (وقفة)
أنا أتمنى أن أبعث من جديد، أن أولد مرة أخرى، وأن أعرف كل ما عرفته في حياتي السابقة، كل شيء عرفته عن الله، والأرض والكون، والآخر، ثم أبدأ حياةً جديدة.
سلام : صعب.
عليش : ما الصعب؟
سلام : أن تقرر أن تبدأ من جديد بعد معرفة الآخر.
عليش : دائمًا البدايات صعبة.
سلام : إنني كلما أوغلت في معرفة الناس، أشعر بالسخف. لا أظنك على جانب الصواب يا سيدي. إنني أتمنى أن أنسى كل ما عرفته عن الناس. ولو خيرني الله أن أبدأ من جديد مرة أخرى، فسأبدأ وحدي، وأستمر وحدي دون الحاجة للآخر.
عليش : أنت متحامل على الآخر يا سلام، هناك دائمًا أناس طيبون.
سلام : أنا لست ضد الآخر، ولست معه. أنا أقول لك: إنني أريد أن أبدأ وحدي، كنخلة تنفلق بعد أن تموت حبتها في الأرض، فتقوم وترتفع وحدها دون الحاجة إلى الآخر. “الجحيم هو الآخر”.
عليش : سمعت هذه العبارة من قبل.
سلام : سمعتها أنا أيضًا.
عليش : لا أظن أنه بعيد عن الجحيم، هو في البؤرة نفسها.
سلام : من؟
عليش : الذي قال هذه العبارة.
سلام : في الجحيم؟
عليش : في قلب النار عينها.
سلام : لماذا؟
عليش : كان يعيش من أجل نفسه فقط. (وقفة) لا، ليس جيدًا أن يقول ذلك. إننا نعيش من أجل الآخر، نشعل أعمارنا كالشمع، نذوب ونذوي ونضيء، كل ذلك من أجل الآخر. (يبصق) وعند انتهاء الحياة على الأرض، فلن نحيط أنفسنا بالأشياء، بل إن جلَّ ما نبتغيه حولنا هو الناس، الناس الذين نحبهم ولنا علاقات بهم. (وقفة) إننا ندرك في لحظاتنا الأخيرة أن الحياة تتلخص في العلاقات، ومن الحكمة أن تتعلم تلك الحقيقة الآن، بدلًا من أن تدركها فيما بعد. لا تنتظر حتى تصبح على حافة الموت، لتكتشف أن لا شيء أهم من ذلك.
سلام : أنت رجل مُقْنِع.
عليش : (مرتبكًا فجأة) أنا لست مُقَنَّعًا.
سلام : لا، لا.. أقول: إنك رجل مُقنع. من النادر أن أسمع إنسانًا يقول مثل هذا الكلام. الحقيقة أن كلَّ من رأيت في حياتي كان يعيش من أجل نفسه فقط. وإن أردت الحقيقة المُرَّة: أنا لولا الآخر لكنتُ شخصًا غير الشخص الذي تراه الآن.
عليش : علينا أن نغفر.
سلام : قد يكون من الصعب أن نغفر.
عليش : إن أردت أن تغفر، عليك أن تنسى.. تعلم أن تنسى… كالله.
سلام : استغفر الله!
عليش : الله ينسى؛ عندما تتوب ينسى كل ذنوبك، تولد من جديد، بشرط أن تكون صادقًا مع نفسك ومعه. (وقفة)
هل تدري ما أعظم خطيئة يرتكبها بنو البشر؟ (وقفة) إنهم ينسون أن لله مشاعر أيضًا. إنه يشعر بالأشياء بطريقة عميقة جدًا. أتعلم أن جميع الكتب السماوية والأديان تقول إن الله يحزن، ويغار، ويغضب، ويتحنن، ويشفق، ويتعاطف، كما أنه يشعر بالسعادة والابتهاج والرضا، ويحب، ويُسرّ، ويتهلل، بل ويضحك؟
سلام : أعوذ بالله! من الصعب أن أصدق أن الله يضحك.
عليش : إنها أمور لا تحدث بالطريقة التي يفهمها الناس، بل تأخذ شكل عبادة. (وقفة) أتدري أن العبادة إلحاحٌ كوني غرسه الله في النسيج العميق لكياننا؟ إنها احتياج داخلي للتواصل مع الله.
سلام : إن خبرةً كبيرةً تكمن وراء حديثك.
عليش : الخبرة شيء تافه، بسيط. كل الناس يمتلكون الخبرة. الخبرة وحدها لا تُخلِّص، بل الذكاء والحنكة. أمي علمتني الذكاء يا سيد سلام، فنون الذكاء. علمتني أن أتشكل كالأفعى، وأغير جلدي من آنٍ إلى آخر. أمي لها كل الفضل في حياتي. كانت الشر بعينه!
(صمت)
هل قرأت الكتاب؟
سلام : عفوًا؟
عليش : هل قرأت الكتاب يا سيد سلام؟
سلام : أي كتاب؟
عليش : الكتاب المقدس.
سلام : ربما بعض الأجزاء.
عليش : حسنًا.. حسنًا. والآن دعني أسألك: ماذا كان آدم قبل أن يُخلق؟!
سلام : طينًا!
عليش : وماذا سيكون عليه بعد أن يموت؟
سلام : لا أعرف.
عليش : لا، المسألة بسيطة. انظر! (يضع صنارته جانبًا) عندما تموت، تتحول إلى شيء آخر، شيء مجرد لا يختبره إلا الذي مات. (يضع طعمًا في الصنارة) تصبح شيئًا هيوليًّا؛ لا تتألم، ولا تبكي، ولا تشعر إن داس الآخرون على أي طرف منك.
سلام : نظرية سليمة أكاد أقبلها إلى حد ما.
عليش : لا شيء سيصيبك بالدوار، لا شيء سيزعجك. تنتقل وقتما تشاء، دون الحاجة إلى الزمان أو المكان.
سلام : (متأملًا) الزمان والمكان.
عليش : الزمان والمكان.. المكان والزمان. هذا هو صليبي في هذا العالم. أشعر أن شخصًا ما يُصر طوال الوقت على أن يدقني كما دقوا المسيح على صليبه. شخص ما غير مرئي يربطني من شعر رأسي في الزمن، ويدق أطرافي كلها، هل ترى؟! (يريه يديه ورجليه) يدق كل أطرافي في المكان، يدقها بمسامير ويصيبني بالشلل. (وقفة) كل ما أفعله: أن أجلس كل يوم وأصطاد. أنا لا أصطاد السمك فقط، أنا أصطاد الناس أيضًا. (يحدق فيه) قال المسيح لبطرس ذات مرة: “سأجعلك صيادًا للناس”. أنا أحب أن أصطاد الناس. أحررهم. لا يتحرر إلا من اُصْطِيد.
سلام : وكيف تصطاد الناس؟!
عليش : (يرمي الخطاف في الماء) ستعرف. لا تقلق.
(وقفة)
إن المعرفة تحتاج إلى تأنٍ. لا تقرأ كتابًا على عجالة، اقرأ بعضه بتأنٍ، اقرأ حتى جملة أو اثنتين واكتفِ بهما. ليست المسألة بالكم وإنما بالكيف. إن يومًا واحدًا يعادل حياة بأكملها، ساعة واحدة قد تفوق ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا. ليس مهمًا كم عامًا قضاها المرء، بل الأهم كم ساعة عاشها. (وقفة) هل تعرف؟ عندما وجدتك اليوم في السوق، حين كنت واقفًا أمام باعة الحمام، قلت لنفسي: هذا هو صيدي. هذا هو صيدك اليوم يا عليش. ولم أبرح المكان حتى تعرفت عليك.
سلام : إن معرفتي بك يا سيدي تزيدني شرفًا. أنت رجل حلو العِشرة، لديك خبرة، وأنا شخص يهوى الاستماع. أنا أحب أن يتكلم الآخرون وأنا أصمت. أنا رجل قائم على الصمت، على النسيان، كل ما أرى في هذا العالم يزعجني. لا أكاد أرى حقيقة ثابتة أبدًا. كل شيء يتغير، الناس تتغير، الحقائق تتبدل، وكل ما كنا نعرفه على أساس أنه حقيقة صار شذرات. لا شيء ثابت إلا هذه الأرض التي تدور وتستمر، وكأنها آلة ثابتة تحركها التروس.
عليش : الكون كله ثابت. هناك مصمم جليل خلف كل شيء. ليست حياتك نتيجة لصدفة عشوائية، أو قدر، أو حظ، بل توجد هناك خطة بارعة. إن التاريخ هو خطة الله، وهو يمسك بخيوطه. (وقفة) إننا نرتكب أخطاء، لكن الله لا يخطئ أبدًا. لا يمكن أن يرتكب الله أي خطأ، لأنه هو الله. (وقفة) إن خطة الله لحياتك تشمل كل ما يحدث لك، بما في ذلك أخطاءك وخطاياك وجروحك وموتك وحياتك، والأشخاص الذين تقابلهم في الزمان أو المكان.
(وقفة) الزمان والمكان. الكون هو الزمان والمكان، معايير ثابتة، وقيم غير قابلة للتغيير. لكن الحصيف يُغيّر كل شيء، الشخص الذكي يشكل العالم على هواه، الشخص الذكي يُغيّر حتى بعد مرور المئات من السنين.
(صمت)
أعرف شخصًا جاء بعد خمسمائة عام، واستطاع بحنكته وحصافته أن يغيّر التاريخ.
سلام : بعد خمسمائة عام؟!
عليش : كان ذلك على شاطئ بحيرة ليمان. (وقفة) تلك البحيرة التي تتسلل بين جبل تكسوه الخضرة وممر يقصده أغلب السياح الذاهبين إلى هناك. المهم، كان هناك أربعة أشخاص يقفون، يتأملون باخرتين قادمتين، كل منهما من جهة مقابلة للأخرى، ولم تتوقفا حتى حدث اصطدام عظيمٍ مدوٍ. جاء رجال الشرطة، وأخذوا الأشخاص الأربعة الواقفين يراقبون المكان كشهود عيان، وسجلوا كل ما قالوه كلمةً كلمةً، واحتفظ رجال الشرطة بهذا السجل بعد أن دونوه، ووضعوه في لوحة الاستعلامات، ليكون شاهدًا أمام الجميع على سر الاصطدام. (وقفة) وجاء ذلك الرجل الذي كلمتك عنه. جاء من مسافة على بعد عشرة آلاف ميل على الأقل. ذهب إلى المحكمة وأدلى بأقوال مغايرة تمامًا. قال إن لديه براهين ملموسة. (وقفة) قال إن شخصًا ظهر له في حلم وقدم له براهين قاطعة عن هذا الأمر.
سلام : بعد خمسمائة عام.. غريب!
عليش : بل الغريب في الأمر أنه قال: إنه لم يحدث أي اصطدام على الإطلاق!
سلام : أووه! هل أنت جاد فيما تقول؟
عليش : بالفعل! قال كذلك بالفعل.
سلام : آه، إذن كل الذين ماتوا قبل مجيئه، ماتوا دون أن يعرفوا الحقيقة.
عليش : أي حقيقة؟
سلام : حقيقة أنه لم يحدث أي اصطدام على الإطلاق.
عليش : وما أدراك أنه لم يحدث؟
سلام : هذا الرجل، صاحب الحلم.
عليش : بل ماتوا مستندين إلى الفكرة التي قالها الشهود الأربعة، وسجلها المخفر وقضت بها المحكمة.
سلام : ربما في ذلك الوقت كانت لا تزال هناك بقايا تقبع في قاع البحيرة.
عليش : ربما. وقد يكون هذا هو السر الذي استندت عليه المحكمة في حكمها في ذلك الوقت.
سلام : حسنًا، وماذا كان رأي المحكمة بخصوص قصة ذلك الرجل؟
عليش : في الحقيقة، المحكمة لم تنظر إليه، لكن الغريب في الأمر أن بعض الحاضرين في هذه الجلسة قد صدقوه.
سلام : وماذا كان مصير ذلك الرجل صاحب الحلم؟
عليش : قالوا: إنه نبي، يرى رؤى وأحلامًا، ويعرف الحقائق ويكشف زيفها بعد زمن بعيد.
سلام : ولكن اسمح لي أن أسألك: هل حدث اصطدام أم لم يحدث؟
عليش : حدث… حدث. كان اصطدامًا مدويًا للغاية. ارتفعت النيران على مسافة بعيدة، رآها كل الجالسين على المقاعد، والذين يرقصون في Montreux Casino، والذين يقيمون في Eden Palace.
سلام : هل رأيت الاصطدام بنفسك؟
عليش : كلا، ولكني كنت واحدًا من الجالسين في المحكمة، الذين لم يصدقوا هذا الرجل الحالم.
سلام : قصة مثيرة. ولكن ماذا حدث لذلك الرجل الطيب، الآتي بعد خمسمائة عام كي يدلي بشهادته للتاريخ؟
عليش : قرر أن يعيش من أجل أسرته، تزوج وأنجب أطفالًا، ثم كرّس حياته يعلمهم كيف يموتون في سبيل هذه الحقيقة المؤكدة: إنه لم يحدث أي اصطدام على الإطلاق.
(صمت)
هل رأيت؟ قلب الحقائق يحتاج إلى موهبة خاصة، حكمة خاصة لا تكشفها لك كل الأيام.. الأيام. (وقفة) هل قرأت “أخبار الأيام”؟
سلام : أخبار من؟
عليش : “أخبار الأيام”، قصص بني إسرائيل.
سلام : لا.
عليش : حسنًا. قال الله لأحد رجاله ويدعى صموئيل: قم امسح شاول لهم ملكًا، لأن الشعب قد رفضني.
سلام : يمسحه لمن؟
عليش : للشعب، لبني إسرائيل. وجاء صموئيل، وصب زيتًا كان يحمله في قرن على الرجل، وعيّنه ملكًا. (يصطاد سمكة) حسنًا.. حسنًا. إن أجمل ما في الصيد أن تقبض على السمكة بين يديك، وأن تشعر باهتزازاتها وهي تهز جسدك كله. (يضغط على السمكة، يهرسها، يتغير وجهه وهدوؤه ثم يبتسم وقد شعر بالارتياح. سلام يلاحظه في هدوء. يلقي عليش السمكة مرة أخرى في الماء – بعد أن سحقها- ثم ينظر إلى سلام) ثم أخطأ شاول، أراد أن يصنع ما رآه صالحًا في عينيه، أراد أن يتحرر من أفكار الله، فرفضه الله. (وقفة) أنت تعلم أن الثقة بالله مقوِّم ضروري للخضوع، وأنك لن تخضع لله ما لم تثق به. لكن لا يمكنك أن تثق به ما لم تعرفه بصورة أفضل. (وقفة) إن الخوف يعيقنا عن الخضوع، لكن المحبة الكاملة تطرح الخوف خارجًا.
(صمت)
المهم رفض الله شاول، وأمر صموئيل أن يذهب ويمسح ملكًا آخر عليهم، داود بن يسَّى البيتلحمي… ومُسِح داود. (وقفة) هل رأيت؟! إن لم تخضع لله فستخضع للفوضى. كلما جعلت الله يتولى أمرك، كلما أصبحت نفسك بحق، لأنه هو الذي صنعك. إنه هو الذي صمم كل الأشخاص المختلفين، الذين قُصِدوا ليكونوا أنا وأنت. (وقفة) إن السبب الذي جعل الله يعتبر أيوب وداود من أصدقائه المقربين، هو أنهما كانا يقدران كلمته فوق كل شيء، وكانا يفكران فيها بصفة مستمرة طوال اليوم.
(صمت طويل)
سلام : عفوًا، لماذا رفض الله هذا المدعو شاول؟
عليش : لأنه أراد أن يحقق ذاته، يحققها من خلال فكره هو. والحق، ربما كان صموئيل يدس أنفه في كل شيء. هل جربت أن يدس الآخرون أنوفهم في حياتك؟
سلام : جربتهم كثيرًا… كثيرًا جدًا.
عليش : جربت ماذا؟
سلام : جربت أنوف الآخرين، جربت أنوفهم وأفواههم وأيديهم وأقدامهم. جربت الآخرين يا سيدي، جربتهم بحق.
عليش : غريب!
سلام : وما الغريب في هذا؟
عليش : أنت تفهم الناس بمقياس واحد، مقياس شخص واحد أساء إليك، ربما أشخاص، لا تقلق، ولكن انظر! (وقفة) أنا عجوز بما يكفي، عجوز جدًا، وكما يقولون قد أكل الدهر عليَّ وشرب، لذلك صدقني أن الناس أغلبهم طيبون.
(الآن هما في بؤرة المسرح، ويواجهان الجمهور بالضبط)
لا تحكم على العالم إلا بالقاعدة، والقاعدة تقول: إن الله طيب، طيب جدًا، والعالم على صورة الله كما تقول كل الكتب، وعلى صورة الرحمن ومثاله آدم خُلق. وما دام الله طيبًا، فالعالم طيب.
سلام : يا سيدي أنت رجل طيب، والله طيب، والناس أيضًا بعضهم طيبون، ولكنني أريد أن أعيش وحدي، أن أبقى وحدي. وحين أقنعتني بفكرة الصيد، أن آتي وأصطاد معك الليلة، فهذا لا يعني أنني قد اختلطت بالعالم، بل أؤكد لك: إن وجودي مع شخص واحد أو حتى أشخاص يؤكد لي فكرتي، أنني وحيد وغريب مهما كانت أصوات الآخرين من حولي. وإنني حزين، حزين إلى حد قاتل.
عليش : الحزن يترك عمقًا في النفس لا يدركه إلا الفطن. (وقفة) سلني أنا، لقد اختبرت كل شيء. الحزن والسعادة حالتان تتطلبان الإعلان. فقط أعلن أيهما، ثم استحلب ما تعلنه.
قل أنا أحب الناس. (سلام ينظر إليه، تشده صنارته ويصطاد سمكة صغيرة، يحررها من صنارته، ثم يلقيها في الماء بينما العجوز لا يزال يكمل كلامه)
قل: أنا أحب الناس. (وقفة)قل: أنا أحبهم. (وقفة) حتى لو لم يحبني أحد، أنا أحب الناس. (وقفة)قل: أنا أحب الناس.
(صمت)
إنه لأمر محزن جدًا، أمر يدعو للخجل، أن يفكر إنسان مثلك بهذا الشكل معناه أن الخليقة قد فسدت بالكامل.
نعم، إننا نحيا في عالم ساقط، لكن في السماء سوف يتم كل شيء بالطريقة الكاملة التي قصدها الله.
عالم ساقط، أو ربما وهذا هو الأقرب للصواب: إننا نعيش أزمنتنا الأخيرة. قال المسيح: “في الأيام الأخيرة تبرد محبة الكثيرين”. وأصدقك القول، قد صار هذا العالم فاترًا بلا حب. عالم تبجح كامرأة عارية تقف في السوق لتبيع نفسها.
سلام : وما الحل؟
عليش : (يضحك بخبث) في الحقيقة، قد لا يكون هناك حل، إلا إذا…
سلام : إلا إذا ماذا؟
عليش : هل تعرف قصة تلك التينة، التينة الحمقاء.
سلام : يبدو أنك تعرف العديد من القصص يا سيدي، هل لي أن أسألك: ماذا كنت تعمل؟
عليش : ماذا؟
سلام : أسألك عن العمل يا سيد عليش.. وظيفتك؟
عليش : وظيفتي؟ أليس كذلك؟
سلام : بلى.
عليش : وماذا تعتقد أنت؟ (وقفة) هل تقدر أن تخمن؟
سلام : (دون تفكير) رجل دين.
عليش : (يضحك طويلًا كالمنتصر) أنا عملتُ في كل الوظائف، من أدناها إلى ما لا يمكن أن تتوقعه. سافرت إلى بلادٍ عديدة، وأستطيع أن أقول لك: إنك لن تقدر أن تجمع خرم إبرة على الخريطة لم تطأه قدم عليش.
سلام : يقولون: إن كمال المعرفة لا يمكن الحصول عليه إلا بالسفر.
عليش : المعرفة.. السفر. يا لجمال الكلمتين! (وقفة) سألتك: إن كنت تعرف قصة التينة الحمقاء، هل سألتك هذا السؤال؟
سلام : نعم سألتني.
عليش : هل تعرف هذه القصة؟
سلام : نعم أعرفها.
عليش : عظيم! والآن دعني أحكي لك القصة من زاوية أخرى.
تقول القصة: إن صاحبًا لكرم غرس تينة، وأحاطها بكل الوسائل، وضع حولها السياج، ونثر الزبل، ورغم كل تلك المحاولات، فإن التينة لم تثمر.
سلام : وماذا بعد؟
عليش : تركها عامًا بعد عام، وأحضر أسمدة عضوية وغير عضوية، واستعان بأكبر المختصين في الزراعة.
سلام : ثم؟
عليش : لم تثمر. هل تعلم ماذا فعل صاحب الكرم مع تلك التينة؟
سلام : لا.
عليش : اجتثها وأحرقها بالنار. (وقفة) هل تعرف لماذا كانت التينة لا تثمر؟
سلام : كانت تينةً رديئةً، يابسة الجذور.
عليش : لا، أبدًا. كان صاحب الكرم يطلب التين في غير أوانه! كان يريدها أن تثمر في غير أوان التين! هل تصدق هذا الأمر؟
سلام : إنه أمر غريب بالفعل.
عليش : لقد لعن المسيح تينةً يومًا، لأنها لم تثمر التين في غير أوانه. لعنها فيبست في الحال. (وقفة) هل تصدق هذا؟
سلام : إنه غريب حقًا.
عليش : غريب جدًا.
سلام : لكنه لم يكن أوان التين!
عليش : عليك أن تكون مستعدًا في كل وقت. أن تكون جاهزًا للموت في أية لحظة، أولًا بإيمانك؛ أن تؤمن بأن الله أحبك، وأنه عليك أن تحب أخاك.
سلام : أنا لا أكره أحدًا، ولكني أتحاشى الجميع.. أحب الوحدة.
عليش : وعندما تحب، تعلن جاهزيتك للخلود. الحب هو أول السطر في أبدية لا تنتهي.
سلام : إن حديثك يروقني تمامًا. اسمح لي أن أقول لك: إنك كالمعالج النفسي. استراحت نفسي كثيرًا بالحديث معك الليلة. آه، يا ليتني قد قابلتك منذ زمن.
عليش : إن التغيير سهل يا سلام، فقط بضع كلمات، بضع كلمات فيها السحر، بضع كلمات تتطلب إعلانًا، وتكرارك لها هو إعلانك، تكرارك هو ثوبك، وشهادتك، ومفتاحك الوحيد للأبدية.
سلام : صدقني، لقد ارتحت كثيرًا الآن. إن الحديث معك يريح النفس. نعم وأكرر: إن الحديث معك يريح النفس، ويضمّد الجراح القديمة.
عليش : والآن، لكي تعلن إيمانك يمكنك أن تردد خلفي.
سلام : أعلن ماذا؟
عليش : تعلن أنك سعيد بأن قابلتني اليوم!
سلام : نعم، أنا كذلك.
عليش : والآن، ردد خلفي.
سلام : ماذا أقول؟
عليش : قل: شيكيتا بيكم.. سيف ما سول.
سلام : شيكيتا بيكم.. سيف ما سول.
عليش : مانتو مايم إيريني بوس.
سلام : مانتو مايم إيريني بوس.
عليش : آمين.
سلام : آمين.
عليش : إذن، أنت الآن قد تغيرت!
(يقف. يمسك خيط الصنارة بين يديه، ويمشى على العجلة الدوارة خلف سلام ذهابًا وإيابًا)
سلام : صحيح؟
عليش : صحيح. هل تشعر بذلك؟
سلام : في الحقيقة… حسنًا، أنا أشعر بذلك.
عليش : قد تغيرت؟
سلام : نعم… نعم أشعر بذلك.
عليش : تشعر بماذا؟
سلام : أشعر بأنني قد تغيرت.
عليش : قل: أنا سعيد.
سلام : أنا سعيد.
عليش : سعيد جدًا.
سلام : سعيد جدًا.
عليش : سعيد جدًا جدًا.
سلام : سعيد جدًا جدًا.
عليش : والآن، وبما أنك سعيد جدًا، ماذا تريد أن تصنع؟
سلام : أنا لا أريد شيئًا. أريد أن أظل سعيدًا هكذا.
عليش : هل أنت حقًا سعيد؟
سلام : سعيد جدًا.
عليش : جدًا جدًا؟
سلام : جدًا جدًا.
عليش : ساتيورم ماكيوراتا شاكيونا.
سلام : ساتيورم ماكيوراتا شاكيونا.
عليش : هاترشيستا ماتسورام إيرونا.
سلام : هاترشيستا ماتسورام إيرونا.
ما هذه اللغة؟
عليش : إنها لغة السعادة.
سلام : إنني أمتلئ بالفرح، أريد أن أطير، هل أنت ساحر؟
عليش : أبدًا.. أبدًا.
سلام : لا،لا. أنت ساحر.
عليش : إن للسعادة مفاتيح.. وهذا هو المفتاح الأول.
سلام : يا إلهي أكاد أجن! بمجرد أن قلت: إنني سعيد، شعرت بأن جبلًا ثلجيًا في داخلي ينهار.
عليش : فقط أن تعلن.
قل: أنا سعيد. (يضع حبل الصنارة حول رقبة سلام)
سلام : أنا سعيد.
عليش : سعيد جدًا.
سلام : سعيد جدًا.
عليش : سعيد جدًا جدًا.
سلام : سعيد جدًا جدًا. إنني أمتلئ بالفرح، أريد أن…
(يشد عليش الحبل على رقبته بقوة. ينتفض سلام وهو ينظر إليه من هول الصدمة، يحمّر وجهه ويسوّد، ثم يرتمي على ظهره جثة هامدة)
عليش : وهذا هو المفتاح الثاني. الآن أنت حر.. حر تمامًا.
(يزيح الجثة برجله، فتسقط ويُسمع صوت ارتطامها بالماء. يعود عليش، يجلس مكانه، يبدأ في صيد السمك، يرفع صنارته، يصطاد سمكةً صغيرة، يضعها بين كفَّيه، ثم يسحقها)
عليش : قل: أنا سعيد.
صوت سلام : أنا سعيد.
عليش : سعيد جدًا.
صوت سلام : سعيد جدًا.
عليش : سعيد جدًا جدًا.
صوت سلام : سعيد جدًا جدًا.
عليش : ساتيورم ماكيوراتا شاكيونا.
صوت سلام : ساتيورم ماكيوراتا شاكيونا.
عليش : هاتريشيستا ماتسورام إيرونا.
صوت سلام : هاتريشيستا ماتسورام إيرونا.
(يضحك عليش، يقهقه برعبٍ، تختلط ضحكاته المرعبة مع صوت سلام)
صوت سلام : إنني سعيد. أشعر بأن جبلًا ثلجيًا في داخلي ينهار.
(يختفي عليش في أقصى اليسار – بعد أن أكملت العجلة الدائرية دورتها بالكامل- ويسمع صوته فقط)
صوت عليش : فقط أعلن.
(صمت)
صوت عليش : قل: أنا سعيد.
(صمت)
صوت عليش : سعيد جدًا.
(صمت)
صوت عليش : سعيد جدًا جدًا.
تنطفئ الإضاءة فجأة، وتُسمع أصوات صرصور الليل ونقيق الضفادع، وصوت حركة ضعيفة لسمكة تضرب الماء الراكد بين حين وآخر.
ستار