حِراسةٌ مُشدَّدة طقسُ قَداسةٍ مقلوبَةٍ رأساً على عَقِب !على خشبة مسرح Print Room اللندني
علي كامل: لندن
في كتابه “ القديس جينيه ممثلاً وشهيداً” كرسَّ جان بول سارتر مؤلَّفَه هذا لمحاكمةٍ وجوديةٍ لرجلٍ لم يُولد مُجرماً، بل دُفع
عنوةً من قِبَلِ المجتمع الذي نبذه. فقد قُذف بجينيه طفلاً إلى هاوية لا يُعرفُ لها قاع حين اتُّهم بالسرقة وأُودع الإصلاحية، هناك حيث تلقَّى درسه الأول: “ما دُمتم تُسمُونني لِصّاً، فسأكونُ أشرَّ اللُصوص”.
غربته القاسية تجد لها تعبيراً حزيناً ومؤلماً في هذه السطور التي دونّها عام ١٩٧٧، وهو يصف الانعطاف الحاسم في علاقته بالآخرين، يقول: “هكذا تعلّمتُ أن أكون غريباً بطريقة مضحكة وحمقاء جداً. ففي أحد الأيام طلب المدرّس أن نكتب موضوعاً يصفُ كل واحدٍ منّا بيته، وحين انتهيتُ من كتابة الموضوع، اختاره المدرِّس وقرأه بصوت عالٍ أمام التلاميذ، وما أن انتهى من ذلك حتى ضجَّ الجميع بالضحك قائلين: “هذا ليس بيته.. إنه لقيط“.
وهكذا بدأ ضحية مقذوفة إلى الهامش، وانتهى بطلاً لمأساته، فقد تبنّى قناعه عن وعي، محوّلاً هذا الرفض إلى خيار وجودي.
وعلى الرغم من تشرده وفقره، لم تفارقه آثار التهذيب البرجوازي الذي عرفه في طفولته الأولى. فظلت الطهارة واللغة الفصيحة سوطاً يجلد به ذاته، حتى صار يمارس “شراً مزخرفاً”، على حد تعبير سارتر، يُحوّل فيه الجريمة إلى طقس،
والدنس إلى قَداسة مقلوبة. ولأن العالم أغلق في وجهه كل الأبواب، وجد في السجن وطناً وديراً. ففي عتمة زنازينه فقط عثر على حريته وسط المجرمين والمنبوذين من أشباهه، فمنحوه اسماً ورفقةً وحياة. ومن هذه العزلة الانفرادية أزهرت مسرحياته، ومن وراء القضبان ولدت جُلَّ كتاباته الأدبية الأخرى. فقد استطاع أن يُحوّل العارَ إلى تتويج، والوصمةَ إلى
تاجٍ. فبدلَ أن يستجدي الصفحَ، صرخ في وجه نابذيه: “نعم، أنا القذر الذي تتهمونه، وسأبلغ في قذارتي حدًّ القداسة”. وجملته الشهيرة: “سأكون لِصّاً” لم تكن هزيمة ولا استسلاماً، بل فعل حرية، تمرداً على الشفقة، وانتزاعاً للضوء من قلب العَتمة.

“الثالوث المقدَّس”
مسرح جينيه لا يزال حتى اليوم، مسرحاً رؤيوياً وشعرياً في آنٍ معاً. إنه انعكاسٌ لعالم باطني منسوجٍ من الأحلام، يتمازج
فيه العنف بالجمال واللغة بالطقس، فيصير ذلك كله ضرباً من السحر المقدّس. في هذا العالم يرتقي المنبوذون والمجرمون إلى مصاف القديسين والملائكة، من رَحِمِ فضاءٍ خفيٍّ تُشكّله عناصر متناقضة: العنُف والزَّهرُ والمَني. عالمٌ يقوم على ثالوث متناقض: العنفُ بوصفه طقساً مقدساً للسمو، والزَّهر رمزاً للجمال والقداسة المستمدة من زهور الشرّ البودليري، والمَني رمزاً للجسد والحياة المنبثقة من القاع.
بهذا المزج استطاع يصهر جينيه المقدَّس بالمُدنَّس لخلق “جمالَ المُجرم”. عالم يجمع بين أقصى درجات القُبح وأقصى درجات الجمال في آن واحد.
قيلَ إنَّ مسرح جينيه هو “زهورُ الشرِّ” البودليرية وقد تحوَّلت إلى خشبةٍ ودراما. وهو تشبيهٌ تردّد على ألسنة النقاد، لكنه لا يرقى إلى الإحاطة بجوهره. وإذا كان له صلةٌ بمسرح العبث، فإنما تكمن في انحلال الفعل الدرامي التقليدي، وفي تفكّك
البُنية المنطقية، وفي تلاشي الهوية الاجتماعية داخل السرد.
إنَّ مسرحيات جينيه اليوم بالكاد تجد لها موطئَ قدم في مسارح الغرب، لا سيما في دول الشمال التي تُموَّل من خزائن تلك
الدول. فقد استبعدته الساحة المسرحية الرسمية، إذ أثقلتها مواقفه “الصادمة”، دفاعه المُعلن عن مستعمرات السجون وعقوبة الإعدام، ورفضه الخضوع لخطاب “التصحيح السياسي” الخاص بحقوق الأقليات والمثليين، فصار غريباً عن مسرح اليوم المُقيّد بمعاييرها.
ويظل جينيه شخصية شائكة يتعذّر “تأهيلها” سياسياً مهما بلغت النوايا. غير أن دراماتُه لا تُشيَّد على جدل سياسي، ولا على أجندة للأقليات الجنسية أو العرقية. إنما على حالة شعرية خالصة. فقد آمن إيماناً راسخاً بـ “جمال المجرم” وبـ “العقاب بوصفه طقساً مقدّساً”.
إنه يجلد المجتمع المهيمن جلداً لا رحمة فيه: مجتمع الأحكام الجاهزة، والزهو الأخلاقي الزائف، والنفاق المقنّع. ولعل من الحق أن نطلق عليه “مسرح الجريمة”، دراما تواجه المتفرج بلبِّ الوجود المُرّ وصلابته القاسية.
إن شاعرية جينيه المسرحية صادقة إلى الحد الذي لا يمكن فيه الفصل بين رائحة القداسة ورائحة القمامة. إنه مسرحٌ أكثر أصالة وحضوراً من أي وقت مضى. ولهذا ما زال يدهشنا بصدقه المجرّد ومنطقه العبثي المتفرّد المسبوك في قالب أدبي أصيل. (*)

“لُعبة مرايا ومعمارٌ من الفراغ والكلمات!
“حراسة مشدّدة” هي أولى بواكير جان جينيه المسرحية. كتبها في إحدى زنازينه عام 1943، ولم ترَ النور على خشبات باريس إلا في 1949. إنها ليست مسرحية، بقدر ما هي شهادة دامية من داخل السجن، ومرآة مقعَّرة تعكس عالم المجرمين في أقسى تجلياته النفسية والشاذة.
تدور الأحداث في زنزانة يقطنها ثلاثة محكومين بالإعدام. ثلاثة أجسادٍ، وثلاثة أقنعة، يتنافسون على شيء واحد هو نُبل الجريمة.
“أبو العيون الخضر”، هو رأس الهرم. محكوم بالإعدام لأنه قتل زوجته البغي. ومن هنا نال قداسته. في عيون رفاقه صار معبوداً مقدساً، لأن فعلته قدَرٌ لا رجعة فيه ولا توبة. ورغم ذلك، فالمعبود نفسه متصدع ومشروخة قداسته، لأنه مجده لم يكن من صنع يديه، إنما هو هبة الصدفة.
“موريس”، الذي يحتل قاع الهرم، صبي في السابعة عشرة، دخل السجن طواعية لينضم إلى معشر القتلة. إنه يهيم بـ
“أبو العيون الخضر” هيام المُريد بيسوعه. يقلده في مشيته، في قسوته وصمته الغمض. غايته الوحيدة أن يفنى فيه، أن يذوب اسمه باسمه.
وأما “ليفرانك”، الذي سيطلق سراحه بعد أشهر، فهو العقل الطموح، المتعلّم الغريب الذي يمتعض ويحترق بصمت، ويريد أن ينتزع تاج الجرم انتزاعاً. ولأنه عاجز عن أن يكون أسطورة بالكلمة، قرر أن يكونها بالفعل، فأجهز على موريس وقام بخنقه، ظناً منه أن القتل سيمنحه الهالة، لكن الدم لم يشفِ غليله، بل زاده حقداً وعدوانية، فلم يصر معبوداً، إنما قاتلاً فحسب.
وفوق الجميع، “سنوبول” أو “كرة الثلج” السجين الذي يقبع في الزنزانة المجاورة وحيداً. زنجيٌّ لم نره قط. اسمٌ فحسب. أسطورة. هو الميزان الأعلى للشر الذي لا يُطال. مجرد ذكره يُشعل الغيرة، ويكشف ضآلة الجميع. هكذا شيّدَ جينيه عالمه المقلوب: إله غائب، وأنبياء عاجزون، ودماء تُراق على مذبح النُبل الإجرامي.
المسرحية تكاد خلو تماماً من حبكة تقليدية أو سرد طولي. إنها أشبه بطقس جمعي تُمارسُ فيه الشخصيات طقوسها بحثاً عن
قناعاتها الخاصة. والطقس هنا بدائي، لأن الرمز فيه غير منفصل عن الفعل.. إنها أفكار مشتركة تقود شخصياتها إلى نوع من الشغف والافتتان بفضاء الجريمة كنوع من البحث عن هُوِّية. فهي تنتحل أدواراً تُعرَض من خلالها بطولات وهمية وجرائم مُحبَطة، كتلك التي نعثر عليها في مسرحياته الأخرى “الخادمات” و “الشرفة” و “الزنوج”. أما أبو العيون الخضر
بطل “حراسة مُشدّدة” فهو يتمرّد ضد الجريمة التي تنتظره بعبث، محاولاً دون جدوى تجنب مصير حتمي كهذا، إلا أنه مقيدٌ بإحساس غريب يغويه ويدفعه لإنجاز ذلك الطقس. إنه “الآخر” الذي يُقيم في داخله هو من يدفعه نحو تلك الهوة العميقة التي يقبع فيها الآن، ليس كسجين، إنما كمنقبٌّ فضولي عن معنى الوجود. في لحظة اعتراف مرعبة، يقول:
“تُرعبني صورة ذلك الجلاد الذي ينتظرني. لقد أردتُ عوناً من أحد. أحدٌ ما يوقفني ويمنعني من المضي أبعد. حاولت ذلك بمشقّة.. هربت.. ركضت في كل الاتجاهات.. حاولت أن أكون أي شيء، أيّ شيء، على ألا أكون مُجرماً.. أن أكونَ كلباً.. قطةً.. حصاناً.. نمراً.. منضدةً.. حَجراً. حاولت أن أكون وردةً. أن أُعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وأستأنف حياتي السابقة. كان بوسعي القيام بذلك بكل يُسر، لكن جسدي لم يطاوعني. نعم جسدي هو المجرم الذي دفعني نحو الجريمة. الأشياء حدثت من تلقاء نفسها. كل ما فعلتهُ هو مجرّدُ إيماءات قادتني بهدوء إلى المقصلة “.
لحظاتٌ مرعبة كهذه تشق الأرض من تحت أقدامنا لنسقط في هُوةٍ سحيقة. حين يبلغ الكمال التام ذروته يصبح سبباً وضرورةً، يتصدّع “أبو العيون الخضر” فجأة ويتشوش، لأن الظروف قد بدأت الفعل نيابة عنه، بوصفه المجرم الوحيد المحتمل للمستقبل. الإدراك نفسه هنا يتشيّأ، حيث الأشياء تُحاكي الفعل وتُنجزه بعُجالة. إنها الموضوعة التي طرحها هيجل في بحثه “علم الظواهر” حين يغرق الوعي في لُجّة المظهر، يكتشف ذاته في الأعماق السحيقة، في الاغتراب والعُزلة، وينقذُ نفسه عبر إحالة الأشياء إلى أسبابها واستجاباتها.
“أبو العيون الخضر” مجرم حقيقي، لأنه ارتكب جريمته بوعي كامل. أما ليفرانك فهو مجرم زائف، رغم خنقه الصبي موريس في لحظة غضب في الآخِر بحثاً عن مجدٍ متجسدٍ في فعل جرمي. إلا إنَّ سعيه يخيب، لأن ما أقدَمَ عليه لم يكن
إلا محاولة للتفوق على “أبي العيون الخضر” والقفز إلى قمة الهرم.
الوعيُ، في “حراسة مشددّة” وعي خائنٌ ومُضلِّل، لأنه قابل للخضوع والاستسلام بيسر. هنا يُظهر وجينيه التعارض الحاد بين جريمة مفروضة ومحتمة، وأخرى مُنتحَلة. جريمة سوداء وأخرى بيضاء، إذا جاز التعبير. لكنَّ الجريمة في كل الأحوال، ليست فعلاً جميلاً يدفع جينيه إلى إقناعنا بالمبدأ النيتشوي الذي يدعو إلى عدالة “اللصوص”. فبغض النظر عن دوافعها، هي في الآخِر عدالة سلبية. فليس ثمة رابطة حقيقية بين المجرم واللص. إنهَ ما يجمعهم هو الشغف بالأذى لا غير.
هذه الثيمة تتكرر في “الخادمات” و “الزنوج”. فالحب والكراهية بين الشقيقتين في “الخادمات” وحسدهما لسيدتهن التي
تخدماها، ومحاولتهما تسميمها، كل ذلك ينقلب إلى الضد. وحين تُحبط محاولة الشقيقة الصغرى كلير، في تسميم سيِّدتها، تلجأ إلى لُعبة انعكاس المرايا، أو لعب الأدوار: هي تلعب دور السيدة، فيما تلعب شقيقتها دور “كلير”، فتسقيها الشاي المسموم لتشربه، وتموت انتحاراً. وهذا الانتحار يمثل في نظر “كلير” نوعاً من السمّو والمجد. و”ليفرانك”، في “حراسة مشدَّدة”،
يفشل هو الاخر في التفوَّق على “أبي العيون الخضر”. فبدلاً من قتله، يخنق موريس الصغير، ظناً منه أنه هو مجرم المستقبل الذي سينافسه في مهنته!
لعبة الأدوار هذه هي إحدى تقنيِّات جينيه المميزة. إنها خدعة ما دام كل شيءٍ مجرّد تمثيل ومحاكاة لشيء وليس الشيء ذاته. إنها مرآة تعكس خيالات الآخرين، لا الشخصيات ذاتها. من هذا المنطلق، يلعب “ليفرانك”، دور مجرم من وجهة نظر “أبي العيون الخضر”. والزنزانة ذاتها تتحول إلى مرآة تعكس الآخَر “الخارج”، عَبر استبطان الشخصيات وخيالاتها “الداخل”. فالهرم الاجتماعي في الخارج يجد انعكاساً لصورته في هرم آخر موجودٍ في الداخل. فإذا كانت “حراسة مُشدَّدة” تُجسّد
طقس الجريمة داخل زنزانة، فإن “الخادمات” تنقل هذا الطقس إلى مطبخ منزل سيدتهن. إنها المرآة ذاتها، لكنها هذه المرة بين سيدة وخادمتيها. مرآة تعكس المسافات الفاصلة بين الحب والكراهية، بين الرغبة في القتل والرغبة في الانتحار. وأما في “الزنوج” فيبلغ جينيه ذروة لُعبة المرايا، عَبر تقنية “مسرحية داخل مسرحية”: زنوجٌ يمثلون بيضاً يقتلون زنوجاً، ضمن طقس سياسي عنصري. أما “الشُرفة” فهي كاتدرائيةٌ للأوهام. قساوسة وقضاة وعسكر يمارسون أدوارهم أمام مرايا وهمية. لا سلطة حقيقية، إنما شغفٌ بالتمثيل فقط.
من هنا يمكن القول إن مسرحيات جينيه كلها هي مرآة كبيرة واحدة، مهشمةٌ ومشوهة، ناصعةٌ وباروكية في آن. إنها “مِعمارٌ من الفراغ والكلمات” على حد تعبير أرشيبالد مكليش.
“الرؤية الإخراجية”
بفضاء رمادي مائل للعتمة، وأربعة ممثلين مسعورين يتناوبون النوم على سرير واحد، تتدلى حقائبهم المرقمة من أعلى السقف، كما لو أنها حبال مشانق لم تُستخدم بعد. وخلف الكواليس تُسمع وقع خطوات الحارس: رتيبة ومُهددِّة شبيهة بخطى ملاك الموت.
أربعة ممثلين أشبه بالسحرة: ألان توم فاري في دور “أبو العيون الخضر”، وداني لي وينتر في دور “ليفرانك”، وجوزيف كوين في دور “موريس”. أما الممثلة “إيما نعومي” فقد لعبت دور الحارس بمزجٍ مُتقَن بين الذكورة والأنوثة. حارسة أقل قسوة مما يُظَن، لكن يدها لمرتجفة وعبثها بملاءة السرير يكشف هشاشتها، لتظهر كطيف المرأة في وجدان “أبي العيون الخضر”.
وثمة شخصية لن تظهر على الخشبة، لكننا نسمع عنها عَبر حديث السجناء، ألا وهي شخصية “سنوبول”، أو “كرة الثلج”، السجين الزنجي الذي يقبع في الزنزانة المجاورة، بطل الجريمة والمثال الأعلى الذي يحتذي بها هؤلاء المنبوذون الثلاث.
خشبة مسرح “Print Room” بدت أشبه بحظيرة، أو زريبة في داخلها قفص يأوي هؤلاء السجناء الثلاث.
إنها مباراة وحشية وقاسية تدور في هذا البناء الهرمي لنزلاء هذه الزنزانة، تُدخلنا إلى حلبتها المخرجة جيرالدين ألكسندر، لنشهد من خلالها واحداً من أكثر طقوس جينيه كابوسية ورعباً.
لقد تجلَّت ترجمة ديفيد رودكين ومعالجة المخرجة جيرالدين ألكسندر، في إبراز ليس فقط البنية الطبقية داخل السجن فحسب، إنما نزعة جينيه إلى إضفاء الطابع الجنسي على الجريمة، فـ” أبو العيون الخضر” يستعيد ذكرى جريمة القتل التي ارتكبها بنشوة تكاد تكون أشبه برعشة لذة جنسية، قائلاً:” لقد كانت تطمع بزهرة الليلك خاصتي”.
ارتكزت بنية العرض على ثلاثة ممثلين: قوائم ثلاث، حملوا على كاهلهم عبء نصّ مسرحي عسير ومبهم. في وحدتهم وتنافرهم، كانوا يعكسون فكرة توحّد المجرمين في مظهرهم الخارجي، وتنافرهم في مظهرهم الداخلي، وذلك عَبر حوار مسعور وحركات آلية حادة وعنيفة. إنهم يتوحدون وينشطرون كالموج، في لحظات خاطفة وإيقاع مُحكم، بدوا لنا وكأنهم شخص واحد مشطور إلى أقسام ثلاث.
الزنزانة ذاتها، برماديتها الخانقة، بدت أشبه بحلبة سيرك أو قفص حيوانات متوحشة كبير، أو قاعة تشريح للجثث، تسرّبت في ثناياها جرثومة الشر والجريمة والموت، لتذهب كل واحدة منها إلى طريق مرسوم سلفاً: موريس إلى القبر، وأبو العيون الخضر إلى المقصلة، وليفرانك وحيداً في زنزانته الأبدية.
ثمة ملاحظة لا بدَّ من ذكرها وهي إنَّ المخرجة جيرالدين ألكسندر تجاهلت إرشادات جينيه المسرحية الذي وصف فيها المكان بأنه (زنزانة منحوتة من الصخر)، واستبدلتها بحلبة سيرك: قفص حديدي في الوسط، محاط بستائر حمراء فخمة ومصابيح عارية، وأرضية مفروشة بالنشارة والقش. كذلك مصمم الإضاءة ديفيد بلاتر، مصمم الإضاءة، فهو الآخر لم يلتزم بتعليمات جينيه بعدم المغالاة في استخدام الإضاءة، فسلط إضاءة ساطعة كشفت أسرار الزنزانة الأكثر عتمة.
ما أرادت المخرجة قوله لنا: لا تختلسوا النظر إلى هؤلاء من ثقب الباب. إنهم أشباهكم، وهذا القفص هو من صنعكم، وهذا النور الساطع إنما يكشف عورتكم. فالجريمة هنا ليست فعلاً فردياً، إنما هي طقس جماعي نحن جميعاً مشاركون فيه وجناة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)
كان جينيه يرى في الإعدام ذروة المصير التراجيدي للمجرم لحظة يتحوّل فيها المنبوذ إلى قديس. في قصيدته “المحكومُ بالإعدام” التي كتبها عام 1942لتمجيد صديقه الشاعر الفرنسي “موريس بيلو” الذي أُعدم بالمقصلة عام .1939 يقول فيها:”أيها المحكومُ، إنَّ عُنُقك مذبحٌ… والمقصلةُ هي الإكليلُ الذي سيُتوَّجُ جبينُك”.
(**)
باك أو روبن غودفيلو، هو جنيٌّ مشاغب، خادم “أوبيرون” ملك الجان، في مسرحية “حلم منتصف ليلة صيف”: شخصية ماكرة وساخرة، جميلة ومغوية، وظيفتها الأساسية إرباك الأحداث وقلب الموازين. الشبه بينه وبين شخصية موريس قائم على وظيفة الظل والمُريد، لا على التطابق. أخذ جينيه فكرة الجنيّ الحرّ العابث ثم قلبها رأساً على عقِب، إلى صبي مقدس يهيم بمثاله حدّ العبادة.