اجرى الحوار : عزيز الريان
أحمد السبياع كاتب قادم من مدن الهامش:شفشاون التي تنبض مسرحا.
يقدم مسرح المدينة الصغيرة بشفشاون عرضه المسرحي:رقصة السلاحف درماتورجيا وإخراج:نعيمة زيطان،وتأليف أحمد السبياع خلال فعاليات توطين مسرح المدينة الصغيرة بالمركز الثقافي الفنيدق موسم 2025 المدعوم من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل.وذلك يومي:الثلاثاء 14 أبريل 2026، بالمركز الثقافي الفنيدق،والأربعاء 15 أبريل 2026 بالمركز الثقافي بتطوان.وكان لنا لقاء مع مؤلفه الكاتب أحمد السبياع تطرقنا خلاله للكثير من القضايا الشائكة في مجال الكتابة المسرحية وحيثياتها.
- – يحمل عنوان «رقصة السلاحف» إيحاءات رمزية متعددة؛ ما الدلالة العميقة التي أردتم تحميلها لهذا العنوان داخل بنية النص؟

- بخصوص العنوان وبصراحة، فقد أنهيت النص دون أن أجد له العنوان المناسب، وبقي فترة طويلة بدون عنوان، إلى أن حان وقت الاشتغال عليه من قبل فرقة مسرح المدينة الصغيرة بإخراج الأستاذة نعيمة زيطان، حينها صار لزاما أن أطلق على النص اسما ما. فراجعته، فوجدت أن المعتقل السياسي قبل موته كان يرقص على موسيقى يتوهمها، لأنه لا موسيقى في المعتقل، سوى موسيقى التعذيب، التي هي الأنين والصراخ. إنه حينما يختلي بنفسه ليلا، كان يرقص بجسمه الضعيف والهزيل، جسم لا يستطيع أن يرقص بصخب. صورة ذلك الراقص المنتشي داخليا، والذي يكاد لا يحرك أي عضو من جسمه، إنه يرقص في داخله. وقد سبق وأن رأيت هذه الصورة من قبل لثمل يرقص مستمتعا، بعينين مغمضتين، وجسم يكاد لا يتحرك. هذا الرقص البطيء وغير الصاخب، إنه رمز عموما لكل أمر فعال ومثمر لكن بدون صخب. وقد أثارني الوصف الذي يقدمه زميل المعتقل واصفا رقصه بكونه يرقص كالسلحفاة بإيقاع شديد التمهل. فجاءت فكرة العنوان، رقصة السلاحف، إنها رقصة غير صاخبة في ظاهرها، لكنها تنقل صاحبها إلى عوالم عاتية المتعة.
- – كيف وُلدت فكرة هذا النص؟ وهل جاءت استجابة لسياق اجتماعي أو إنساني محدد تعيشه المدينة أو الإنسان المغربي عمومًا؟
- قرأت في الفايسبوك أن عجوزا توفيت وهي تأمل أن ترى ابنها المعتقل ولو لمرة واحدة. لقد ظلت تحضر الطعام له إلى السجن لخمس سنوات، دون أن يسمح لها برؤيته. لأنه ببساطة كان قد توفي منذ فترة طويلة، وقد حافظ حراس السجن على الأمل داخلها بالوعود الكاذبة، مدعين أن ابنها حي وأنه صار سمينا. لأن الطعام الذي تحضره كان لذيذا، إنها طاهية ماهرة. هذه القصة أثارتني كثيرا، لماذا لم يخبرها الحراس بأن ابنها قد مات منذ فترة طويلة، هل طمعا في الطعام أم إشفاقا عليها؟. هذا السؤال هو ما يحاول النص أن يجيب عنه.
أما بخصوص ارتباط النص بالمغرب، أقول إنه نص عن الاعتقال السياسي، وهو نص آني وتاريخي أيضا، تاريخي لأن المغرب، وكما هو معروف، لديه تاريخ عريق في الاعتقال السياسي، وآني لأن المغرب لا زال يعتقل الناس بسبب آرائهم ومعارضتهم وفصحهم للفساد.
- إلى أي حد يمكن اعتبار «رقصة السلاحف» نصًا مفتوحًا على التأويل، يترك للقارئ والمتفرج حرية بناء المعنى؟.
- حينما أسأل عن التلقي عموما أحار في الجواب، لأن التلقي هو الطرف الآخر من الكتابة، من بناء المعنى والذي هو دور المتلقي. لكن عموما، وبالرغم من القصة الواضحة، فإن المتلقي يحتاج إلى إعمال الذهن لاستخلاص المعاني. وهذا النص ككل ما أكتبه، هو معان واضحة وأخرى تحتاج إلى تأويل. التأويل ضروري دائما في كل قراءة أو تفرج.
- اشتغالكم على الإيقاع البطيء/العميق داخل النص ينسجم مع صورة «السلاحف»؛ هل هو اختيار جمالي أم موقف فكري من تسارع العالم؟
- النص عموما، لا يحكي أحداثا صاخبة، إنه عن معتقل ميت، ساكن جسديا، لكن حي بقلب أمه، فالحوادث الأهم بالنص عمليا تحدث داخل قلب الأم. وما يحدث داخل القلب هو صاخب طبعا، ولكن صخب المشاعر وليس صخب الحركة. لكن، هناك حضور زوجة أحد حراس السجن والتي تضفي تنويعا على الوقائع، إنها امرأة حامية صاخبة وغاضبة طوال الوقت تقريبا. إن الإيقاع البطيء قد يسبب الملل، لكن البطء في المسرحية بطء صاخب في الحقيقة، لأن الأم تتدرج في محاولة رؤية ابنها، هذا التدرج هو خطة جمالية للإبقاء على شعلة التشويق متقدة. عموما، فإن النص يتأرجح كالحياة ذاتها بين الصخب والهدوء.

- كيف توازنون في كتابتكم المسرحية بين البعد الشعري والرهان الدرامي دون الوقوع في المباشرة؟
- أنا في الحقيقة لا أخشى شيئا أكثر من كتابة نص مسرحي ممل، الملل عدو المسرح الأول. لذلك، فإني أحارب الملل وأنا أكتب. وذلك عن طريق خلق التنويعات والتوازنات كما أسميتها الأستاذ عزيز. التوازن بين الحوار الدرامي الحامي والهادئ، التوازن بين المواقف الطريفة والجادة، التوازن بين أنماط الشخصيات، التوازن في الفضاء والزمان أيضا. أما التوازن بين الدرامي والشعري فأنا في الحقيقة لا أحفل كثيرا بالعنصر الشعري داخل النصوص، ربما يتسلل دون أن أدري، لكن عمليا أنا أكتب دون أن أفكر في الشعر. من جهة ثانية فإن الشاعري وليس الشعري، وأقصد عنصر المشاعر، فلا شيء يمكن أن يتم في المسرح خارج المشاعر، هو حاضر بالضرورة، لأني لا أكتب إلا عن شخصيات ممتلئة، شخصيات تفيض مشاعرها فيضانا، شخصيات بعقد أزلية دفينة، شخصيات تستطيع أن تحافظ على جمهورها قاعدا قبالتها، يستمع إلى حماقاتها بأذنيه وقلبه.
- ما الذي أضافه لكم اشتغال النص داخل برنامج «توطين مسرح المدينة الصغيرة» مقارنة بعروض موسمية عابرة؟
- كل نص بالنسبة إلي هو إضافة، حتى ذلك الذي لا يذهب إلى المهرجانات ولا يفوز بالجوائز. فالإضافة بالنسبة إلي هي الأثر الذي يخلفه النص لدى قارئه ولدى مشاهده، ثم لدى طاقم العمل من مخرج/ مخرجة وممثلين وغيرهم. بالنسبة إلي أعود دائما إلى الهدف الأول لكل كتابة هو التأثير والتفاعل مع الجمهور. ومن خلال العرض الأول ضمن برنامج توطين مسرح المدينة الصغيرة، أظن أن العمل يحقق هذا الهدف بشكل من الأشكال.
- هل كتب النص وفي الذهن فضاء محدد كالمركز الثقافي بالفنيدق أو مدن الشمال عمومًا؟
- أبدا. كتب النص دون أي تفكير مسبق لا بالفضاء ولا بالمخرج، ولا بالفرقة والممثلين. حتى أن النسخة الأولى كتبتها بالفصحى، مع أن الفضاء الدرامي عموما مغربي. وحينما تقرر الاشتغال عليه، جاءت مرحلة إعادة كتابته ليناسب الفرقة والإخراج والتمثيل.
- كيف تقيمون انتقال النص من الورق إلى الخشبة تحت رؤية إخراجية لنعيمة زيطان؟ وهل فوجئتم بقراءات جمالية جديدة للنص؟
- ما أحبه في نعيمة زيطان، والتي أخرجت لي نصين من قبل، هو كونها تعمل وفي حسبانها الجمهور المغربي، ذاك الجمهور المتعدد لكن البسيط أيضا في غالبيته. لذلك، فعروضها تحقق عادة قدرة الوصول إلى الجمهور. وهذا في غاية الأهمية بالنسبة إلي، لأن الجمهور أولا هو هدف كل فعل مسرحي. ولم أفاجأ حقيقة بالنتيجة (العرض). لأني أعرف مسبقا أسلوب عمل زيطان، فالكتابة الثانية كانت تضع في الحسبان أسلوب المخرجة.
- إلى أي مدى تؤمنون بأن النص المسرحي اليوم مطالب بالانخراط في قضايا المجتمع دون فقدان شعريته الفنية؟
- لا أعرف لماذا ينظر دائما إلى عنصر الفن بوصفه نقيضا للانخراط في قضايا المجتمع. كأن الانغماس في حياة الناس هو تسطيح فني والبعد عن الواقع وحتى هجرانه هو ضرب من ضروب السمو في الفن. بالنسبة إلي، لا أتصور فنا منفصلا عن الواقع. إن كتابي المفضلين هم أولئك الذين ينغمسون في الواقع، كمكسيم غورغي وأنطوان تشيخوف وغيرهم. أما أولئك الذين يقاربون الواقع ولكن مع فقر في الفن، وهذا سائد للأسف، فإنهم يعملون خارج الفن. لا مواضيع دون فن ولا فن دون مواضيع من حياة الناس.
- ما الرسالة التي تودون أن يحملها المتلقي معه بعد مشاهدة «رقصة السلاحف»؟
- سؤال الرسالة هو الأصعب على الإطلاق، فأثناء الكتابة أنا لا أضع الرسائل في حسباني. أحيانا، ألتقي بمتفرجين يفهمون رسائل أستغرب لها، ولا أستطيع أحيانا أن أعرف من أين استنبطوها. بالنسبة إلي، في هذه المسرحية، إذا تألم الجمهور لمعاناة أم تريد أن ترى ابنها. واستشعر ذلك العذاب النفسي الذي انتاب أحد حراس السجن بعد موت الأم، والتي ظل يأكل الطعام الذي تجلبه موهما إياها أنه يقدمه لابنها، فتلك إذا هي الرسالة. أظن أن الرسائل تذهب إلى القلب أكثر من الدماغ. فالتعاطف والشعور بمعاناة الآخرين هو الرسالة الأهم للمسرح.