Home » مهرجان المسرح البابلي استعادة الفعل المسرحي بين رهانات الحداثة وجذور الهوية الثقافية

مهرجان المسرح البابلي استعادة الفعل المسرحي بين رهانات الحداثة وجذور الهوية الثقافية

كتبه حيدر عبدالله الشطري
A+A-
إعادة ضبط

حيدر عبدالله الشطري

  شهدت مدينة بابل في 14 نيسان 2026 انعقاد مهرجان المسرح البابلي والذي كان حدثًا ثقافيًا لافتًا أعاد للمشهد المسرحي المحلي شيئًا من حيويته المفقودة في لحظة زمنية تتسم بقدر كبير من التعقيد والاضطراب على المستويين المحلي والعالمي وقد مثّل هذا المهرجان بما تضمنه من عروض وفعاليات فكرية محاولة جادة لإعادة تموضع المسرح كونه أداة نقدية وفاعلاً ثقافيًا قادرًا على مساءلة الواقع واستشراف تحوّلاته.

وإذا أردنا قراءة مهرجان المسرح البابلي من زاوية عروضه المسرحية التي قدّمها فقط فإننا نُقصّر في فهم دلالته الأعمق إذ إن هذا الحدث في سياقه الزمني والبيئي يتجاوز كونه فعالية فنية إلى كونه فعلًا ثقافيًا مضادًا لحالة الركود التي أصابت المشهد المسرحي العراقي خلال الفترة الماضية فالمهرجان في جوهره إعلان عن استعادة المسرح لوظيفته لأنه يمثل فضاءً للحوار ومنصة لإعادة إنتاج الوعي الجمالي والنقدي داخل المجتمع ولقد جاء انعقاد المهرجان في ظرف استثنائي الأمر الذي يضفي عليه قيمة مضاعفة إذ كان تنظيمه نتاج إرادة ثقافية واعية تسعى إلى تثبيت حضور المسرح في قلب التحولات الاجتماعية والسياسية ومن هنا يمكن النظر إليه بوصفه ممارسة ثقافية مقاومة تعيد الاعتبار للفعل المسرحي كوسيلة لفهم العالم وليس فقط كأداة ترفيه.

في هذا السياق يبرز الدور المحوري الذي اضطلعت به كلية الفنون الجميلة/بابل ممثَلة بشخص عميدها الدكتور عامر صباح المرزوك وكونها مؤسسة أكاديمية لا تكتفي بإنتاج المعرفة النظرية وتسعى دوما للانخراط فعليًا في صناعة الفعل المسرحي فقد شكّلت الكلية ركيزة أساسية في رفد المهرجان بالطاقات الشابة سواء على مستوى التمثيل أو الإخراج أو حتى الاشتغال التقني وهذا الحضور لا يمكن فصله عن طبيعة التكوين الأكاديمي الذي توفره الكلية حيث يتداخل البعد النظري مع التطبيق العملي ما يتيح للطلبة اختبار أدواتهم داخل فضاء احترافي حقيقي.

أما نقابة الفنانين/بابل وبإدارة رئيسها ايضا الدكتور عامر صباح المرزوك فقد أدت دورًا لا يقل أهمية ويمكن القول إنها شكّلت الإطار التنظيمي والمهني الذي أتاح للمهرجان أن يرى النور بهذا المستوى من التنسيق فالنقابة بما تمثله من مرجعية للفنانين لم تكتفِ بالدعم اللوجستي وأسهمت كثيراً في بناء شبكة من العلاقات التي جمعت بين الرواد والشباب وهو ما انعكس بوضوح في تنوع العروض وتعدد مرجعاتها.

إن هذا التعاون بين المؤسسة الأكاديمية (كلية الفنون الجميلة) والجهة المهنية (نقابة الفنانين) يكشف عن نموذج عمل ثقافي متكامل يقوم على التكامل فالأولى تنتج الطاقات وتؤطرها معرفيًا والثانية توفر لها فضاءً عمليًا للاشتغال والتفاعل مع الجمهور وبهذا المعنى يمكن اعتبار المهرجان نتيجة طبيعية لهذا التلاقي والانسجام.

وقد توزعت فعاليات المهرجان على سبعة عروض مسرحية كشفت في مجملها عن تنوع ملحوظ في الرؤى الإخراجية والمرجعيات الجمالية فضلاً عن تباين واضح في الأساليب بين تجارب الرواد ومحاولات الشباب الباحثة عن لغة مسرحية جديدة.

 وقد افتتح المهرجان بعرض (صباح يوم ماطر بالتفاهات) الذي قدّمه د. أحمد محمد ود. علي رضا حيث ركز العرض بالاشتغال ما يمكن تسميته بـ(نظام التفاهة) والذي يعتبر بنية ضاغطة على وعي الإنسان المعاصر واعتمد العمل على ثيمة الانتظار ذات البعد الوجودي مستثمرًا الأداء التمثيلي في سبر أغوار الشخصية المأزومة كاشفًا عن ازدواجية الهوية وتصدّعها تحت وطأة التحولات الاجتماعية وقد برزت هنا قدرة العرض على المزج بين البعد الفلسفي والمعالجة المسرحية دون الوقوع في المباشرة

أما عرض (صار يكفي) وقدمته كلية الحلة/ الجامعة والمقتبس عن نص (النمور في اليوم العاشر) لزكريا ثامر فقد قدّم مقاربة ذات طابع برشتي واضح من خلال كسر الإيهام وتفعيل المسافة النقدية بين العرض والمتلقي وقد اشتغل المخرج د. علي الشيباني على تفكيك البنية التقليدية للسرد مستعينًا بأدوات تغريبية لإبراز قضايا القهر الإنساني والجوع والانكسار هذا التوجه منح العرض طابعًا احتجاجيًا لكنه في الوقت نفسه وضعه أمام تحدي الحفاظ على تماسكه الدرامي.

في سياق مغاير جاء عرض (اس طبل) والذي كان تجربة حداثوية في الكتابة النصية تستند إلى الرمزية والتجريد متحررًا من البناء الدرامي الكلاسيكي وقد راهن المخرج سلمان الشيخ على الطاقة الأدائية للممثلين فجاء العرض قائمًا على منظومة أداء جسدي وصوتي متماسك عوّض غياب الحبكة التقليدية بمنظور تعبيري كثيف واتسم هذا الخيار بجرأته حين يضع المتلقي أمام تحدياً جمالياً في التلقي والتأويل.

ومن بين العروض اللافتة برزت مسرحية (خلايا خبيثة) التي قدمتها مجموعة من طالبات قسم الفنون المسرحية حيث كشفت المخرجة سجى عادل عن حضور إخراجي جريء وواضح المعالم واعتمد العرض على توليف نصوص عالمية (تشيخوف، إبسن وغيرهما) ضمن رؤية معاصرة ونجح في تحقيق قدر من الانسجام بين النصوص المختلفة مع أداء تمثيلي اتسم بالانضباط والوعي وهذه التجربة تعكس بوضوح إمكانات الجيل الجديد وقدرته على الاشتغال الواعي على النصوص الكلاسيكية وكشفت مشاركة هذا العرض في المهرجان عن وعي جمالي متقدم وقدرة على التعامل مع نصوص مركبة ضمن رؤية إخراجية واضحة وهذا يعكس نجاح المؤسسة الأكاديمية في الانتقال من دور التلقين إلى دور إنتاج التجربة وهو تحول نوعي في بنية التعليم المسرحي.

أما مسرحية (البيت) فقد قدّمتها كلية الحلة/الجامعة وكانت نموذجًا لعودة الاشتغال على النص الدرامي المحكم وركّز المخرج حسين جواد على البنية الدلالية للسينوغرافيا في تعميق فكرة البيت بوصفه فضاءً رمزيًا ونفسيًا وقد اتسم العرض بقدر من الاقتصاد في الوسائل مقابل كثافة في المعنى ما أتاح له تحقيق توازن بين الشكل والمضمون.

وفي عرض (فارغ x2 ) اشتغلت الرؤية الإخراجية لزهير المطيري على تكامل العناصر المسرحية ضمن مشروع جمالي حيث تداخلت السينوغرافيا مع الأداء والفضاء الصوتي لتشكيل بنية عرضية متماسكة وهذا التكامل منح العرض طابعًا بصريًا وسمعيًا واضح التأثير وإن كان يتطلب من المتلقي جهدًا تأويليًا مضاعفًا.

أما عرض (السقوط إلى الأعلى) فقد جاء امتدادًا لتجربة المخرج حسين مالتوس في مسرح البانتومايم، حيث اعتمد على التعبير الجسدي بوصفه أداة أساسية في بناء الدلالة هذا النوع من العروض يراهن على جسد الممثل بوصفه نصًا بصريًا وقد نجح إلى حد كبير في إيصال أفكاره بعيدًا عن اللغة المنطوقة.

ولم يقتصر المهرجان على العروض المسرحية وكانت هناك أيضًا فعاليات فكرية منها توقيع كتاب (إشراقات في المسرح العراقي) للدكتور علي محمد الربيعي وندوة بعنوان (واقع المسرح في الحلة) التي فتحت باب النقاش حول التحديات التي تواجه الحركة المسرحية المحلية وقد عززت هذه الأنشطة من البعد المعرفي للمهرجان وجعلته فضاءً للحوار وليس فقط للعرض.

ويمكن القول إن المهرجان مثّل نقطة تحوّل إيجابية في المشهد المسرحي العراقي الذي يعاني منذ فترة من تراجع النشاط النوعي فقد أظهر تلاقحًا واضحًا بين خبرات الرواد وحيوية الشباب كما عكس تنوعًا في الطروحات تراوحت بين المحلي المرتبط بسياقاته الاجتماعية والعالمي المنفتح على قضايا الإنسان الكبرى.

ومن زاوية أوسع أسهم المهرجان في إعادة تشكيل العلاقة بين المسرح وجمهوره فالتنوع في العروض بين الكلاسيكي والحداثوي وبين المحلي والكوني أتاح للمتلقي أن يواجه تجارب متعددة بعضها يلامس واقعه المباشر وبعضها الآخر يفتح أفقه على أسئلة إنسانية أعمق وهذه التعددية تمثل تنوعاً في الطروحات وهي ايضاً تعتبر مؤشراً على حيوية الخطاب المسرحي وقدرته على استيعاب اختلاف الرؤى.

ومع ذلك فإن هذا الزخم يضع القائمين على المهرجان أمام مسؤولية مضاعفة في المستقبل تتمثل في ضرورة الانتقال من مرحلة التنظيم والتقديم إلى مرحلة التراكم فنجاح الدورة الحالية ينبغي أن يُبنى عليه عبر تطوير آليات الاختيار وتعميق البعد النقدي المصاحب للعروض وربما الانفتاح على تجارب مسرحية من خارج البيئة المحلية بما يعزز من موقع المهرجان ضمن خارطة المهرجانات المسرحية العراقية والعربية.

وقد شكّل مهرجان المسرح البابلي خطوة مهمة نحو إعادة بناء مناخ مسرحي حيوي في العراق مؤكدًا أن بابل ما تزال قادرة على احتضان التجارب المسرحية وإنتاج خطاب فني يعكس تحولات الإنسان والمجتمع وإن استمرارية مثل هذه المبادرات مع تطويرها نقديًا وتنظيميًا كفيلة بإعادة المسرح إلى موقعه الطبيعي بوصفه أحد أهم أدوات التعبير الثقافي.

وهكذا لا يمكن النظر إلى مهرجان المسرح البابلي إلا بوصفه لحظة تأسيسية في مسار استعادة المسرح لدوره الثقافي في بابل وقد أثبتت كلية الفنون الجميلة/بابل ونقابة الفنانين/بابل من خلال هذا الحدث أن العمل المؤسسي القائم على الشراكة قادر على إنتاج فعل مسرحي حقيقي يتجاوز حدود العرض إلى بناء بيئة ثقافية متكاملة.

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق