Home » “لست نادمة على شيء” .. العرض المسرحي الموسيقي الغنائي الكبير: إديث پياف

“لست نادمة على شيء” .. العرض المسرحي الموسيقي الغنائي الكبير: إديث پياف

كتبه علي كامل
A+A-
إعادة ضبط

في الحادي عشر من الشهر الماضي أكتوبر (تشرين أول) مرّت ثلاثة وستون عاماً على رحيل إديث بياف عن هذا العالم. وهذه عودة لمقالتي عن مسرحية (إديث بياف) العرض الذي أخرجه الراحل بيتر هول على خشبة مسرح بيكاديلي اللندني.


“سيقال عني الكثير حين أغادر هذا العالم، لكن لا أحد سيعرف أيّ إنسان كنت”

مقطع مجتزأ من آخر حديث للمغنية الفرنسية پياف وهي على سرير الموت

علي كامل. لندن

” صوت أشبهُ بعاصفةٍ من عقيق”

الشاعر الفرنسي جان كوكتو

ليس بإمكان أحد سبر أغوار ذلك الطائر الليلي دون الاصغاء لأشجانه، ولا يمكن لأحد أن يدرك أي إنسان كانت إديث پياف ما لم يتتبع ظلال تلك الفتاة الصغيرة الهزيلة والقصيرة بردائها الأسود وهي تجوب مساءات شوارع باريس مثل حارس ليلي تدندن سكرى بأناشيدها العذبة والحزينة. تُرى من هي تلك الفتاة الصغيرة البسيطة المشاكسة ذات الجسد الهش والصوت اللازوردي؟

في الحادي عشر من أكتوبر عام 1963 رحلت عنا إديث پياف، وهو ذات اليوم الذي رحل فيه صديقها الشاعر الفرنسي جان كوكتو، الذي علقَّ لحظة سماعه خبر موتها في ذلك الصباح الأوكتوبري قائلاً: “ماذا؟ ماتت پياف!؟ محتمل جداً إذن أن أموت أنا أيضاً”… وقد تحققت نبوءته فعلاً، فبعد سبع ساعات تماماً توفيّ كوكتو إثر سكتة قلبية.

ولدت إديث پياف عام 1915تحت عمود نور في أحد أزقة باريس الفقيرة وكان اسمها الحقيقي إديث جيوفانة كَاشن. والدتها كانت مغنية شارع ووالدها أكروبات جوّال. هجرتها الأم وهي لم تزل طفلة، فترعرعت في أحضان جدّتها التي كانت تدير مبغى في نورماندي شمال فرنسا. لم يكن بمقدور إديث حينها مقاومة شوقها وحنينها إلى باريس وهو ما دفعها إلى مغادرة جدتها والعودة إلى العاصمة للعيش مع والدها الكحولي لفترة قصيرة والعمل معه في تجواله المتواصل وهي تحمل قبعة تجمع له فيها النقود من السابلة. لكنها غادرت
والدها فيما بعد وكان عمرها آنذاك ستة عشر عاماً متتبعة خطى والدتها لتصبح مغنية في شوارع باريس بصحبة صديقتها سيمون بيرتو، حيث كانتا تقدمان سوية أغان عاطفية ثنائية مشتركة في الحانات والمقاهي والطرقات.. وسيمون تلك، ستصبح فيما بعد رفيقتها الروحية لوقت طويل.

في عام 1935 تلتقي بصاحب نادٍ ليلي اسمه لويس ليبلي ويعجب بصوتها مقترحاً عليها الغناء في ناديه كل مساء، ولويس ليبلي هذا هو من سيطلق عليها فيما بعد اسم پياف، أي العصفور. الاسم الذي سيظل مرافقاً لها حتى وفاتها. ومن هناك، من ذلك النادي الليلي الصاخب هبتّ عاصفة العقيق تلك، ففتحت باريس ذراعيها لاحتواء عصفور النار هذا وقد تحرّر تواّ من عتمة سجونه الخانقة ليملأ الدنيا غناءاً وضياءاً وجمال.
هكذا وفي سنها العشرين ربيعاً ومضَ بريقها في الوسطين الشعبي والثقافي على حد سواء، متزامناً وألق أسماء مضيئة في عالم الفكر والأدب والفن، لعل أكثرهم بريقاً جان بول سارتر، ألبير كامو، كوكتو، شاگال، وآخرون. وقد تعرّفت پياف في تلك الفترة على الشاعر جان كوكتو، الذي سيصبح الصديق الأقرب والأكثر
حميمية لها، والذي سيكرّس كتابة مسرحيته الشهيرة “اللامبالي الجميل” خصيصاً لها، والمستوحاة من علاقتها ببول موريس أحد عشاقها. وفي ذات الفترة أيضاً تعرفت على شخصيات شهيرة كالممثل موريس تشيفالير والشاعر جاكويس بورغيت وآخرون.

مناخ فني وأدبي مُتَّقد كهذا ترك بصماته عليها فصارت تكتب الكثير من كلمات أغانيها وتشارك الموسيقيين في وضع ألحان معظم تلك الأغاني. ليس هذا فحسب، إنما الأجمل والأنبل في شخصيتها هو رعايتها للمواهب الغنائية والموسيقية الشابة آنذاك، فقد كانت هي وراء بزوغ ألق المغني الشاب تشارلس أزنافور مثلاً حيث كانت تصحبه معها في جل ترحالها الدائم في باريس وأوروبا وأمريكا. كذلك الحال مع مونتاندس وبيكود وسواهم كثيرون.
وفجأة، دقت طبول الحرب على الأبواب، وعلى إيقاع تلك الطبول حلّقت إديث ﭙياف مثل طير شريد تتجول في معسكرات أسرى الحرب وسوح القتال تصدح بأغانيها وسط دخان الموت لتخفف بعضاً من أحزان الجنود وأوجاعهم.

ولم يتوقف ذلك التجوال حتى بعد انتهاء الحرب، فقد واصلت رحلاتها التي تخطت تخوم أوروبا صوب أميركا. هناك حيث سيذيع صيتها ليمتد إلى كل الأرجاء، فيكثر معجبوها وعشاقها، وستغمرها الأضواء من جديد في تلك الأيام التي كانت تعج بالبهجة والحب.. والدموع أيضاً. ومع ذلك، ورغم كل ذلك الوهج، لم تنس پياف شجن سنوات العتمة والعوز وقساوة برد شوارع باريس، وعن ذلك كتبت تقول:

“لقد كنت جائعة ولامبالية، نعم، لكنني كنت حرّة أيضاً. حّرة في أن أستيقظ متى اشاء، وحرّة متى آوي إلى الفراش، وحرّة أن أشرب إن أحببت، وحرَّة أن آمل.. وحرَّة أن أحلُم”.

كثر عشاقها من الرجال، وعشقت البعض منهم، إلا أنها لم تكن مخلصة لأحد، ربما باستثناء علاقة حب واحدة عابرة وقصيرة، لكنها صادقة وحميمية، تلك التي ربطتها بالملاكم العالمي مارسيل سيردان، الذي توفي عام 1949 في حادث تحطم الطائرة التي كانت تقله إلى أميركا وهو في طريقه لمقابلتها. الميتة التي ستترك جُرحاً غائراً في روحها لوقت طويل، ثم يأتي تعرضها لحادث سير عام 1951 ليضاعف من سوداويتها وتبديد عافيتها وشل حركتها ونشاطها الابداعي لفترة غير قليلة.
تزوجت پياف مرتين، كانت زيجتها الأولى عام1952 من المغني جاك بيلز، تلك الزيجة التي لم تدم سوى سنوات أربع. أما زيجتها الثانية فقد تمت عام 1962أثناء فترة نقاهتها من الإدمان على الكحول والمخدرات، بالحلاق اليوناني ثيو سابارو، الذي كان يصغرها بعقدين، والذي تحوّل فيما بعد مغنياً وممثلاً، وتزوجا قبل عام واحد فقط من رحيلها.
توفيت إديث پياف في العاشر من أكتوبر) تشرين أول) 1963 ودفنت في مقبرة بير لاشالز في باريس.


(پياف بين پام جيمس وبيتر هول)

إلى جانب الكاتبة كاريل تشرتشل، تعتبر الكاتبة البريطانية ﭙام جيمس واحدة من أبرز الكاتبات في ميدان الدراما النسوية البريطانية المعاصرة، فقد ولجت ميدان الكتابة في وقت متأخر من عمرها، في عقدها الرابع على وجه التحديد، وذلك بسبب انشغالاتها في نشاطها الملحوظة كعضو بارز في الحركة النسوية البريطانية آنذاك.
تتمحور جُلَّ مسرحيات ﭙام جيمس حول ثيمة المرأة، ليس بوصفها مصدراً للخصب والعطاء والأمومة والحب فحسب، إنما لأنها أيضاً كائن يبحث عن مغزى لوجوده في مجتمع ذكوري محافظ غاية في القسوة والتعقيد. وقد تجسدت تلك الثيمة في معالجات عديدة مختلفة: فمسرحيتها “السمكة الميتة” مثلاً، عالجت مصائر فتيات الأقاليم القادمات إلى لندن بحثاً عن العمل، مسلطة الضوء من خلالها على صور المعاناة المريرة التي كنّ يواجهنها تحت الظروف القاسية للعاصمة لندن آنذاك.

أما في مسرحياتها “مصيبتي” و “بعد عيد الميلاد” و “المغازلة الودية لفينوس والمنقار الوحشي” فقد عكست فيها تلك المواجهات غير المتكافئة بين النساء والرجال في ميادين إنسانية يومية كعلاقات الحب والزواج والأمومة.باستخدامها البارع والفطن لتقنية البورتريه المسرحي، استطاعت جيمس التعبير عن الكثير من ثيماتها، وقد تضمنت تلك الثيمات خزين تلك الطاقات الكامنة عند المرأة عبر نماذج نسوية شهيرة أمثال “كاميليا” التي اقتبست شخصيتها عن رواية ألكسندر ديماس، أو مغنية النادي الليلي البرليني “لولو” في مسرحيتها “الملاك الأزرق” المقتبسة عن رواية هنريش مان (البرفيسور رايت). أما مسرحية “ﭙياف” فهي البورتريه الأكثر نضجاً وتكاملاً من بين الجميع، والذي صورَّت من خلاله الحكاية الغرائبية الرومانتيكية الحزينة والمدهشة لحياة هذه الفنانة المعجزة التي دوتّ أصداء أغانيها في كل أرجاء الدنيا في ثلاثينات القرن الماضي.

أنجزت جيمس نص هذه المسرحية عام 1978 وتم عرضها على الكثير من خشبات المسرح البريطاني حينها، ولعل أكثرها ألقاً، العرض الأول الذي ظهر في نفس العام، والذي لعبت فيه الممثلة والمغنية جان لابوتير دور ﭙياف، المغنية التي عثر عليها المخرج البريطاني هاورد ديفيز عن طريق الصدفة وهي تنشد أغاني ﭙياف بالفرنسية في إحدى محطات قطار الأنفاق اللندنية “محطة أكسفورد سيركس”، والتي انتزعت حينها وبجدارة جائزة أفضل ممثلة ومغنية بريطانية لذلك العام.
أما العرض الحالي الذي تولى إخراجه السير بيتر هول، فقد أسند الدور إلى الممثلة البريطانية الموهوبة والمغنية العذبة إيلين ﭙيج. ولم تكتفِ جيمس بكل ذلك، بل راحت تتابع البحث عن شخصياتها النسوية في نصوص شهيرة أخرى، ولكن بمعالجات
جديدة ومبتكرة. فقد قامت بإعداد مسرحيات شهيرة مثل “الأشباح” و “حورية البحر” و “بيت الدمية” و “امرأة من البحر” للكاتب النرويجي هنريك إبسن، أو “الخال فانيا” و”بستان الكرز” و “طائر البحر” لتشيخوف، كذلك مسرحية “يرما” للوركا، ومسرحيات وروايات وقصص كثيرة أخرى. (*) ليس هذا فحسب، إنما وجدت ثيمة المرأة لها تعبيراً ساطعاً أيضاً في روايتين ضخمتين أنجزتهما جيمس بين عام
1989 وعام 1990 هما “السيدة فرامبتون” ومكملتها “الرحلة السعيدة للسيدة فرامبتون” وهذه الأخيرة حولّت في إسبانيا إلى فيلم سينمائي حمل اسم .”Expresso / Fortunata”

(المعالجة الدرامية)

لم تتبع جيمس في هذا البورتريه السيرة الوثائقية بكل تفاصيلها، إنما انتقت منها الجانب الذي يتعلق بحياة ﭙياف كإنسانة أولاً، ومن ثم مغنية، المرحلة التي ابتدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي انتهاءاً برحيلها عام 1963 . أي بدأً من مرحلة التشرد وغناء الشوارع مروراً ببزوغ نجمها وصولاً إلى موتها المفجع والمفاجئ وهي في أوج ألقها وشهرتها.

إن روحاً قلقة مهتاجة كروحها ما هي إلاّ صورة لطاقة قصوى ورغبات عاصفة ليس بمقدور أيّ راهن واقعي احتوائهما، ولذلك سيصبح وجودها وجوداً مجازياً إذا جاز التعبير.
معالجة پام جيمس لشخصية ﭙياف أنها وضعت طائرها يحط فوق الحد الفاصل بين عالمين متعارضين، عالم العتمة وعالم الضوء. فقد أظهرتها تقف وسط عالمين يكاد يكون الرجل فيهما هو السيد المهيمن، لكنها لم تترك بطلتها ضحية هشة جاهزة مستسلمة للافتراس، بل شرعت أمامها سبيلاً لخيار آخر يفضي إلى المنطقة المقدسة تلك التي لن يدخلها أحداً بيسر. نعم، إنها مملكتها الخاصة متجلية ببهاء موهبتها وجلال صوتها. وبهذه المعالجة الواثقة والحميمة تكون جيمس قد اجتازت حدود وثائقية الحدث وواقعيته لتدخلنا إلى فضاء المجاز، هناك حيث العناق الحميم ما بين جمال الفن وعذوبة الروح.
تقول بام جيمس:
“إن العمل التوثيقي لشخصية شهيرة مثل ﭙياف يفترض ويقتضي عرض الواقع بعتمته وضيائه. لذا حين باشرنا في كتابة المسرحية كنا ندرك جيداً أننا ندخل المنطقة الخطيرة للفن. ومع ذلك، فالثمرة الطيبة التي جنيناها من رحلتنا تلك هي أننا استطعنا أن نوظف الواقع كمجاز لا أكثر. أما الجوهري في عملنا، فهو إضاءة الركن الذي تقبع فيه الروح اللائبة لذلك الطائر الصغير المدعو “ﭙياف”.

(الرؤية الإخراجية)

ما فعله المخرج السير بيتر هول هو توظيف جُلّ حوارات النص ومونولوغاته وفق مقتضيات الشكل الموسيقي الغنائي للعرض، وذلك باختزاله الفطن لتلك الحوارات الذي من شأنه جعل العنصر الغنائي للثيمة يحتل المقام الأول بوصفه العصب الرئيس لما يسمى بالدراما الموسيقية. بمعنى آخر، الهدف من توظيف تلك الحوارات والمنولوغات المختزلة لتكون بمثابة مداخل أو مخارج مونتاجيه تتحكم بتسلسل وتدرج الأغاني من جانب، وتُخضع الايقاع العام للأحداث الدرامية لإيقاع (خاص) بتلك الثيمة الموسيقية، من جانب آخر.
من هنا تصبح الأغنية هي بمثابة استجابة مجازية لحدث واقعي يجري التعبير عنه بأسلوب المونولوغ الداخلي، أو المناجاة الداخلية. ولهذا تم شطر خشبة المسرح إلى واقع ومجاز، عالمين متجاورين ومنفصلين في ذات الوقت.
لقد استطاع بيتر هول أن يعثر على مفتاح شخصية ﭙياف عبر الغوص في دلالات أغانيها وسحر صوتها الذي كان يضيء عتمة روحها عاكساً عبر مراياه رحلتها العاصفة والمأساوية تلك.

لقد وضع المخرج صورة بطلته داخل إطار خاص تضمّن سرداً غنائياً بصوت بطلته أشبه بمناجاة داخلية لطفولة قاسية تفتقد دفء حنان ذوي القربى، ومراهقة متهتكة داعرة سائبة، ثم ألق مفاجئ مدهش ومقلق، وأخيراً موت وغياب قبل الأوان. أما الإطار العام والأوسع، فقد تضمن وضع عالمين متجاورين غير متناغمين، أحدهما جمالي بحت ذو صفة أنثوية، والآخر ذكوري مفعم بالقسوة والهيمنة والمال. التضاد الصارخ بين العتمة والضوء، بين العطاء والأخذ، بين الحلم والواقع.

لم يغفل المخرج عن إضاءة الجانب الوثائقي للأحداث كخلفية لحياة بطلته، لاسيما ذلك المتعلق بطبائع من كانوا يحيطون بها آنذاك من نساء ورجال رافقوها رحلتها الفنية الشاقة والعذبة تلك. ومن هؤلاء Toine صديقتها التي عاشت وإياها سنوات التشرد والبغاء وتعاطي المخدرات وإنشاد أغاني الشوارع الليلية (لعبت الدور الممثلةWindy Morgan )، كذلك شخصية المغنية الزنجية الأميركية جوزفين التي لازمتها في باريس وكانت بمثابة الجسر الذي ربط بينها وبين عشيقها الملاكم العالمي مارسيل سيردان (لعبت دورها المغنية والممثلة البريطانية Dawn Hope).
أما الشخصيات الرجالية من عشاق وموسيقيين ومغنين ورجال أعمال وأصحاب نوادٍ ليلية وسواهم، فقد أظهرهم العرض أشبه بدمى تتقفز هنا وهناك، أو ظلال تتخاطف من وراء الكواليس.

الشيء الذي وحدّ ما بين معالجة بام جيمس ورؤية بيتر هول هو أنهما أظهرا سيرة ﭙياف من خلال عيون ﭙياف نفسها. فكل فعل يحدث على خشبة المسرح كان مصدره ذاكرتها الذاتية الخصبة وهي تستدعي الأحداث التي عاشتها، معبّر عنها بوسيط غنائي هو بمثابة استجابة ذاتية لتلك الأحداث.

الممثلة والمغنية إيلين ﭙيج (Elaine Paige)التي لعبت دور ﭙياف كانت قد اجتازت أكثر من امتحان قبل الشروع في لعب هذا الدور العسير والشيق، فأدوارها الموسيقية والغنائية السابقة أثبتت غنى طاقتها الغنائية والتمثيلية على حد سواء، كدورها الشهير كَريزابيلا في أوبرا “القطط” لأندريو لويد ويبر الذي لعبته عام ١٩٨١ والذي ميّزها بنحو خاص على أنها أول ممثلة تقوم بأداء أغان كلاسيكية على خشبة المسرح البريطاني.
وقد لعبت أيضاً أدواراً مهمة أسهمت في صقل موهبتها في الوقوف على خشبة المسرح كمغنية وممثلة في آن، كدور إيفا بيرون في مسرحية “أﭬيتا” لنفس الكاتب، ودور فلورنس في مسرحية “لعبة الشطرنج” ومسرحيات أخرى، فضلاً عن تجربتها المشتركة السابقة مع بيتر هول ذاته في أعمال مسرحية أمثال “عدو الشعب” لهنريك إبسن ودور أنجيلا في مسرحية “هناك حيث تكون الرغبة”.

هذه الممثلة برنين حنجرتها الصافية ونطقها الفرنسية بطلاقة شاعرية وإجادتها محاكاة أغاني ﭙياف على وجه الحصر، فضلاً عن الشبه المدهش بين الاثنين ولاسيما دورة الوجه تلك وقصر القامة وكذلك الحساسية المرهفة في أداء تلك الأغاني. كل ذلك أسهم دون شك في تقريب الصورة ما بين هاتين الفنانتين وخلق لدينا إيحائاً ووهماً جميلين هو أننا في حضرة ﭙياف نفسها حقاً.

لكن رغم طلاقة بيج في الفرنسية وحساسيتها الغنائية، ينبغي التمييز بين مفهومي: التشابه، أي محاكاة الهيئة الجسدية لبياف، والتقمص الدرامي، أي إعادة بناء دوافع الشخصية وتناقضاتها الداخلية. ومن هنا يمكن قراءة أداء بيج بوصفه محاولة لإعادة خلق بياف فنياً، لا استنساخها حرفياً. وقد أكدّت ألين بيج في مقابلة لها أنها لا تريد تقليد بياف صوتياً، بل أرادت أن تروي قصتها من خلال الأغاني، مع الاحتفاظ بمفاتيحها الموسيقية الأصلية قدر الإمكان. كما شدّدت على إن الدور يتطلب ممثلة تؤدي الغناء، لا مغنية تكتفي بتقديم الأغنيات.

أما العناصر الفنية والتقنية من ديكور وملابس وشكل طاقم العازفين فقد ساهمت هي الأخرى في إعادة خلق طراز حياة باريس النصف الثاني من القرن الماضي، ذاك الذي عكس مزاج ومناخ الفترة التي عاشت في فضائها إديث ﭙياف.

لابد من القول هنا أن الفرقة الموسيقية التي كان يقودها الموسيقار لاوري هالواي قد لعبت دوراً أساسياً وحاسماً في التحكم بإيقاع عرض موسيقي غنائي كبير كهذا طوال ساعتين دون إحداث ثغرة في مسار تطور الأحداث الدرامية للنص.

ربما تكون القراءة الأكثر مجازاً في رؤية المخرج هي مشهد الختام، وهو موت ﭙياف. فقد أظهر بيتر هول هذا المشهد بشكل يكاد يتماهى وصورة الانبعاث، فهو لم يُميت بطلته، بل وّجه نحوها بقعة ضوء أزرق وهي مستلقية على سرير الموت، ومن بعد بدأ الضوء يتلاشى شيئاً فشيئاً لتحل العتمة كاملة وتبع ذلك صمت طويل، لكنه مفعم بالرهبة والحزن والتوقعات.

فجأة تُفتح كل أضواء القاعة وترتفع الموسيقى عالياً فتستيقظ ﭙياف من غفوتها مبّددة لحظة الصمت الطويلة والحزينة تلك بواحدة من أجمل وأشهر أغانيها وهي أغنية “أنا لست نادمة على شيء”. وهكذا يتحول موتها إلى مجاز لتبقى في مخيلتنا حية مدى الدهر.


قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00