(حارة مهدمة من جراء القصف، خراب يعم المكان، أنقاض متفرقة، حوائط مهدمة، أصوات رصاص متقطع، فيما يتصاعد الدخان في خلفية المشهد. وبسبب انعدام التيار الكهربائي، تميل إضاءة المسرح إلى اللون الأزرق الفضي وكأنها صادرة عن انعكاس ضوء القمر.. في زاويتي المسرح يوجد شاشتان عملاقتان تُحملان على عربة بعجلات، يقوم أحد ممثلي الكومبارس بإدخال وإخراج الشاشات عند اللزوم.. بالقرب من منتصف المسرح يوجد برميل قمامة معدني….
شاب في أول عقده الثالث يشرب شيئاً ما جالساً فوق طاولة، وعندما يحاول القفز والمشي بعيداً يدوي صوت الرصاص، ينبطح أرضاً ويحاول الزحف ملوحاً بخرقة بالية كراية، وكلما جرب الوقوف دوى هدير القصف مما يدفعه إلى العودة أرضاً)
شاشة 1: هذا وتستمر الاشتباكات لليوم الثالث على التوالي، مما دفع قواتنا إلى تنفيذ إعادة انتشار وإجراء انسحاب تكتيكي (صوت قصف)
الممثل: كل هذا وتكتيكي؟! لا أحد هنا يتكتك غيري، العمى في قلوبكم، ألم تشبعوا من القصف بعد؟! بسببكم بتنا نقضي نصف عمرنا منبطحين (ينبطح)، شعب انبطاحي يا أخي، نسهر منبطحين (يحاول الوقوف يمنعه صوت رصاصة)، نتكلم ونأكل منبطحين، نحلم ونسكر منبطحين (يقف لكن سرعان ما يسقط).
كأس الانبطاحيين يا أخي! ثم اتفقوا على هدنة ساعة في اليوم، ليس لنشرس نفس نرجيلة بل لنلبي نداء الطبيعة مرتاحي البال: “يفضح عرضكن، كمان هاي ع المنبطح بدها تصير…” (هدوء نسبي، يجرب الوقوف وإرخاء سحاب بنطاله، يقترب من الحائط، يدوي صوت انفجار ورشقات رصاص، يعود إلى الزحف) لا حول ولا قوة إلا بالله… أها رأيتك قناص النحس، واضع عقلك بسحاب البنطال؟! اذهب وتسلّ بعيداً يا عمي، كفى إهانة للمعترين، كلا لست خائفا منك، بلا قناص بلا من يحزنون.. “شلة فكحان”.. لهم فترة يصوبون عليّ، لكن عبثاً..
صرت أشك بقدرتهم.. (ينتصب واقفا، يقوم بحركات بهلوانية مضحكة للفت نظر القناص)
هيه أيها الأحمق، هنا.. “ولوه بعيدة متر كامل يا شيخ، والله لو كنت معلمك لحلقت لك شعرك على الزيرو..”
(يلتفت صوب الجهة الأخرى).. هي أنت يا غبي.. “تبدو حموياً، فرقت مترين..”
الآن فهمت لم طال أمد هذه الحرب.. لا أحد يتقدم (يستل العصا وكأنها بندقية) طرق طرق طرق ولا أحد ينقص، “الشطارة على المدنيين فقط، حبيبي بلا منيتكن”، (يتقدم ويقلب الطاولة من الوضع الأفقي إلى العمودي فيظهر سطحها وقد رسمت عليه دوائر متحدة المركز على شكل دريئة، محتميا بها يمشي صوب أحد الحوائط والذي كتب عليه بخط واضح جملة: “صامدون”، سرعان ما يبدأ بالتبول عليها)
لعنة الله على المتة وشاربها، في هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها الأمة ليس من الضروري أن أقرقع كل يوم أربعة خمسة أباريق.
مالها الويسكي؟ مشروب إمبريالي ابن حلال يناسب الظروف الطارئة…
هو صحيح أن القصة لها عشر سنوات، لكنها طارئة هذا ما تقوله الشاشات، وما الطارئ سوى زمن جزئي قد يمتد إلى الأبد…
(يحل الهدوء فجأة ويتوقف إطلاق النار) الآن توقفتم؟! والله مقصودة (ينظر صوب السماء ويصيخ السمع) لابد أن هذه المسيرات كانت تراقبني حتى أهنتي…
(يمشي بهدوء ويتأمل الحائط المهدم) يا لطيف صارت البيوت مخلوطة ذرة، لو تعرف يا أبا أحمد ماذا بقي من بيتك؟ حائط وحيد لتسير بجانبه وتقول الستر، حائط لا ينفع إلا لتطيير المياه، كم يشبه السن المتبقية في فم جدتي المرحومة، الله يرحمها (يمشي قليلاً صوب مكان أكثر خرابا) يا حبيبي ولا بيتك يا أبا سمير…
توقفت القصة معهم على كرسي الحمام “ما أنبلع معن، رخام إيطالي! أي بكرا بس ترجع تفتح الحارة بيتعفش” (يجلس فوق تلة خراب محاولاً إشعال سيجارة عن طريق حك الخشب بطريقة بدائية).
خراب بديع، خراب حقيقي… منذ بدأنا بالاستدلال على الأماكن بتلك الطريقة انقلب الحال (يأخذ وضعية المتكلم على الهاتف)…
ألو… لك ألوووو لا أسمعك جيداً، قف في مكان فيه تغطية يا عمي، إجمد في مكانك ولا حركة، قف على رجل واحدة وارفع يديك، الآن تمام أسمعك بوضوح.. أجل أجل في انتظارك، شارع القناص، أين نزل الصاروخ الأسبوع الفائت… لك كلا يا أخي بعد مفخخة الشهر الماضي بشارعين، قصف؟! قصف ماذا؟ بعيد جداً، بيننا بناءان كاملان… دعك من قلبك القطيعة هذا، كلها فبركات إعلامية، إشاعات… لا تصدق… لا تصدق، البارحة خرج جاري إلى عمله في الثامنة صباحاً وعاد في الوقت المحدد سليماً معافى كامل غير مقطع أو مذبوح أو مفرز… إشاعات.
-(شاشة 2): في عملية نوعية، تمكنت إحدى الوحدات من تحرير رهائن مدنيين احتجزوا داخل وكر للإرهابيين بغية طلب فدية مالية، هذا وقد بدت آثار التعذيب واضحة عليهم..
الممثل (إلى الشاشة): “طول بالك لنسكر مع الزلمي، حبكت معك هلق تطلعنا بكذبة ما علينا”.
يا له من جحيم… من يصدق كيف انقلبت الحال، من يصدق أن هذه الساحة شهدت أكبر الأفراح والعراضات..
(تتبدل الإضاءة، أصوات موسيقى يدخل بعدها مجموعة من الأشخاص معهم طبول ورايات وعصي وما إلى ذلك مشكلين العراضة).
شاشة 1: ألف سلام عليكم….. (يتراقص الممثل على أنغام الأغاني متفاعلاً مع الأشخاص).
الممثل: ألف ألف مبروك، “من بيت مين العريس بلا صغرة؟ طهور…. الله لا يوفقكن عشو مبسوطين؟؟” (يصل الممثل إلى زاوية المسرح تحت إحدى الشاشات).
تماماً هنا الشاشة العملاقة وقت المونديال (تنقلب الإضاءة، تعرض الشاشة إحدى المباريات، تتحول مجموعة الأشخاص من العراضة لتشكيل جمهور الفريقين المتباريين، أصوات صفير وحماس وتشجيع، يلوح الممثل بالراية البيضاء وكأنه يتابع المباراة…).
يهتف: “Ole, ole، منتخبنا جيش رجال… بطولاتنا فوق جبال..”
صوت من شاشة 2: (تعليق لمعلق رياضي، أصوات هتاف الجماهير ثم غوووول….)
الممثل: غوووول (أصوات إطلاق رصاص يختبئ خلف الطاولة، سرعان ما يلتف الجمهور حوله، يصرخون في وجهه منكلين به).
الشاشة 1: “مع مين أنت ولاه؟!!!”
الممثل: أنا، أنا معكن، مع البرازيل، ألمانيا ألمانيا.. الأرجنتين، ميسي عاش ميسي، مع من تريدني أن أكون لأكون يا أخي (يقف، يبتعد وحيداً تختفي مجموعة الأشخاص). الله الله، كانت المعركة على شيء محرز، كأس العالم “مو متل هلق”، أي محور سوف ينتصر… سخافة.
الشاشة 1: هذا وقد خرج المنتخب الوطني من الدور الأول بعد الخسارة من ناميبيا ومدغشقر وجزر الواق واق..
الممثل: “معروفة”، المهم اللعب النظيف ثم كلنا إخوة كلنا عرب لحظة… الواق واق ليست عربية، ما علينا “كليشيه” وبتمر….
(يتابع المسير ويلاحظ وجود برميل في أحد الأماكن يتأمله جيداً) أنت ما الذي تفعله هنا يا جاسوس؟ “مع مين أنت ولاه؟” أمزح أنا لا أهتم، لا ترتجف وتبدأ بالتوسل.. دعني أرد قليلاً من القمع الممارس عليّ نحو من هو أضعف، أليست هذه القاعدة؟!!
كم يبدو وجهك مألوفاً، أين رأيته أين أين؟! آآآآه في المرآة! يا لطيف على هذه المصادفة كم تشبهني، “خنطق منطق”.
برميل قمامة يشبه بني آدم يا سيدي أتشرفنا، ما الذي أتى بك إلى هنا وسط هذا القصف… (أصوات إطلاق نار..) أنا متعود على القصف حبيبنا، قصف من نوع آخر (يؤشر إلى لسانه) حماك الله من ألسنة الناس، “أي ما شاطرين إلا بالحكي ع بعض”، ما إن وقعت الحرب حتى شمعوا الخيط جميعاً، “شو بدك”، قمة في الثبات والتجذر.
(تتبدل الإضاءة، تعرض الشاشة مشهدا لنوافذ حافلة نقل تظهر مجموعة من المسافرين، فيما تعرض الشاشة الأخرى أغنية مسلسل “ضبو الشناتي”):
“سفرني ع أي بلد
وتركني ونساني
بالبحر رميني ولا تسأل
ما عندي طريق تاني
مو طالع شم الهوا
ولا رايح غير جو
بيتي بالضرب هوى
ودخان الحرب عماني
تركني حاول مهما كان
أنا بالآخر إنسان
وسميها نزوح
أو لجوء إنساني…”
الممثل (محدثاً المسافرين في الشاشة): إلى أين يا شباب، إلى أين؟ هذه البلاد تحتاجكن، هل يتخلى المرء عن أهله ساعة المرض؟ (ينفعل) الوطن ليس فندقا خمس نجوم نغادره عند سوء الخدمة….
(يلتفت الجميع صوبه عند إتمامه الجملة السابقة).
ليس خمس نجوم، خمس نجوم أعرف “وحياة أمكن واقفينلي عالدقرة”، نجمتان يا سيدي، واحدة “طيب هيك واقف علينا رسمالها يعني” (تطفئ الشاشة).
يا أخي زريبة “ماشي الحال، لكنه وطنك في الآخر”، سموا بالرحمن يا شباب، علينا أن نعالج الثقب الذي يتسرب منه الماء بدلاً من القفز هيستيرياً هكذا من سطح السفينة التي تغرق… أجل.
صوت أحد المهاجرين بتهكم: “اي شو التايتانيك…”
الشاشتان: (تتبدل الإضاءة تعرضان معا أغنية ومشاهد من فيلم التايتانيك، يتراقص الممثل على أنغام الأغنية، ثم يضع يده على جبينه بحركة تدل على فقدان الأمل..).
الممثل: يا محلا التايتانيك، ملوك التنمر في العالم نحن، ليس بيدنا (يضاء المسرح كاملاً، يتناثر في أكثر من مكان انعكاس لمجموعة من الشاشات كل منها يحوي شخصاً يقوم بعمل ما / يمكن فعل ذلك عن طريق الظل / ثم يقف أحدهم حاملاً حقيبة في يده دلالة على الهجرة، يرتدي شالاً أحمر وبيريه، يتوجه إليه الممثل مسرعاً).
- الممثل: تمهل (يتوقف المهاجر دون أن يلتفت) أنت يا فريد؟! أنت من يترك الراية الآن؟ أنسيت كلامك عن المعترين وأننا يجب أن نقف معهم في وجه هذه الحرب التي تأكل الأخضر واليابس؟ لقد بعت كل ما تملك لتجهز مقر نشاطك المجتمعي في شارع الورود..
- فريد: الثورة “مارح تزبط”، ورايتنا الحمراء استحالت بيضاء.
شاشة 1: وردنا الآن انفجار سيارة مفخخة محملة بمادة الـ C4 أدت إلى دمار هائل في الممتلكات ضمن شارع الورود (يتابع المهاجر سيره تطفئ شاشته).
الممثل: معك حق.
(يتجه صوب الجهة الأخرى من المسرح، ينهض رجل آخر عن كرسيه بنفس الطريقة تماماً، ممسكاً سبحة في يده، ملتح، يرتدي جلباباً).
الممثل: إلى أين يا مولانا؟!!
مولانا: أنا خائف، خائف أن أخطئ، أن أموت من الجوع أو الكره، برصاصة أو خلف القضبان، أنا خائف…
شاشة 2: انهيار جديد في قيمة العملة الوطنية مقابل “الشوئسمو” الذي يحطم جميع الأرقام القياسية السابقة، مما ينذر بكارثة اقتصادية تنعكس سلباً على الأصول المعيشية في البلاد التي صنفت الأفقر عالمياً، تحت خط الفقر.. (يقوم المهاجر بمتابعة الطريق).
الممثل (ينظر إلى السماء): خط الفقر؟ أين “هو دخلك ما عاد مبين، ولا كيف؟!”، ومع ذلك كان يمكن أن تعمل عملين أو ثلاثة، ليس من الضروري أن تنام كل يوم، “ما معقول التنبلة..”
(يعود صوب الجهة الأخرى من المسرح) حتى أنت يا لؤي!! أنت يد من ذهب ويد من الماس (يقلد لؤي) أنا لا أضع يدي في الصيني يا أخي، أرجوك لا تحرجني، أمريكي ياباني ألماني في عيوني..
شاشة 1: هذا ويستمر إغلاق جميع الطرقات المؤدية إلى المنطقة الصناعية على يد مجموعات مسلحة.. (يقوم لؤي بركل كرسيه، وحمل حقيبته).
الممثل (إلى الشاشة): هو هو علينا واقفين في حلقي أنتم، كما حال البلد الواقف، خرسنا يا سيدي “وهاي رح نسد بوزنا”.
يا أخي لكن انظر كيف يحتضن فؤاد أولاده راكضاً مثل كنغر..
شاشة 2: سقطت قذيفة وسط ساحة مدرسة أطفال في حي..
الممثل: اللعنة، معكم حق جميعاً، معكم حق (ينفعل)، لك تفووو (لحظات تفكير ومراجعة حسابات)، لكنكم ستتحولون جميعاً إلى أرقام في المخيمات (إلى نفسه): على أساس نحن هنا ماذا؟! “ومالها المخيمات حجي”.
(تعرض إحدى الشاشتين مشاهد للمخيمات في عز فصل الشتاء، والأخرى تبث مشاهد لأحياء مدمرة).
الممثل: أجل، مجرد أرقام في المخيمات، أرقام في الطوابير والمعونات، أرقام الراحلين، أرقام على شريط أحمر عاجل لا ينتهي يغزو الشاشات.
يا ليتكم أصبحتم أرقاماً في المخيمات يا أبا فؤاد، حتى هذه لم تطلها، والله لو تجشأ البحر لشممت رائحة السوري..
شاشة 2: (موسيقى الأخبار العاجلة ثم صوت المذيع): غرق سفينة على متنها 222 مسافراً غير شرعي قبالة سواحل اليونان..
شاشة 1: بلغت حصيلة الاشتباكات المتواصلة لليوم الرابع على التوالي…
الممثل: تائهون كلنا، من غادر، من بقي..
الكل غارق في دوامته..
(يغني):
“تركني رح روح وارجع
لو حتى بالأحلام
يمكن شي يوم ارجع
ويهنيني زماني..”
الممثل (يعاود مخاطبة البرميل): وهكذا رميت وحيداً في هذه الشوارع الفارغة لأحارب طواحين الهواء وأجابه آلة القتل..
(يتقمص الممثل دور “دون كيخوت”، فيما يدخل أحد الممثلين من تحت الشاشات ليتقمص دور مساعده “سانشو”، حاملاً معه دراجة هوائية يسلمها للممثل بدلاً عن الفرس الأصيل، يقوم المساعد بوضع قدر قديم فارغ على رأس الممثل كخوذة، ثم يسلمه بإحدى يديه غطاء برميل قمامة بدلاً عن الترس، وعصا ممسحة كناية عن الرمح. يقوم الممثل بقيادة الدراجة فوق خشبة المسرح شامخ الرأس، يلاحقه المساعد مهرولاً خلفه، إلى أن تقوم الشاشات بعرض مشاهد لطواحين هواء تقليدية..).
(يتنبه الممثل ويتجه صوب إحدى الشاشتين المتقابلتين صارخاً): عمالقة الشر يا سانشو، عليهم اللعنة (يتأهب للانقضاض) أرجو ألا تخذلني مثانتي كعادتها في الأوقات المصيرية.
سانشو: أرجوك يا سيدي، إنها مجرد “دواليب هواء” لتوليد الطاقة الكهربائية.
(تتبدل مشاهد الطواحين على الشاشات إلى عنفات حديثة خاصة بتوليد الطاقة).
الممثل: أبصر جيداً ما وراء الأشياء يا عزيزي، صراع منابع الطاقة هو الأساس.. ألا ترى خلفه القذائف، ألا تسمع صفير الصواريخ؟ ألم تلحظ بروباغندا الكراهية المعروضة..
سانشو: تمهل يا سيدي، ليست أكثر من مزارع ريحية..
الممثل (مقتبساً عن شخصية دون كيخوت في الرواية): لا ترى ما تراه عيناك فقط، بل ما تراه روحك أيضاً، فالعينان قد تخدعان، لكن القلب المخلص لا يخدع أبداً..
(تختفي العنفات عن الشاشتين المتقابلتين، ويحل مكانها صور لدبابات في حالة رمي، وراجمات صواريخ وما إلى هنالك….
قوم الممثل بالكر والفر مهاجماً الشاشتين فيما يشبه المعركة، لكنه بدلاً من الهجوم برمحه يقوم بتثبيت راية بيضاء عليه، كتب فوقها: “أوقفوا القتل”، وبدلاً من رمي القنابل يقوم برمي ورود يخرجها من جيوبه، كما يمكن من خلال لعبة خيال الظل أن يطير أسراب حمام… أخيراً صوت دوي انفجار يقع على إثره أرضاً مهزوما معلناً نهاية المعركة، يركض سانشو صوبه يساعده في الوقوف..).
سانشو: أأنت بخير يا سيدي؟!!
الممثل (مقتبساً): الشجاعة فضيلة بين رذيلتين؛ التهور والجبن، وأنا فضلت الأولى…
أركع على ركبتيك يا سانشو (يقتبس كما في طقوس الروايات، محولاً سانشو إلى فارس): لا تخف أبداً من مواجهة أعدائك، كن شجاعاً وصامداً حتى يحبك الرب، احمي الضعفاء وقل الحق دوماً حتى لو قادك ذلك إلى حتفك، هذا هو قسمك (يصفع سانشو بيديه): هذا كي تتذكر، انهض كفارس متجول..
(ينسحب سانشو بهدوء من خشبة المسرح عن طريق إظلام الإضاءة).
الممثل: فرسان متجولون، يتجولون بالـ (4×4) والدفع الرباعي في الشوارع، إنما بدون أخلاق فروسية، يا للكارثة…
الممثل (إلى البرميل): ليس مهما بعد الآن، لقد توجتني هذه الشوارع كفارسها الوحيد.. إن أردت الحقيقة أحببت الوحدة، الوحدة جميلة لا حسيب ولا رقيب، وأنت أدرى بالناس “ما بتشيلك من أرضك”، يمرون بجوارك بقرف الخواجات، لا يقرعون بابك إلا ليفرغوا قمامتهم بداخلك “وخود على نق..”
ثم سرعان ما سيركضون خلف من هم أكثر شأناً، معلوم يا عمي “شو جاب برميل الزبالة لبرميل النفط”، هداك عم يموتوا كرمالو.
سعيد بمعرفتك يا أخ س، أبو شو بلا صغرة؟!
ثم لم شكلك رمادي هكذا؟ لست ملونا بأي علم، “لك شو هل لا موقف؟”
شاشة 1: من ليس معنا، فهو ضدنا.
(يظهر مجموعة من المسلحين المتوعدين متمترسين تحت كل شاشة).
شاشة 2: لا توجد منطقة وسطى،
اختار الحب أو اللا حب،
فجبن ألا تختار،
لا توجد منطقة وسطى..
حمص وحماة رح نشيلها عن الخريطة بإذنه تعالى..
الممثل: سمعت؟ بأيدهم حق “يشلحوك” هنا لوحدك.
(إظلام كامل، بقعة ضوء تضيء الممثل في منتصف المسرح..).
شاشة 1: أنت مع من؟
(تنقض مجموعة من المسلحين من الجهتين على الممثل بقسوة).
الممثل: أنا مع البلد..
شاشة 1: أنت معنا إذن؟
الممثل: كلا، لست معكم..
شاشة 1: إذن أنت ضدنا يا خائن.
الممثل: كلا يا سيدي ولست ضدكم..
شاشة 2: إذن لابد أنك معنا نحن؟
الممثل: ولست معكم يا سيدي أيضاً..
شاشة 2: إذن مع من؟
الممثل: مع البلد..
شاشة 1 + شاشة 2: اخرس.
شاشة 1: كيف تكون مع البلد، والبلد كلها مقسومة بيننا نحن الاثنان، وأنت ضد الاثنين؟! أنت ضد البلد، كل البلد، خائن..
شاشة 2: رمادي جربوعي، شيوعي رجعي، يساري يميني، شندس علقوه.
الممثل (إلى البرميل): لن تودي بك هذه الرمادية إلا إلى التعليق أفهمت؟
(يشم رائحة) ما هذه الرائحة النتنة؟ ماذا تتوقع من قمامة؟!
أنت قمامة، مثل هذه الحرب.. أوساخ، ما الذي حدث؟!!
أحد ما حول القمامة في عقول الناس إلى أسلحة في أيديهم.. “ولحق بقا”.
تراكمت تلال الزبالة في كل مكان، ومن أين ستأتي براميل لكل هذه الأوساخ؟ وقعنا في أزمة براميل..
لا تعرف من أين “سينط” أمامك البرميل القادم، أو ربما يسقط فوقك (صوت صفير قذيفة هاون ثم انفجار، ينبطح الممثل أرضا).
الممثل (يقف مجدداً محدثاً البرميل): “والvale جامد ولا تزحزحت”.
مرت على خير، ولكن ليس في كل مرة تسلم الجرة، عنجهية الثبات والوقوف لن تفيدك دائماً، اسألني أنا يا أخي، تكون ماشي بأمان الله، ليس لك وليس عليك وإذ…
(يغني):
“وقفني حاجز دركي
قلي شو الاسم البركة
ياويلي ملا لبكة
اسمي نسيتو بعينيكي”
ألا تحب جوزيف صقر؟! المشكلة يا رفيق أنهم لم يفهموا مفارقة نسيان اسمي بعينيكي..
تنقصهم هنا لمسة رومانسية للحناين..
شاشة 1: توقف، أوراقك الثبوتية (توقفه دورية تخرج من تحت الشاشة، يبقى صوت الاستجواب صادرا عن الشاشة).
الممثل: أنا، والله ما، لا أعرف كيف، من! الله يلعن المتة وشاربها ليس وقتك الآن.
الشاشة: هويتك.
الممثل: هويتي أأأأه، الهوية.. ماذا يا أخي؟ والله أنا مثل هذه البلد، نصف قرن مر وما زلنا نبحث عن الهوية، وفي الآخر ضاعت.
(يقوم عناصر الدورية بتوجيه صفعات وركلات للممثل..).
الشاشة: دفتر العائلة.
الممثل (يلهث من التعب): يا سيدي لا دفتر ولا عائلة لدي، قتلتهم وهجرتهم الحرب (أصوات صفعات).
الشاشة: دفتر العلم.
الممثل (يترنح): أي علم؟!! نجمتان أم ثلاث، أم أسود ممهور بكلمة الله أكبر؟!! العلم صار علمين وثلاثة، والبلد بلدين وثلاثة.
الشاشة: أبرز صك ملكية.
الممثل: لا أملك شيئاً سوى هذا الاسم الحاف.
الشاشة: أتمتلك شهادة ما؟
الممثل (يزداد ترنحاً): الشهادة لله أم للوطن؟ أصبح الأمر معقداً أكثر مما يجب.
الشاشة: شهادة ميلاد.
الممثل (يسقط): خطأ الزمان والمكان..
الشاشة: أخرج أي ورقة بالتي هي أحسن.
الممثل: هذه شهادة وفاة بتاريخ مغفل، جاهزة والحمد لله..
الشاشة: علقوه لنتبين ميوله.
(يتكور الممثل على الأرض تحت تأثير أصوات الصفعات والركل، لحظات يقف بعدها متثاقلاً محاولاً تجفيف آثار الدماء من فوق فمه بكم قميصه).
الممثل: “وعلقوني يا معلم”، برغم من كل الاستغاثات لم يفهموا ما أقول، يا أخي لقد أصبحت إنساناً مجرداً من كل القضايا.. مثلك يعني، لدي قضية واحدة هي لقمة العيش، حُرمنا من الجزء الأول اللقمة، ويحاولون الآن التكملة على الجزء الآخر العيش.. وكله باسم القضية!
وهل تكون القضية عدم المؤاخذة كيلوت تفصيل على قياسك؟
إن لم تستطع أن تشتري لولدك حذاء، إن اعتدت النوم على بطن خاوية وأنت تتكتك من البرد، لن تعنيك أية قضية.
ثم “شو” هذه القضية إن لم أناصر قضاياكم ها؟!!
إن لم أخذ جانب أي صف، يا أخي “لا قولنا حل لهذه القضية بقا..”
انطلقوا من الأرضية المشتركة للقضايا المتفق عليها.
يا سيدي متفقين، كلا متفقين، متفقين علينا ألا يكفي؟
كرهتمونا العيشة ورغبتمونا بالموت،
صرنا نرى في هذا الموت أشياء جميلة لم نرها في الحياة،
ألا يكفيك أنه غير طائفي، “تعا لنشوف”، غير مرتش،
لم تتلوث يداه بالفساد، عادل محافظ على تكافؤ الفرص..
ليس فيه صراع طبقات أو طوائف،
لا تصادم محاور، إعادة إعمار أو خطط خمسية..
ألا يكفيك أن هذا الموت جامع، متين قوي مهاب..
من يقوى على وضع عينه بعينه؟!!
الحل..
الحل الشامل لكافة المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية..
“شو بدك أحسن من هيك؟”
الشاشتان معاً: اخرس.
الممثل: حاضر، على راسي الشباب والله (يوجه حديثه للبرميل): على فكرة رائحتك نتنة تذكرني بالموت..
استحم يا أخي، لا تتحجج ببرودة المياه وانقطاع الكهرباء، اقلب الفاز طيب..
اقلب الفاز لنرى ما هي الأخبار، لعن الله الأخبار..
(ينظر إلى الشاشات ويوجه الحديث لها): كله منكم أصلاً، أنتم من اعتاد دس السم في العسل، لا والله ليس هنالك من عسل أساساً، سم صرف كلها أخبار الخراب يا غراب البين، ألا تعرفون سوى لغة النعيق قاق قاق..
شاشة 1: صباح الخير، صباح التفاؤل والأمل..
الممثل: “لا ولوه، قولوا والله”، لم أعرفكم وفوار الأمل ينبع في بلد “فصفصت عظامها الحرب لآخر فصفوص..”
شاشة 2: حضرنا لكم مجموعة من التمارين الصباحية المنزلية لتنشيط الجسم وحرق الدهون، كلنا سوا واحد إنسان ثلاثة أربعة.. واحد إثنان..
الممثل (يتحرك مع الصوت الصادر من الشاشة لا إرادياً): يا سلام على الرشاقة، واحد إثنان ثلاثة أربعة.. واحد إثنان ثلاثة أربعة.. “يخرب بيتك” ما أجملك، والله أني صدئ لكني أتحرك تحت تأثير سحرها.. واحد إثنان.. لكن لحظة، دهون ماذا التي نحرقها؟!!
وجباتنا فقيرة من كل شيء وخاصة الدهون.
شاشة 2: صباح الطاقة الإيجابية والنور..
الممثل: الله أكبر.. “يا ضيعانو”.. صباح الطاقة والإيجابية أيضاً..
الطاقة الوحيدة التي أعرفها هي من إهداء صاروخ تائه “خرطش” بتوقيعه على سقف منزلنا.. (يمد رأسه من أحد النوافذ المهدمة)، وكلما مددت رأسي منها لأبحث كما مريم نور عن النور والإيجابية وبعد أول شهيق وزفير، أبدأ بالسعال من روائح غبرة الحرب وشحوار الحرائق.. ثم تفتح عينيك ببطء على مشهد العتمة (يغني مقلدا وديع الصافي):
“عتمات ع مد النظر
ما بينقشع منها بصر،
وطيور ع نغماتها
بينام ويموت القمر..”
لا شيء ستذوقه سوى طعم الخذلان وجرجرة أقدام مهزومة على طرقات التشييد السريع، المشكلة أن الخذلان لا يلبس إلا قباب غوار “وخود ع صرعة، لك بدنا ننام يا أخو المقطعة”.
طاقة إيجابية قال..
شاشة 1: (تتركز الإضاءة على الشاشة): أعزائي المشاهدين، تفاءلوا بالخير تجدوه..
الممثل: متفائلون بكم والله، رح “تختموا” اللعبة قريبا..
شاشة 2: “حلو، يطلع الضو..”
الممثل (يتأمل الشاشة): هل تعلم أن ضوء شروق الشمس يستغرق ثماني دقائق للوصول إلى الأرض؟ “صرلكن اثنا عشر عاما وما آن أوان طلوع الضو!!
حلو يطلع الضو”، يبدو أن البلد تحولت لثقب أسود، قادر على ابتلاع وهج الشمس كاملاً، وبعدكم غارقين بالعسل.. والله منفصلون عن الواقع أنتم، يا متفرغين لأخبار الدمار والتجييش والحقن، يا “حلو يطلع الضو وخود ع نق بقا..”
لك حلو يطلع الضو، لك حلو.. لك حلو عن.. قفانا أوووف.
(يهمس إلى الشاشات):
ألا يمكن أن تنزلوا قليلًا إلى مستوى الشارع؟ “في شغل خير الله إذا بتحبوا”،
اعكسوا مشاكل الناس الحقيقية..
هو صحيح أن الشارع مليء بحفر لا تناسب دواليب سيارتكم سيدنا، وصحيح أن الشارع مقنوص من الجانبين، ومستهدف، وولعانة فيه حرب شوارع.. لكن اعتبرها كلمة وتقال يعني..
على كل أجمل ما في قطع الكهرباء هو الخلاص من سلطة أمثالكم،
لنتفرغ قليلا إلى أنفسنا وصمودنا… (يخطط بقطعة فحم على حائط مهدم كلمة: صاااامدون، ثم يشطب الكلمة ويكتبها مقطعة بالشكل التالي:
صاام دوون) دون ماذا تحديدا؟!!
دون هذا الخراب العظيم..
صامدون لا شيء يزحزحني عن.. والله لن أتحرك وسأمارس حقي الصمودي هنا فوق هذه التل..
لعنة لعناء، ما هذه السحبة؟ “والله لو طب عليك هاون، ما بتلحق لا تصمد ولا تتحرك، ولا تصرف المتة”.
ما علينا، أين كنا؟! قاعدلكم ع تلتها.. ويا جبل شيخ الجبل ما يهزك ريح (يقلد تيم حسن) هينة، لا تاكلوا للهم، ما المانع من أن يتحول الإنسان إلى نسخة جديدة من الهيبة؟! لن أتزحزح من هنا لو..
شاشة 1: وصلت رسالة الغاز يا معلم.
الممثل: “شو هل حكي”، متى؟!!
(ينتفض وينتشل من بين الأنقاض ما يشبه جرة الغاز ويقف فيما يشبه صف الاستلام.. يبدأ بعد الرؤوس المتخيلة أمامه).
ألف وثمانمائة واثنان وأربعون، ألف وثمانمائة وخمسون.. هانت حركة يومين ونستلم بإذنه تعالى..
شاشة 2: وصل صهريج المازوت.
الممثل: (يركض في الاتجاه الآخر ينتشل من بين الأنقاض صفائح لتعبئة المازوت، يتعثر بها مراراً بشكل مضحك، أخيراً يصطف في الدور..).
ستة آلاف وستمائة وستة وستون بيدون، تقسيم ثلاثة، يعني أمامي ألفان ومائتان واثنان وعشرون فاصل أربعة شخص، هانت عيارها أسبوع زمان (يظهر مجموعة من الكومبارس يتعاركون من أجل الدور).
الممثل: له يا شباب كلنا إخوة، ثم هانت لن ينام أحد منكم بردانا (يتوقف الجميع عن العراك، يحيطون بالممثل من كافة الجهات ومعاودون القتال، لينال نصيبه من اللكمات).
أحد الرجال (يقوم بدفع الممثل موجهاً له الكلام): أنت اخرس، سآخذ غصبا عنك وعن شواربك..
الممثل (يترنح إثر الدفع ثم يتوقف ويقوم بنفخ صدره بطريقة استعراضية متوجهاً صوب من دفعه): “أنت بتعرف مع مين علقان، نحنا الدولة ولااااك…”
(لحظات تحد..).
شاشة 1: لا تنسَ دور المعونة اليوم..
الممثل: يا لطيف على هالنسوة، (يركض في الاتجاه الآخر بعد رمي الصفائح..).
شاشة 2: “لك اجت الكهرباااااا”.
الممثل: الشحن.. مضخة الماء، الغسيل، الصراف..
يا عيني، أتت الكهرباء انقطعت المياه.. عادت المياه، بس راحت الكهرباء، انتهى التقنين، اختفى النت، وعندما أصلحوه انقطع الهاتف…
وأخيراً يوجد شبكة وكهرباء بالصراف لكن لا نقود، تعال السبت.. أمطرت غاب وانقطع كل شيء.. الله يبعث الخير..
(يركل الأرض بقدمه بحركة يائسة، يجلس مجدداً أمام البرميل موجهاً الحديث له):
مللت، خليها تخرب، ولنتفرغ نحن لصمودنا، وراءنا ناس معتمدة علينا..
ومن كل الأطراف، ناس حاضرة بكل قواها لتؤمن لنا بيئة مثالية للصمود.. “معلوم شو عرفك أنت”.. للصمود مقوماته، ما معنى صمودك وأنت تمتلك كل هذه الرفاهية السخيفة.. خدمات، وراتب معقول ومأوى و.. يجب أن تكون ملط.. من أساسيات الصمود أن تكون متبهدل.. حينها فقط يسمى صمودا.. لف لك سيكارة معي؟!
ثم ما هذا الصمود الذي أنت فيه لا تتزحزح، لا تحلب ولا تجلب، إذا لم “تنطوط متل السعادين من قرنة لقرنة لا يسمى ذلك صمودا”.
ألا يشرب الرفيق متة بالفودكا في صحة الصمود والتصدي؟! أم تعاني من مشاكل حصر البول في الدماغ مثلي؟!
أيه يوماً ما كانت الأشياء تسمى بمسمياتها، كان الصمود صموداً.. والوطن وطناً.. واللحمة الوطنية لحمة.. صحيح أن هذه اللحمة تفك درزتها مع أول حركة وكأنها من البالة.. بس ماشي الحال..
كان الأصدقاء أصدقاء والسهرات سهرات، أيه لقد اعتادت أن تقول لي ماريا: كل شيء مؤقت وزائل وحدها البلاد باقية، يا أخي قارئة مثقفة، متحدثة أحببتها لكل ذلك، أيام الزمن الجميل (يتذكر) حين كانت الحبيبة حبيبة، والأصدقاء أصدقاء، والبلاد بلاد، بصحتك يا باشا..
(يستحضر إحدى سهرات الأصحاب القديمة، يدخل الممثلون، يضعون الطاولة وحولها كراسي فيما يشبه الوليمة، أحد الممثلين يمسك كماناً وآخر يحمل رقاً، ثمة من يرتدي شالاً ثورياً وبيريه، فيما يبدو على آخر إمارات التزمت حاملاً سبحة في يده مطلقاً لحية خفيفة…، يبدؤون العزف والغناء بطريقة حماسية وجمالية يرقص الممثل حاملا كأس العرق على رأسه).
“غنوا معنا الليلة
يا حبايب واي واي”
(عزف سريع وحماسي لصولو الأغنية).
اليساري: كاسكن يا شباب.. كأس كارل ماركس المسيح الأحمر، والثورة “مارح تزبط”.
الممثل: أرجوك يا فريد، لا تخلط عباس بدباس.. يكفي ما أصاب المسيح من أذى الملحدين أمثالك.
مولانا (يقف منفعلاً): الله أكبر عليكن، أن أحبكم لا يعني أن تتجاوزوا خطوطي الحمراء “وصلت للأنبياء معكن”.
المجموع (يقومون بإجلاسه): اجلس يا مولانا.
عازف الكمان يدندن: دوووو.
اليساري: يا عمي كارل ماركس انصلب مراراً، أوليس الصلب رمز الظلم؟! “بس متل ما شايفك، مارح تزبط…”.
أحد الجالسين: على هذه الحالة سيكون شعبنا هو أكثر نبي صلب.
ممثل آخر: إذن دعونا نرى هذا الصلب رمزاً للقيامة، أقله بعد ثالث كأس..
اليساري: القيامة تحتاج إلى ثورة… والثورة “مارح تزبط”.
مولانا: بعد خامس كأس القيامة تحتاج لنوم حتى الصباح، استغفر الله (يقف مجدداً وبيده السبحة).
المجموع: اجلس يا مولانا.
الممثل: أسكر على وهم الأمل أفضل من أن تصصحو على مر الواقع،
كاسكن.
مولانا: سأغادر آخر مرة، يا رب التوبة..
الممثل: “وغنوا معنا الليلة، يا حبايب واي فاي”، كيف استحلنا الواي فاي؟!!
العالم جميل.. نارة يا حلو، كم أعدنا تشكيله في أحاديثنا الحماسية وكلما وقعنا في فخ الملل، ارتفاع صوت الكمان ليخرس جدلنا العقيم.
(صوت دندنة كمان، يغني معه ويرقص):
“ع الروزنة ع الروزنة
كل الحلا فيها
شو عملت الروزنة
الله يجازيها
يا رايحين ع حلب
حبي معاكم راح
يا محملين العنب
تحت العنب تفاح”
(تخفت الإضاءة فيختفي الجميع فيما يتوقف الممثل مهزوما بعد حالة النشوة).
الممثل: ليس تفاحاً، ما كان محملاً تحت العنب، ليس تفاحاً.. إنه وهم الانتصار على شكل فاكهة، لقد سرقنا الوهم يا شباب، قتلنا،
وبدلا من أن نشكل العالم على طريقتنا، عبث العالم بنا.. فرقنا قطعة قطة.. وزعنا، حشرنا داخل جورة فنية كبيرة.. جورة تصب فيها مجارير وإفرازات الكرة الأرضية أجمع…
أذكر تماماً ذاك اليوم الذي تغيب فيه منذر لأول مرة، ماذا منذر حمل السلاح؟!! إنه رجل مرهف.. لا يمكن أن يضل في هذا الطريق..
في اليوم التالي لم يأتِ أيضاً..
علينا أيها الرفاق أن نتفهم وجعه، علينا أن نتفهم تحميله لنا وزر اختفاء أخيه في أزقة حارتنا..
(يظهر منذر واقفا بالقرب من الطاولة مديرا ظهره، يتوجه إليه الممثل مخاطبا):
الممثل: منذر يا صديقي.. تحياتي، أين أنت يا رجل؟
(لا جواب، يقترب منه أكثر).
الممثل: أرجوك يا صديقي نحن مقصرون، لم نتمكن من حضور الجنازة، أنت تعلم خطوط التماس والحواجز و…..
(ينظر منذر إلى الممثل بغضب يدفعه بعيداً، ويرحل)
(ثم غاب فريد لأسباب مشابهة تقريبا..)
ألو فريد تحياتي، أنا والشباب.. أغلق السماعة في وجهي.. ثم عدنان..
(يشير إلى مكان متخيل) هذه كرسيه لعدنان، نفذ بجلده من المذبحة..
ثم جاء دور عامر في الغياب، لكنه غاب إلى الأبد..
أسمعت أيها الكرسي؟ غاب صاحبك إلى الأبد ولم يعد إلا في صندوق خشبي مغلق.
(صوت قرع ناقوس كنيسة يصدر من إحدى الشاشتين، يمر من خلفية المسرح تابوت محمول على الأكتاف، تصدر من الشاشة أغنية: “شنشل عليه يا الرمان نومي فزع ليه” /بصوت بسمة جبر/).
الممثل: ثم غاب الجميع، لأسباب مختلفة في الصورة، متطابقة في الجوهر.
فرزتنا يد الحرب، أنت إلى اليمين،
وأنت إلى الشمال.. وأنت تحت الأرض…
فرزنا الوجع يا صديقي، دفعنا بكل قوته إلى حضن التطرف.. وللتطرف وجوه لا تعد ولا تحصى..
أي منطق يصمد أمام وجه مكلوم؟!
أي حجة؟!!
أي مواجهة تنفع أمام كل هذا الموت المتجسد..
من يزرع الريح يحصد العاصفة، وأي ريح زرعنا؟
لتتحول أعيننا البريئة إلى عيون مفترسة، أي دين علينا تسديده.. أي كفارة؟
(إظلام كامل للمسرح، بقعة ضوء وحيدة فوق الممثل، صوت كمان يغني معه):
“لأرسل سلامي لسالم
وما حدا من الحرب سالم
لأرسل سلامي لسالم
وما حدا من العشق سالم”
أنا المواطن المدعو سالم سليم السلامة، الكل قال لي على طريقته مع السلامة..
وحدك يا ماريا.. وحدك من وقف بوجه كل هذا الهراء، وحدك من بقي معي..
وحدك يا ماريا.. من قاوم كل هذا الخذلان المخيف..
(صوت الكمان مجدداً، خيال ظل لامرأة تتراقص يتحرك على جدران مهدمة، يحاول اللحاق بها، هائماً من جدار إلى آخر..).
ماريا… ماريا يا حبيبتي.. لو تعلمين أي شوق يعتمل داخل هذا الجسد..
شاشة 1: هيه.. روميو أفندي استيقظ، ما هذا الكلام الفارغ؟ أكان باعتقادك يا غبي أن ذلك ممكن حقاً؟
(تخرج مجموعة من المسلحين المتوعدين تتمترس تحت الشاشات).
شاشة 2: أعوذ بالله، حراااام، لا يجوز، لا يمكن أن ندوس بقلب بارد على عادات موروثة وتقاليد شببنا عليها..
شاشة 1: غشيم، أَقادر على حفر الصخر بأظافرك؟! هراء أيها الحالم.
(تقترب مجموعة المسلحين من الممثل وتقوم بالتنكيل به).
الممثل: ولكننا عاشقان.
شاشة 2: فورة شباب وتنتهي.
شاشة 1: ثم ماذا، يجلسان يعضان أصابع الندم بعد فهم الاختلافات بينهما، لا يجوز.
شاشة 2: سيلفظان من فم المجتمع كحبة لوز مرة.
الممثل: ولم يحل لصديقين أن يكونا من بيئتين مختلفتين، ولا يحق لعاشقين، أي جرم ارتكبنا؟!
شاشة 1: أسوأ جريمة.
شاشة 2: إن أفلتنا لك الحبل على غاربه، حينها يقدر لهذه الواقعة أن تفقدنا السيطرة على الناس..
شاشة 1: معلوم.
شاشة 2: ستدفع بكل ما راكمناه إلى أدراج الرياح، أيها الفاسق.. الفاجر الزنديق الملحد.
شاشة 1: مرتد.
شاشة 2: محكمة.
(يجلس الممثل في منتصف المسرح ممسكاً قضبان حديد لنافذة مكسورة وكأنها قفص اتهام، يحيط به الكومبارس من باقي الجوانب مشكلين ما يشبه جدارا).
(تعرض الشاشات مقطعا مصورا جميلا لسالم وحبيبته ماريا، ثم يضغط أحد العناصر على جهاز التحكم، تنقلب الصورة إلى تشويش بصري مزعج).
الممثل (صارخاً): “مو هدول نحنا..”
شاشة 1: هذا الفاسق المنحل، يبشر بدعوة للحب في زمن الحرب.
شاشة 2: أعوذ بالله، لا يجوز، يستحقان الرجم.
الممثل: الرجم؟! إنها اللغة الوحيدة التي تجيدانها.
شاشة 1: اخرس، فاجر بلسان طويل، يلزمه قص.
(يحاول الممثل التخلص من زنزانته، فيتكاثف الجدار البشري فوقه مانعاً إياه، تتكرر الحركة كل فترة).
شاشة 2: يتبجح ناشراً تلك الطاقة غير المحتملة، كمية من الضوء المبهر، لا يجوز يا أخي لا يجوز.
شاشة 1: الحب يعني رأفة ولين وحلم، مفاهيم معدية منغصة وسخيفة، هذا السلاح أخطر من النووي..
شاشة 2: حسم الأمر إذن، “أي انفلقنا ونحنا نقول لك لا يجوووز”.
الممثل: لقد ابتلعتم كل شيء، الحارات والشوارع، الكراسي، المباني، الناس، لكن حياتي خط أحمر.
الشاشتان: اخرس أفعالك تدينك.
شاشة 1: حاولنا ثنيك، تحذيرك مراراً، لكن الحب أعمى وأطرش وأخرس وأبله.
الممثل: ليس أعمى.. أسمعتم الحب بصيرة ترى ما لا تراه عيونكم المطفأة، الحب هو..
شاشة 1: باسم الشعب.
الممثل: الله يكون في عون هذا الشعب الصامت، الذي يحتكر الجميع الحديث باسمه.
شاشة 2: اخرس يا عدو البلاد.
شاشة 1: باسم الشعب قررت المحكمة النيل من المتهم بتفريقه عن محبوبته.
مجموعة المسلحين: عاش العدل، عاش عاش.
شاشة 2: قرار وجاهي غير قابل للطعن، صدر وافهم علناً.
شاشة 1: كنتم مع برنامج حكم العدالة، ننتقل الآن إلى برنامج ما يطلبه المستمعون.
شاشة 2: “شلونك عيني شلونك”، من أبو أحمد لأم عمار بمناسبة الوصول سالمين إلى اليونان، ومن أبو سري لأبو المجد بمناسبة استلامه الفصيل الجديد.
شاشة 1: ومن أبو محمود لعقيد الحارة مصطفى الجاجة بمناسبة نجاح الخطة وتطيير الحاجز الطيار..
(إظلام أطراف المسرح، يتكور الممثل داخل زنزانته ويبدأ بالاستسلام).
الممثل: جمعنا الحب، وفرقنا كل شيء.
(إظلام المسرح، بقعة ضوء تنير الممثل في سجنه، ثم فجأة صوت فتاة يصرخ).
صوت الفتاة: بحبك…
الممثل: ماريا… ماريا (يعود خيال الظل للمرأة بالظهور على الجدران).
الممثل (ينتفض ويرمي القفص الحديدي، يتردد المسلحون ثم يتسرب الخوف إلى قلوبهم عند رؤية التحدي والإصرار المرسوم على قسمات وجه الممثل فيهربون من أمامه): على الحب أن يكون أقوى، على الحب أن يكون أقوى.. (يقترب من الخيال، يحاول الإمساك به، تهب ريح عاصفة تمنعه من الوصول… يقاوم… ثم صوت إطلاق رصاص، يختفي الخيال).
الممثل: اخرسوا… (يختفي إطلاق الرصاص، يضحك بصوت عال، يجلس أمام البرميل يلف سيكارة مجددا).
هذا الانفصال الذي افتعلوه، ليس سوى وهماً..
إنها هنا (يشير إلى قلبه) وهنا (عقله).
مهما حاول الأشقياء لن ينتزعوها أبداً..
هكذا فقط ننتصر عليهم..
“لف لك سيكارة؟!” حوار مكرر أليس كذلك؟! (صوت إطلاق رصاص قناص).
والله لن أدخن إلا هنا، وسط هذه الهايدبارك..
وعلى المكشوف.. كلا لست خائفاً من القتل بل من قلة الاحترام، أوباش.. اقتلوا لكن “بشوية إنسانية”، طلقتان في الرأس ثم ادفنوه.
وأنت ما رأيك؟ (يقترب أكثر من البرميل، يشم الرائحة النتنة، يتوقف ويحدق مطولاً، يرتعد مما رآه): دخيلك يا الله!! إنها ثيابي… إنها.. أنه.. أنا.. أنا، لكن كيف؟ هذا أنا ميت..
داخل برميل النفايات… نفايات يا ماريا.. ماريا…. ماريا.
على أحد ما أن يقوم بدفني، وإلا سأبقى عالقاً داخل البرميل كالقمامة.. أرجوكم يا ناس.. على أحد ما أن يقوم بدفني…
ماريا……. مارياااااااااا.
(ينهار مسنداً ظهره إلى البرميل، يقترب منه أصدقاؤه القدامى).
فريد (أول من يقترب من البرميل، ينزع شاله الأحمر والبريه ويرميه في البرميل): الثورة الوحيدة للممكن تزبط، هنا (مشيراً إلى عقله).
مولانا (وقد طالت لحيته ولبس جلباباً، يقترب من البرميل، يضع فيه السبحة بهدوء، يخلع جلبابه، ويرميه بشكل طقسي): أردت أن أنقى، بدون خوف، الآن أعرف، الحب….
منذر (يقترب بدوره، يرمي سلاحه في البرميل، يتأمل يديه مطولاً ثم ينخرط بالبكاء…).
(يخلع البقية أقنعة ويرمون أسلحة كانت بحوزتهم، ثم يشعلون النار داخل البرميل، وحده عازف الكمان من يطوف حولهم عازفاً على كمانه ع الروزنة….).
خيال ظل لممثلة (ماريا، ترقص وتنادي): سالم سالم.
(يقوم الممثل من مكانه، يتجه صوبها، يضع كفه على خيال الظل ويقوم بما يشبه العناق، وعند هذه اللحظة يتحرك الأصدقاء يصطفون أمامه بما يشكل ستارا، ويستمر صوت الكمان).