هوشنك وزيري
آخر مرة التقيت بالدكتور صلاح القصب، أستاذي الذي درسني الإخراج المسرحي في أكاديمية الفنون الجميلة، كانت في أكتوبر ٢٠٢٥ أثناء مهرجان بغداد الدولي للمسرح. كان جالسا في بهو فندق منصور ميليا بدت عليه الشيخوخة والمرض وقد كان تجاوز أعوامه الثمانين. كان الحوار معه صعبا بسبب ضعف حاسة السمع لديه، وكان عليك أن تكرر نفسك له أكثر من مرة حتى يصله الكلام، هو الذي يمقت التكرار. قال “سأخرج ريتشارد الثالث.” ظل القصب يقول هذه الجملة منذ أكثر من عقد ونصف دون أن يحالفه الحظ في وضع ذلك العنيد ريتشارد الثالث على خشبة المسرح.

وبعد مرور حوالي ثمانية أشهر على ذلك اللقاء، وفي ظهيرة يوم الأحد ١٦ آب وصلتني رسالة من صديق في بغداد يعلن فيها خبرا كبيرا بكلمتين مستعجلتين ” رحل القصب.” لم أصدم ولم أبك، لكنني شعرت بالحزن والخواء، ذلك النوع من الخواء الذي لا تستطيع فعل شيء معه إلا أن تحدق في قاعه بعينين لا تحملان الكثير من البريق. ظللت أعيد قراءة الكلمتين حتى لم يعد لهما أي معنى! “هل قتله ذلك الماكر اللعين ريتشارد الثالث؟” قلت في نفسي.
شعرت بالتواء في أحشائي حين تذكرت وجه الدكتور صلاح القصب حين دخل علينا لأول مرة وهو يُحيينا بصوته الجهوري نحن طلاب الصف الأول في قسم المسرح. كان ذلك في خريف ١٩٨٥.
الشاب النحيف ذو الوجه الشاحب قليلا، الذي كان يجلس على الرحلة المجاورة، والذي قدم نفسه بعد المحاضرة بأنه هادي المهدي، قال دون أن ينظر إليّ “هذا صلاح القصب، أبو مسرح الصورة.” لم أكن أعرف القصب ولا مسرح الصورة، أنا الشاب الكوردي الآتي من أربيل مغرما بالمسرح والرواية والأفلام، والذي يجاهد أن يخفي خجله وهو يحاول أن يتقن تلفظ حروف الضاد والظاء والطاء وحروف صعبة أخرى في اللغة العربية بشكلها الصحيح. “وما مسرح الصورة؟” سألت هادي. نظر إلي هذه المرة وقال بثقة مفرطة بالذات ” يعني ليس هناك كلام كثير، يعني بدلا من التركيز على الحَچي، هناك تركيز على أجساد الممثلين وهم يشكلون لوحة بصرية على خشبة المسرح.” زادت حيرتي! “ما الذي يحدث للنص؟” لم أسأل هذا السؤال بصوت عال خوفا أن افضح جهلي بكل شيء.
بعد يومين أو ثلاثة دخل الدكتور القصب قاعة المحاضرة كالعاصفة وأتجه إلى العمق ووقف هناك. وصادف ان نصف جسده كان في الضوء بينا سقط نصفه الآخر في ظلمة الكواليس، نصفه واضح لنا ونصفه الآخر غامض لا يُرى. وكأنه كان قد قرأ مسبقا جغرافية المكان وصمم وقوفه هناك مسبقا ليعلن لنا رهبة غموضه. ظل واقفا هناك ينظر إلينا بصمت وكأنه يحاول أن يقرؤنا، نحن طلابه الجدد، مادته الخام الجديدة، ثم قال “أريد كل واحد بيكم يقوم على الخشبة ويجسد أو يمثل بجسده لوحة موناليزا لدافينشي.”
صعد أول طالب على خشبة المسرح وغطى نصف وجهه بكتاب، بينما ترك ابتسامة على النصف الآخر. ثم قام هادي المهدي وقف على الخشبة وظهره للجمهور وغطى نصف رأسه من الخلف بيده اليمنى. آخرون أيضا ركزوا في لوحاتهم الجسدية على الانقسام التعبيري بين نصفي وجه موناليزا. كان هذا أول درس لنا في مسرح الصورة والذي ركز على العلاقة بين المخيلة والجسد.

لكن سرعان ما تطورت دروس مسرح الصورة إلى تمارين طويلة وشبه يومية لعرض مسرحية “أحزان مهرج السيرك” والذي كان في الأصل سيناريو سينمائي للكاتب الروماني ميهاي زامفير، كان القصب قد ترجمه ونشره في العدد الأول من مجلة الأسفار في تموز ١٩٨٥.
حين قرأت النص لم أجد غير سيناريو سينمائي سريالي محض بصري مكتوب بلغة شعرية عالية. ظللت أقرأ السيناريو وأتساءل كيف لـ “جياد أصابها الذعر كأنها هاربة من الجحيم، وسط صحراء مترامية، اعدمت فيها كل أطر المساحة، لاهثة تصهل بجنون في سماء لا تعرف حدودا” (ص٧٦ – مجلة الأسفار- العدد الأول) أو كيف لـ “عاصفة من الثيران تشق الصحراء” (ص٧٨ -مجلة الأسفار- العدد الأول) وصور أخرى جنونية في خيالها الجامح أن تجسد على الخشبة وثم تتحول الى عرض مسرحي؟ كثيرون تناولوا هذا السؤال، وأسئلة أخرى كثيرة تركز على العلاقة بين النص المكتوب والعرض البصري خلال مسيرة القصب المسرحية، لكن يبدو انه لم يكن أمام القصب إلا أن يبدأ بـ “تخريب وتدمير” النص كما كتب عن العرض شفيق المهدي لاحقا في مقاله “أحزان مهرج القصب” أو “تفجير” النص كما في وصف آخرون، وأن يلوي عنق السينما ويأتي بها صاغرا إلى خشبة المسرح.
في أحد التمارين وبينما كنت محشورا مع عدد من الطلاب الكومبارس الآخرين خلف البيانو الموضوع في وسط المسرح الدائري، أردت بشدة أن أمد رجلي اليمنى وأحك ربلة ساقي. مددتها ورفعتها من على الأرض قليلا. كنت حريصا على محاولتي ألا تتجاوز قدمي البيانو لكيلا تُكشف وتظهر للمخرج الدكتور القصب. لكن ودون أن أدري انكشفت قدمي وأصبحت خارج البيانو ورآها القصب، وإذا به يصرخ “قدم من هذا؟ الله… الله… حلوة الصورة. خليها. أحفظ وثبت.” ظللت رافعا قدمي بشكل جانبي، مثبتا إياها بيدي الاثنتين لمدة أكثر من ربع ساعة بينما كان الممثلان الأساسيان كريم عبود وسهى سالم يتمرنان على المشهد. لن أقول كان ربع ساعة أليما، لكنه لم يكن مريحا أبدا.

حين بدأنا التمارين في اليوم التالي على نفس المشهد، قال القصب أريد اللوحة ذاتها بكل تفاصيلها، فحشرنا طلاب الكومبارس أنفسنا خلف البيانو، بينما صعدت سهى سالم سطح البيانو وكأنه خشبة مسرحية أخرى داخل خشبة المسرح الأم. حرصت على أن أمد ساقي لكي تظهر قدمي كما فعلت في اليوم السابق. لكن وبعد ثوان فقط سمعت صرخة القصب وهو يسأل “قدم منو هاي طالعة من خلف البيانو؟” فعدلت من جلستي ومددت رأسي ورفعت يدي وقلت له انها لي. صرخ هذه المرة بشكل أقوى “بابا انت مخرب اللوحة بقدمك هاي، اسحبها وضمها.”
أثناء عملية الإخراج كان القصب، كأي رسام تشكيلي محترف، يُغير من تفاصيل اللوحة من لحظة إلى أخرى ومن تمرين إلى آخر، لكن مع فرق جوهري وهو أن القصب كان يرسم يوميا عشرات اللوحات حتى يصل للوحة التي ترضي ذوقه ومزاجه الجماليان، ثم كان على الاستعداد التام أن يهدم ويمسح اللوحة كليا في اليوم التالي ويبدأ بواحدة جديدة مختلفة تماما.
سيرة القصب المسرحية سيرة صور تدعوك ليس للتأمل فقط، بل تجرك جراً نحو عملية التأويل، ومن ثم بناء الحكاية. فالصورة في مسرح القصب، وهي العنصر الأساس الذي يقوم عليه مسرحه بالكامل، لم تكن ترفا بصريا خاليا من المعنى بل مثّلت، بتشكيلاتها الجسدية والحركية والإيمائية ودلالاتها الإيحائية، محفزاً للمخيلة لتنتج «حكايتها» هي. بهذا المعنى تصبح الصورة لغة خاصة، وليست تفسيراً أو شرحاً للغة النص المكتوبة. ولهذا يتحول المشاهد في مسرح الصورة إلى المؤلف الأخير للعرض المسرحي، وأقصد يؤلف عرضه والذي قد يختلف عن العرض الذي يراه المشاهد الجالس إلى جواره، إذ يعيد، انطلاقاً من نظرته إلى العالم وحساسيته إزاء الأشياء ومراجعه الجمالية، مصادره المعرفية، قراءة الصور، ومن ثم بناء حكايته الخاصة منها. كان القصب يركز على إثارة الخيال ويؤمن انه قادر على انتاج المعرفة.
بعد أن قرأت رسالة صديقي “رحل القصب” للمرة الأخيرة، كتبت له “بات الموتى الذين نعرفهم ونشتاق إليهم أكثر من الأحياء الذين نعرفهم.” فكرت بهوس القصب بمسرحية ريتشارد الثالث، والذي استمر حوالي عقدين. “ربما قتله ريتشارد الثالث، ذلك الماكر اللعين.” رحل القصب، لكنه يرفض أن يمضي ويتركنا وحيدين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- نشر هذا المقال في صحيفة المدى بتاريخ ٩ أيلول تحت عنوان “عاصفة من الثيران وجياد أصابها الذعر على خشبة المسرح“