عن سريةِ العطشِ والتشاطرِ في النصِ المسرحيِّ ( ثوب وإمرأتان) لميرفتْ الخُزاعي

       جبّار ونّاس

       تبدو الحياةُ أكثرَ ثراءً وحيويةً حين تشهدُ وبين أحضانها ثمة سمواً يرتقي بصفاء النيّات الآدميةِ والإنسانيةِ والمشاعرَ العاطفيةِ بين الرجل والمرأة

      وقد يكون هذا السمو عنواناً سيدلنا نحو التكامل المرجو تحقُقُه بين ظهرانية حياة يراد لها أنْ تتعززَ بقيم الإنسان ذكراً كان أم أنثى وأنْ تُفْتَرَشَ هذه الحياةُ بمساحاتٍ من التداول الحق إنسانياً، إجتماعياً، نفسياً، عاطفياً. 

     فأين يتبدى ذلك السمو؟ وهذا سيقودنا إلى النبش والتحري الصائب حول مدى ديمومة تلك الأواصر التي لايمكن تلمسها ماديا بل تبقى تحملها تلك الدواخل والقلوب وحين تنفح بها معلنة عن عطش ما نحو الآخر وعندها سيتبدى عبر سلوكيات وأنفاس وحتى أفعال ستظهر من خلال طفح المشاعر والهواجس والحسرات والإستفهام الباعث على الألم. 

        وبكل هذا تطالعنا الساردةُ ( ميرفت الخزاعي) وعبر موقع إتحاد أدباء وكتاب ذي قار بنصٍ مسرحيٍّ قصير ذي مشهد واحد تحت عنوان ( ثوب وإمرأتان).. 

       وفي هذه المطالعة نكون مع إهتمام مضاف لميرفت الخزاعي تخوض في إنتاجه كتابيا يضاف إلى رصيد إهتمامها السابق في إنتاج وكتابة القصة القصيرة والتي قرأنا لها عبر مجموعتين قصصيتين هما ( حرير فراشة الحكايات) و ( العرض الأخير)، ومَنْ يتمعن في قراءة ما تسرده هذه القاصةُ المثابرةُ سيجدها تراهن وبدون هوادة على طرح موضوعة المرأة كوجود فاعل ومؤثر في تفاصيل ما يمر به المجتمع من حياةٍ وطريقةِ عيشٍ مشترك تكون لهذه المرأةِ عصارةُ الجهد والفعلُ النابهُ والمميزُ في صياغة مستجدات الظروف والتحولات والأحداث التي يشهدها المجتمع وبعد أنْ يُعطى المعيارُ الآدميُ المنحازُ لقيمة الإنسان في صياغةِ الحضور المجتمعي المشترك.. 

       وفي إضافتها هذه تدخل (ميرفت الخزاعي) للكتابة في النص المسرحي عبر نصٍّ قصيرٍ لايتجاوز المشهد الواحد لنرى من خلاله أنَّ الخزاعي تبقى تراهن على الإستمرار في طرح قضية المرأة كفاعلٍ آدمي له من المشاعر والرؤى والتطلعات الإنسانية والهموم المشروعة في الإنتماء الاصيل لعالم الإنسان عبر المشتركات الحيوية في العيش مع الرجل بسلام وود ووئام ضمن مستوى من العيش الأسري، المجتمعي، الإنساني وغيرها.. 

    فهذا المشهد المسرحي القصير أرادتْ من خلاله الكاتبة (ميرفت الخزاعي) أن تعيد صياغة مفاهيم وأفكار وحوادث وسلوكيات كنا قد قرأنا عنها وربما عشناها عن قرب وبعضها الآخر كانت الدراما في السينما أو التلفزيون قد تطرقت وبإسهاب لتلك العلاقة والروابط المشتركة وربما ما تَعَقَدَ منها فكان للرجل والمرأة نصيب في سطوع هذه الروابط أو في إختلال ووهن العلاقة بينهما.. 

       وربما من باب الحرص أو الإحساس العالي بقضية المرأة ليكون لها رصيد في المشهد الفاعل داخل المجتمع فإنَّ الكاتبة الخزاعي تريد أن تكون مشاطرةً ودافعةً بقضية المرأة ومن باب الإيمان العظيم بدورها في أوساط الحياة بوصفها كياناً آدمياً له من الأفكار والمشاعر والتصورات الخلاقة في البناء المجتمعي عمليا وفكريا وحضاريا وبالمقارنة مع ما يتصف به الكيان الآخر ( الرجل).. 

      وقد بُني هذا النصُ وفق إسلوب تقليدي كما هو الحال مع الكثير من النصوص المسرحية سواء كانت عراقيةً أو عربيةً أو عالميةً تلك التي تتوخى أن تُعطي لدور المضمون لأن يكون بارزا يكاد يعلو على مقدرات بناء النص الفنية الأُخرى ولكن الكاتبة الخزاعي أرادت أن تعطي موازنة فنية حين صارت توازي ما بين فعل الحوار الملفوظ من الشخصيات الثلاث وبين المعنى أو المضمون الذي ترشح للقارئ من مجموع ما قالت به ( الخيّاطة والمرأة والفتاة) 

       فثمة رابطٌ يكاد يجعل من هؤلاء الثلاث يتشاطرْنَ وهن ضمن إنتماءٍ آدمي في توجه ربما يشكل لهن الهاجس أو لنقل العطش السري الذي يدفع أو يجعل من تلك الشخصيات لأن يتمظهرْنَ بدافع من ذلك الهاجس كما تمثل بفعل الخيّاطة وهي تختفي لتظهر بهيأة رجل وبملابس جميلة وكما ظهر لنا ايضا من تفاعل كل شخصية وما ترشح من حوارها عما تضمره من دواخل وما تريد البوح به وهي تبحث عن وصول أو إنتماء اثير إلى عوالم الرجل.. 

      وقد سارتْ الكاتبة الخزاعي في بناء نصها من المكان الذي يشتمل على غرفة مبنية من الطابوق وما بداخلها من محتويات كماكنة الخياطة والاقمشة وبكرات الخياطة بألوان مختلفة وجعلت من فعل الزمن واضحا ومخلفات تأثيره بادية كصدأ ماكنة الخياطة وتقعيد إعمار النساء الثلاث (خيّاطة تعدت عقدها الرابع، إمرأة خمسينية، فتاة عشرينية) فضلا عن إمتداد الزمن مع المرأة التي نوهت عن السنوات التي قضتها مع زوجها المدير والتي تربو على الثلاثين سنةً.. 

    وبمجمل ما إشتغلت عليه ميرفت الخزاعي أنها بنتْ نصّاً مشهدياً وفق التقيد بوحدات البناء الفني مبتدئةً بمكان وإنْ لم تعطِ من ملامح وتفاصيل هذا المكان وحدود إنتماء تواجده وأيضا التقيد بوحدة الزمن وهو الآخر غير مقيد براهن واقعي ومراحل سطوته وفعله وصولا إلى وحدة تظافر الحدث الذي تكوَّن بحوار الشخصيات الثلاث وحالة التفاعل والتوتر التي وصل إليها ما بين المرأة والفتاة ذات العشرين عاما وكيف عبّرت المرأةُ الخمسينيةُ وما بدر منها من سلوك والفاظ نحو الفتاة حين عرفت تلك الخمسينية بعلاقة زوجها المدير بهذه الفتاة لنصل إلى ذروة الحدث حين إشتركت النساء الثلاث وبفعل واحد ليرفعن ماكنة الخياطة ويرمينها على الأرض بعد أن وجهن اللوم والإتهام لهذه الماكينة التي أصبحت محطة تذكير في إثارة دواخل وهموم كل واحدةٍ منهن في مشهد يُفصح عن تلك الدواخل التي تفتقت وصارت تتجسدُ بأفعالٍ كلِّها تعكسُ وتعبرُ عن ذلك الأملِ الذي يعتصرُ من قلوبِ هؤلاءِ النسوةِ وهن يبحثْنَ عن إنتماءٍ وعيشٍ مشتركٍ مع الرجل… 

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

ثوب وامرأتان (نص مسرحي)/ ميرفت الخزاعي  

الشخصيات 

١) خيّاطة تعدت عقدها الرابع 

٢) امرأة خمسينية  

٣) فتاة عشرينية 

المكان : 

غرفة صغيرة مبنية من الطابوق ، ماكنة خياطة صدئة ،

 قطع قماش مختلفة الملمس، بكراتُ خياطة ملونة تتناثرُ في إرجائها.

تنكفئُ الخياطةُ على الماكنة ، أنفاسها في سباقٍ مع الدواسة التي تذعنُ تحتَ ضغط قدميها.

 ( تجلسُ المرأةُ القرفصاء على الارض ملتحفةً بعباءتها ، بلهفةٍ ممزوجة بالخجل) : 

_ هل أنهيتِ الثوب ؟

_ الخياطة : ليس بعد …   

  (أضافت بصوتٍ شبه مهموس )

 _ يال سمائي لا تمطرُ سوى… نساء!! 

المرأة ( تبتسمُ ساخرة ) : وما الذي سيحملُ الرجال على المجيء ؟!

 ثم انكِ حددتِ لي موعدا ! 

_الخياطة : ربما فعلت.  

_ المرأة (تتنهد) : الكل ماهرٌ في اطلاق الوعود فهي مجانية ولا تكلفُ شيئا . 

( تطرقُ المرأة بنظراتها نحو الأرض وتمتمُ بحزن) :

 _ قرر الزواج من فتاةٍ شابة.  

 ( ترتسمٌ علامة استفهام كبيرة على وجه الخياطة) :

 _ألا يبلغُ الخامسة َوالستين من العمر؟!

(تزيحُ المرأة العباءةَ عن رأسها لتتلامع خصلات شعرها المصبوغ حديثا ، ثم تجسمُ بيديها في الهواء شكلَ مزهرية ) 

_يقول بأن الزمن آفة الجسد .

الخياطة (ملوحة بقميصٍ من الشيفون الاحمر) 

 _ والثيابُ الأنيقة تخفي العيوب .

_ أما الروح فتظل كما خُلقت أولَ مرة . 

( قالت المرأة ووجهت نظراتها نحو الفتاة العشرينية التي دخلت وجلست بهدوء على الكرسي الخشبي حيث بدت ساقاها كعمودي رخام من تحت التنورة التي بالكاد غطت ركبتيها ) .

 _ الفتاة : هل انهيتِ الثوب؟

 _ الخياطة : ليس بعد.   

_ الفتاة : لكنكِ حددت لي موعدا!

 _ الخياطة : ربما فعلت 

(الفتاة تهمسُ لنفسها) : اسطوانةُ الأعذار ما فتأت تدور. 

 _ الخياطة : لا احد يريد الإنتظار الكل يودُ الحصول على مبتغاه أولا . 

_الفتاة : أخشى أن يفوتني قطار العمر، مديري في العمل قدم لي عرضا بالزواج. 

( تنظرُ المرأةُ والخياطة للفتاةِ بفضول)

 _المرأة : أليس بعمر والدكِ؟!

_الفتاة : هو رجلٌ ثريٌ وأنيق جدا  

_الخياطة ( تترك مكانها وتذرع الغرفة مجيئا وذهابا مكررة ) : 

_رجل ….رجل 

وأردفت : لِمَّ اشعر بالأرض ترتجفُ تحت وقع هذه الكلمة ؟!

_ المرأة ( مؤكدة) : حتما ولكن لماذا ؟

_ الفتاة : لأنهم يتميزون عنا بكل شيء.

_ المرأة : اشك أحيانا بعدالة السماء، الأعراف ، المجتمع والقانون.  

_ الخياطة : للذكرِ مثل حظ الأنثيين. 

_الفتاة: شهادة امرأتين تعادلُ شهادةَ رجلٍ واحد .

_الخياطة: يستطيعُ رجلٌ واحدٌ امتلاك أربع نساء .

 _ المرأة (موجهة كلماتها للفتاة) : أغرتكِ المظاهر ؟! 

  _الخياطة: إنها بالتأكيد الثياب التي تجذبكن نحوهم .

( تتركُ الخياطة الماكنة تختفي برهة من الزمن خلف خزانة ملابس خشبية قديمة ، ثم تخرجُ عليهن بمظهرٍ جديد ).

(المرأة والفتاة يصحن بأستغراب ) :

_كيف دخلتَ إلى هنا ؟!

تضحكُ الخياطة بفرح : هههه، ألم تتعرفن عليَّ!

( المرأة والفتاة يتلمسن ثياب الخياطة بأيديهن) 

_الفتاة : انه مُتقنُ الصنع .  

 _المرأة : تبدين ك…كرجلٍ حقيقي.

 ( تقلدُ الخياطة مشية الرجال ترفع كتفيها وتعدل ياقة القميص بثقةٍ عالية) : 

_الفتاة : ينقصكِ شيءٌ ما!

_المرأة : الرائحة.  

_الخياطة : آخرُ رجلٍ رأيته وأنا امسحُ الغبار عن زجاج نافذتي الأسود، كان يحتلُ صفحات إحدى الجرائد.

(تُخرج الفتاة قنينة عطر رجالي من حقيبتها وترش بعضا منه على ملابس الخياطة ).

(تنقضُ المرأةُ كالنسر على الفتاة وتنتزعُ زجاجةَ العطر منها ): 

_من أين لكِ بهذا ؟! 

_الفتاة: انه المفضل لمديري.   

(تحاولُ الفتاة الإفلات من قبضة المرأة التي شعت عيناها بالغضب والغيرة ) .

_الخياطة: ما الذي دهاكِ ؟!

(المرأة بهستريا) : إإإإنه ….هو!  

_الخياطة : من ؟!

_المرأة : زوجي. 

_الفتاة : لجميع الرجال الرائحة نفسها 

 _المرأة : لا يمكن أن أخطئ ، رافقتني الرائحة ثلاثينَ عاما. 

(تسقطُ المرأةُ على الأرض مغشيا عليها، تُقرب الفتاة زجاجة العطر من انف المرأة محاولة إستعادة وعيها ، تنتفض المرأة صارخة ):

 _أبعديها ، لم اعد أطيقها.  

_الخياطة : ما فتئ الرجال يبدلون جلودهم العفنة_ كبعض الحيوانات_ مع بدايات الفصول.   

(تتجردُ الخياطةُ من ثيابها الرجالية وترميها في منتصفِ الغرفة).

_الخياطة: لا، لا أريد أن أكون مثلهم.  

(المرأة ، الفتاة و الخياطة يوجهن نظراتهن نحو ماكنة الخياطة ) :

_ انتِ مصنع التزييف والتجميل، يرفعن الماكنة بأيديهن عاليا ثم يرمينها على الأرض.

Related posts

حِراسةٌ مُشدَّدة : طقسُ قَداسةٍ مقلوبَةٍ رأساً على عَقِب!

“الملك لير” أفريقياً!

قل أنا سعيد – نص : نجاح عبد النور