بقلم: أرسلان درويش
تشكل الكتابة المسرحية في جوهرها الأنطولوجي والجمالي مختبراً فكرياً خفياً تتخلق فيه أزمات الوعي الإنساني، وحين يلتقي الفعل الإبداعي بالتفلسف الجذري، ينزاح النص المسرحي عن وظيفته الحكائية المحضة ليغدو أطروحة نقدية حية تسائل ذاتها من الداخل. وصلني مؤخرا كتاب (كمون الخطاب النقدي في تاريخ الكتابة المسرحية) من قبل صديقي الكاتب والباحث الاكاديمي التونسي حاتم التليلي محمودي، ليمثل هذا السفر المعرفي والصادر عن الهيئة العربية للمسرح بالشارقة قاعدة صلبة تؤسس لقطيعة إبستيمولوجية واعية مع التصورات المدرسية الموروثة التي طالما كرست تراتبية وهمية تفصل بين الإبداع بوصفه فعلاً أولياً والنقد بوصفه خطاباً لاحقاً وتابعا. يستند هذا العمل الاستثنائي في أصله إلى أطروحة دكتوراه رصينة في العلوم الثقافية اختصاص المسرح وفنون العرض نوقشت بكل اقتدار في المعهد العالي للفن المسرحي بتونس تحت إشراف أستاذة الفلسفة والجماليات القديرة أم الزين بنشيخة المسكيني، ليدشن مقاربة نسقية متكاملة ترصد كيف تخللت الطاقة النقدية نسيج الكتابة المسرحية كحضور خفي ومؤسس منذ عهود التشكل الأولى وحتى العصور الحديثة.
إن الرؤية الفكرية المتميزة والعميقة للكاتب تقوض تماماً أطروحة موت الناقد في سياقات الحداثة وما بعدها، مقترحة بدلاً من ذلك أطروحة هجرة الوظيفة النقدية لتستقر في باطن النصوص ذاتها، حيث يتحول المبدع إلى ناقد متخف يمارس تفكيك فنه عبر أدواته الجمالية الخاصة. ويتأتى المعمار المنهجي لهذا السفر الفكري متسقاً تماماً مع هذه الأطروحة عبر حفر جينالوجي عميق ومبهر يمتد من التوتر التأسيسي بين أفلاطون والشعراء وتعاقدات أرسطو في فن الشعر، مروراً باشتباكات النقد المضاد مع طروحات والتر كاوفمان وفلورانس دوبون والانقلاب النيتشوي الجذري في مولد التراجيديا وصولاً إلى استجلاء مواقف عمالقة الإخراج الحديث كستانسلافسكي وبريشت ومايرهولد وأرتو مع أسئلة الجسد والكتابة. ولا يقف الاشتغال عند حدود التجريد الفلسفي المجرد، بل ينزل بعمق واقتدار إلى متن المدونات الكلاسيكية والحديثة، مفككاً مسرحيات الكوميديا الإغريقية لأريستوفان مثل السحب والضفادع بوصفها مانيفستوات نقدية باكرة تختبر انتهاك الفلسفة وسخرية المحاكاة، وغائصة ببراعة في مرايا الحداثة عند لويجي بيرانديلو عبر ثلاثيته الشهيرة في ست شخصيات تبحث عن مؤلف ولكل شيخ طريقة والليلة نرتجل لرصد شبح المؤلف والاشتغال المزدوج للكتابة الانعكاسية.
وعند الغوص في تفاصيل الباب الأول من هذا السفر الفكري المتميز، والذي يخصص لبحث أنطولوجيا النقد المسرحي وهجراته الكبرى، يضعنا الباحث حاتم التليلي محمودي أمام قراءة جينالوجية دقيقة ومحكمة لتاريخ الفكر الفلسفي والمسرحي منذ القرن الرابع قبل الميلاد. لا يقف المؤلف عند حدود السرد التاريخي المدرسي المألوف، بل يفكك بعمق فلسفي رفيع تلك الثنائية التأسيسية التي حكمت العلاقة بين الفلسفة والشعر، بدءاً من الموقف الأفلاطوني الشهير الذي نفا شعراء التراجيديا من جمهوريته الفاضلة باعتبارهم صناع أوهام، وصولاً إلى محاولة أرسطو الوصفية والتقنينية في كتابه العمدة فن الشعر والتي سعى من خلالها إلى احتواء طاقة التراجيديا وضبط إيقاعها الكاثارتسي. وهنا يبرز تفوق رؤية الباحث حين يتجاوز هذه الثنائيات التقليدية ليقتحم منطقة النقد المضاد المتمرد على المركزية الغربية، مستحضراً قراءات نقدية عالمية وازنة مثل تلك التي تقدمها المفكرة فلورانس دوبون التي لا تتردد في وصف الإرث أرسطو بأنه مصاص دماء المسرح الغربي الذي استنزف طاقة العرض وحاصر حيوية الديونيزوسي لصالح البناء المنطقي الصارم، إلى جانب استدعاء قراءات والتر كاوفمان. هذا الاشتباك المعرفي الرصين يمتد ليطال الانقلاب الفلسفي الكبير الذي دشنه الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في سفره الخالد مولد التراجيديا، حيث يعيد الباحث قراءة الصراع الأبدي بين النزعتين الأبولونية والديونيزوسية باعتباره التجلي الأعظم للنقد المارسه الفن على ذاته عبر الجسد والشهوة والنشوة لا عبر المفاهيم المجردة، وصولاً إلى العصر الحديث حيث يتتبع المؤلف كيف تشابك عمالقة المسرح والإخراج الحديث مثل كونستانتين ستانسلافسكي، وبرتولت بريشت، وفسيفولود مايرهولد، وأنطونين أرتو، مع أسئلة الممثل، والكتابة الإخراجية، وقهر النص، وكيف تحولت أطروحاتهم التنظيرية والممارسة إلى نقد حي ومشتعل يمارس مساءلة الجذور المسرحية من قلب الممارسة التطبيقية ذاتها.
أما في الباب الثاني من الكتاب، والذي ينصرف فيه المؤلف إلى معالجة المدونة الإغريقية الكلاسيكية تحت عنوان دال يتمثل في النقد المسرحي من نفي الفلسفة إلى سؤال الهلاك التراجيدي، فيقدم قراءة تطبيقية مذهلة وناجزة لآليات الكمون النقدي في نصوص الكوميديغراف الإغريقي الأبرز أريستوفان. يختار الباحث مسرحيتين مركزيتين لتفكيك هذا الاشتغال هما السحب والضفادع، محولاً النص الكوميدي من مجرد هزل شعبي إلى أطروحة نقدية وفلسفية واصفة. ففي قراءته لمسرحية السحب، يبرز الباحث كيف نجح أريستوفان في ممارسة انتهاك ساخر وواعي للفلسفة السقراطية والفكر التراجيدي، وكيف تحولت منصة العرض المسرحي إلى محكمة نقدية تفكك ادعاءات الفلاسفة وتكشف عقم التجريد حين ينفصل عن حيوية الوجود الإنساني الملموس، مستخدماً آليات الباروديا والمحاكاة الساغرة كأدوات نقدية حادة. وفي تحليله لمسرحية الضفادع، يغوص المؤلف بعمق في رحلة الإله ديونيسوس إلى هادس بحثاً عن شاعر منقذ، ليرصد ببراعة نقدية فائقة كيف تحولت هذه الرحلة الكوميدية الساخرة إلى محاكمة نقدية علنية ومقارنة فنية رفيعة المستوى بين أقطاب التراجيديا الإغريقية، وتحديداً أسخيلوس ويوربيديس. يثبت الباحث من خلال هذا التحليل الدقيق أن الكوميديا الإغريقية لم تكن قط بمعزل عن الصراع الفكري والنقدي عصرذاك، بل كانت هي المانيفستو النقدي الأول الذي يضع الكتابة التراجيدية ذاتها تحت المجهر، ويناقش جمالياتها وأخلاقيتها ووظيفتها الاجتماعية أمام جمهور أثينا، وهو ما يعزز أطروحة الكتاب المركزية في أن النقد كان كامناً ومندغماً في صلب النص المسرحي منذ لحظات ولادته الأولى.
وحين ينتقل بنا المؤلف في الباب الثالث والأخير من الكتاب إلى فضاء الحداثة ومراياها المعقدة تحت عنوان بيرانديلو وخطاب النقد في مرايا الكتابة، فإنه يدخل بنا إلى عمق الثورة الإبستيمية التي قادها الكاتب الإيطالي الفذ لويجي بيرانديلو لتقويض أشكال الكتابة المسرحية التقليدية. يكرس الباحث هذا القسم لتفكيك ثلاثية بيرانديلو الشهيرة والمتمثلة في مسرحيات ست شخصيات تبحث عن مؤلف، لكل شيخ طريقة، والليلة نرتجل. يغوص المؤلف في الفصل الأول المعنون بـشبح المؤلف والاشتغال المزدوج للكتابة في آليات تحطيم الوهم الدرامي الكلاسيكي وسلطة النص المطلقة، حيث ترفض الشخصيات الانصياع لإرادة المؤلف المزعوم وتتمرد على حتمية مصيرها المرسوم، لتتحول الشخصيات المسرحية إلى كائنات نقدية تسائل شروط وجودها الفني وشروط إنتاج العمل المسرحي ذاته. وفي الفصل الثاني المعنون بـالمسرح الانعكاسي وسؤال العودة إلى الرهان أرسطي، يختبر الباحث مدى نجاح بيرانديلو في تجاوز الشعريات التقليدية أو ارتداده الخلاق إليها، مبيناً كيف أن هذا المسرح الانعكاسي أو ما يسمى بالميتامسرح يمثل الذروة القصوى لكمون الخطاب النقدي؛ إذ يصبح العرض المسرحي كله عبارة عن مرآة كبرى تنعكس عليها آليات صناعة المسرح ذاته، في تداخل مبهر بين التخيل والإبداع والتنظير النقدي الفوري. وبهذا يبرهن المؤلف على أن بيرانديلو لم يكن سوى امتداد متطور وواع لتلك الكيمياء الخفية التي تجعل الكاتب المسرحي يحمل جراحة نقدية دقيقة يفتح بها جسد نصه ليراقب دورتها الدموية الفكرية والجمالية بتبصر واستبصار.
ومع استكمال القراءة في هذا الأثر المعرفي المائز، يتكشف لنا بوضوح أن هذا السفر لا يقتصر على كونه منجزاً أكاديمياً عابراً، بل هو نافذة تطل بنا على آفاق جديدة في فهم العقل المسرحي الإبداعي ونقده الذاتي المتخفي. وإزاء هذه القيمة الفكرية العالية، لابد من تثمين هذا الجهد الفكري العمیق الذي بذله الصديق الباحث الدكتور حاتم التليلي محمودي ليقدم للمكتبة المسرحية هذا السفر المتبصر. كما لا يفوتني هنا أن أثني بكل إعجاب على الدور الريادي للهيئة العربية للمسرح بالشارقة في احتضان ونشر هذه الأطروحات الرصينة التي تعيد الاعتبار لجوهر التفكير المسرحي. وعليه، فإن هذا الكتاب يظل دعوة مفتوحة لكل باحث ومشتغل في حقل الفنون والآداب ليتأمل مطولاً في بلاغة النص حين يكون مسكوناً بهاجس النقد والمساءلة، وحين ترتقي الخشبة والصفحة لتكونا معاً فضاءً أبدياً للحرية المعرفية والجمالية العالية.
* كمون الخطاب النقدي في تاريخ الكتابة المسرحية
المؤلف: حاتم التليلي محمودي من الجمهورية التونسية
الناشر: الهيئة العربية للمسرح في مدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة
سنة الإصدار: الطبعة الأولى الشارقة ٢٠٢٦