بغداد – الخشبة
غيب الموت، اليوم الأحد، المخرج المسرحي والباحث والأكاديمي العراقي الدكتور صلاح القصب، عن عمر ناهز 81 عاماً، إثر مضاعفات مرض عضال، لتخسر الحركة المسرحية العراقية والعربية واحداً من أبرز مخرجيها ومجدديها، وأحد أهم الأسماء التي ارتبطت بتجربة «مسرح الصورة» التي تركت أثراً واضحاً في مسار المسرح العراقي والعربي منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وأعلنت نقابة الفنانين العراقيين وفاة القصب، معربة عن حزنها لرحيل الفنان والأكاديمي الذي امتدت تجربته لعقود، وترك خلالها منجزاً إبداعياً ونظرياً وأكاديمياً جعل اسمه حاضراً في المشهد المسرحي العراقي والعربي. (جريدة المدى)
وبرحيله، يطوي المسرح العراقي صفحة أحد المخرجين الذين لم يتعاملوا مع الخشبة بوصفها مساحة لتقديم النص فقط، وإنما باعتبارها فضاءً مفتوحاً للصورة والحركة والإيحاء والشعر والسينوغرافيا، في محاولة مستمرة لإعادة اكتشاف العلاقة بين الممثل والجسد والفضاء والضوء والصوت والمتلقي.
من بغداد إلى فضاءات التجريب
ولد صلاح مهدي القصب في بغداد عام 1945، وتخرج في كلية الفنون الجميلة ببغداد في فرع الإخراج عام 1968، قبل أن يواصل دراسته العليا في رومانيا ويحصل على الدكتوراه في الإخراج المسرحي.
وبعد عودته إلى العراق، بدأ في ترسيخ مشروعه الإخراجي الخاص، مستفيداً من تكوينه الأكاديمي ومن انفتاحه على التجارب المسرحية والفنون البصرية، قبل أن يتحول اسمه تدريجياً إلى واحد من أكثر الأسماء ارتباطاً بالتجريب والمغامرة في المسرح العراقي.
وقد عمل القصب أستاذاً لمادة الإخراج في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وأسهم من خلال التدريس في تكوين أجيال من المسرحيين العراقيين والعرب، إذ لم يكن حضوره مقتصراً على الخشبة، بل امتد إلى قاعات الدرس والبحث والتنظير والنقد. (الزوراء)
«هاملت».. اللحظة التي أعلنت ولادة مسرح الصورة
ارتبط اسم صلاح القصب بصورة خاصة بتجربته في «مسرح الصورة»، وهي التجربة التي أصبحت لاحقاً علامة فارقة في المسرح العراقي والعربي.
وفي عام 1980 قدم القصب رؤيته الخاصة لمسرحية شكسبير «هاملت»، في تجربة اتجه فيها بعيداً عن المعالجة التقليدية للنص، وركز على التكوين البصري والحركة والجسد والسينوغرافيا والإيقاع، لتصبح التجربة واحدة من أبرز التطبيقات المبكرة لمشروعه في مسرح الصورة. (الهيئة العربية للمسرح)
ومنذ تلك التجربة، أخذ القصب يطور مشروعه عبر سلسلة من الاشتغالات المسرحية التي حاول من خلالها تحرير العرض من هيمنة النص بوصفه مركزاً وحيداً للعرض، وإعادة بناء العلاقة بين العناصر المسرحية المختلفة على أساس الصورة والتكوين والحركة والإيحاء.
وقد تناولت دراسات عديدة تجربته بوصفها واحدة من أبرز التجارب الطليعية في المسرح العراقي، فيما وصفته الهيئة العربية للمسرح بأنه من رواد «مسرح الصورة» في العراق. (الهيئة العربية للمسرح)
شكسبير وتشيخوف.. نصوص عالمية برؤية عراقية
لم يكن انشغال القصب بالنصوص العالمية بحثاً عن إعادة إنتاجها بصورتها التقليدية، بل كان يتعامل معها باعتبارها مادة قابلة لإعادة التشكيل من خلال رؤيته الإخراجية.
وقدم خلال مسيرته عدداً من الأعمال المستندة إلى نصوص عالمية، من بينها «هاملت» و«العاصفة» و«ماكبث» و«الملك لير» لشكسبير، إلى جانب «الخال فانيا» و«الشقيقات الثلاث» و«بستان الكرز» لتشيخوف، فضلاً عن تجارب أخرى مثل «طائر البحر» و«حفلة الماس» و«عزلة في الكريستال» و«الخليقة البابلية». (السينما)
وفي بعض هذه التجارب كان النص نقطة انطلاق لمشروع بصري وفلسفي أوسع، تتداخل فيه الحركة مع السينوغرافيا والصوت والضوء، ويتحول فيه الجسد إلى عنصر أساسي في بناء المعنى.
من الإخراج إلى التنظير
لم يتوقف مشروع صلاح القصب عند حدود الممارسة الإخراجية، بل سعى إلى صياغة خطاب نظري يوازي تجربته على الخشبة.
وترك عدداً من البيانات والدراسات والكتب والاشتغالات التي تناولت مسرح الصورة ومفاهيم الإخراج والسينوغرافيا والصورة الشعرية، ومن بين اشتغالاته النظرية «مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق» و«ما بعد الصورة» و«كيمياء العرض» و«كيمياء الصورة» و«ماورائية الصورة»، إلى جانب أعمال ودراسات أخرى تناولت علاقته بالصورة والجسد والفضاء المسرحي. (السينما)
وفي السنوات الأخيرة استمرت الدراسات الأكاديمية في تناول تجربته، ومن بينها كتاب «قراءات في تجربة صلاح القصب الإخراجية.. مسرح الصورة» الذي صدر عن تجربة بحثية للمخرجة والممثلة الدكتورة سهى سالم، واحتفى به الوسط المسرحي العراقي في نقابة الفنانين العراقيين عام 2024. (IAS)
وكان القصب يرى أن «مسرح الصورة» ليس مجرد أسلوب بصري، وإنما فضاء للتأمل والابتكار، وهي الفكرة التي ظلت حاضرة في خطاباته واشتغالاته المسرحية والفكرية.
تجربة لم تتوقف عند المسرح
امتدت تجربة صلاح القصب إلى الفنون البصرية أيضاً، إذ عرف خلال السنوات الأخيرة باهتمامه بالتشكيل والرسم والتصوير، وقدم معارض فنية استندت في جانب منها إلى رؤيته المسرحية للصورة والجسد والفضاء.
وفي كانون الثاني/يناير 2026، وعلى هامش مهرجان بغداد الدولي للمسرح، افتتح نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي معرضاً تشكيلياً للقصب بعنوان «مهاجرون ينتظرهم موج البحر» في قاعة غاليري نقابة الفنانين العراقيين. (IAS)
وكان هذا الحضور التشكيلي امتداداً طبيعياً لتجربته، إذ لم تكن الصورة بالنسبة إليه عنصراً تابعاً للعرض المسرحي، بل مساحة مستقلة للتفكير والتعبير.
حضور عربي واسع
تجاوز أثر تجربة صلاح القصب حدود المسرح العراقي، وحضر اسمه في المهرجانات والملتقيات المسرحية العربية، كما ارتبط بعلاقة خاصة مع المسرح التونسي، وجرى تكريمه في أيام قرطاج المسرحية عام 2017 تقديراً لمنجزه المسرحي.
وأشارت الهيئة العربية للمسرح في تناولها لتجربته إلى حضوره المؤثر في المسرح العربي، وإلى دوره في تكوين أجيال من المسرحيين الذين درسوا على يده في العراق وعدد من البلدان العربية. (الهيئة العربية للمسرح)
كما ارتبط اسم القصب بالمهرجانات المسرحية العراقية، إذ اختير عام 2021 رئيساً للجنة العليا لمهرجان العراق الوطني للمسرح في دورته الأولى، في تأكيد على المكانة التي كان يحتلها داخل الوسط المسرحي العراقي. (تنوع نيوز)
القصب.. أستاذاً وأباً لأجيال من المسرحيين
إلى جانب منجزه الإخراجي، كان القصب حاضراً بقوة في الحياة الأكاديمية العراقية، إذ عمل أستاذاً للإخراج في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وأسهم في تدريب وتعليم أجيال متعاقبة من طلبة المسرح.
وقد وصفه عدد من الباحثين والمسرحيين بأنه صاحب تجربة ذات خصوصية واضحة، تجمع بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الإخراجية والبحث النظري، وهي ثلاثية جعلت مشروعه قابلاً للدراسة بوصفه تجربة متكاملة وليست مجرد مجموعة من العروض المسرحية.
ولذلك فإن رحيله لا يمثل خسارة لمخرج فحسب، وإنما يمثل غياب شخصية أسهمت في صياغة جزء مهم من الخطاب المسرحي العراقي الحديث، سواء عبر الخشبة أو الجامعة أو الكتابة والتنظير.
مسرح الصورة.. الإرث الأبرز
لعل أكثر ما سيبقى مرتبطاً باسم صلاح القصب هو مشروع «مسرح الصورة»، الذي أصبح جزءاً من ذاكرة المسرح العراقي والعربي.
فقد حاول القصب من خلاله إعادة تعريف وظيفة الصورة داخل العرض المسرحي، وجعلها عنصراً منتجاً للمعنى وليس مجرد تكوين جمالي. كما اشتغل على العلاقة بين الجسد والفضاء والضوء والصوت والحركة، وعلى تحرير العرض من الأطر التقليدية، وهو ما منح تجربته خصوصيتها وأثار حولها الكثير من النقاشات والدراسات النقدية.
وفي قراءة نقدية لتجربته، جرى التأكيد على أن القصب استند في مشروعه إلى مصادر متعددة، من الشعر والسينما والفنون البصرية والرسم والتصوير، وحول هذه المؤثرات إلى مكونات داخل بنية العرض المسرحي. (العربي الجديد)
ولهذا لم يكن غريباً أن يتحول «مسرح الصورة» من تجربة إخراجية خاصة إلى موضوع بحث ودراسة في الجامعات والمجلات والملتقيات المسرحية العربية.
رحيل الجسد وبقاء الصورة
برحيل صلاح القصب، يغيب واحد من المخرجين الذين اختاروا أن يخوضوا مغامرة البحث بدلاً من الاستقرار في القوالب الجاهزة.
يغيب المخرج، لكن تبقى عروضه وصوره وأفكاره وطلابه وكتبه وأسئلته مفتوحة على أجيال جديدة من المسرحيين.
وإذا كان المسرح فناً يقوم على لحظة العرض ثم يترك أثره في ذاكرة المتلقي، فإن مشروع القصب تجاوز هذه اللحظة، لأنه ترك وراءه مفاهيم وتجارب وأسئلة ظلت قابلة لإعادة القراءة والنقاش.
لقد أمضى صلاح القصب عقوداً وهو يبحث عن صورة أخرى للمسرح، صورة لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تحاول أن تجعل الخشبة فضاءً للدهشة والتأمل والشعر والفكر.
واليوم، فيما تُسدل الستارة على حياة واحد من أبرز مجددي المسرح العراقي، تبقى صورته حاضرة في ذاكرة الخشبة العراقية، ويبقى «مسرح الصورة» أحد أبرز العناوين التي سيُستعاد من خلالها اسمه وتجربته وإرثه الإبداعي.
صلاح القصب.. رحل عن الخشبة، لكن صورته لن تُسدل عليها الستارة.