مسرح الدمى… ستون عامًا من الخيال والحكاية

صالح حسن فارس*

بدعوة كريمة من صديقي الفنان المسرحي الهولندي مارتاين دوندرس (Martijn Donders)، الذي يعمل في مجال مسرح الأطفال، حضرت في مدينة أمستلفين الهولندية الاحتفال الخاص بمناسبة مرور ستين عامًا على تأسيس مسرح الدمى في أمستلفين. وكانت أمسية احتفالية مبهرة، جمعت بين استذكار تاريخ المسرح والاحتفاء بالحاضر، من خلال مجموعة من العروض المسرحية والكلمات والفعاليات الفنية.

منذ دخولي إلى المسرح، شعرت بأنني أمام مكان يحمل ذاكرة طويلة من العمل الفني. ستة عقود من العروض تعني أجيالًا من الأطفال والمتفرجين، وفنانين تركوا أثرهم في هذا المكان، وحكايات كثيرة وُلدت على خشبته.

تضمن الاحتفال عددًا من العروض المسرحية القصيرة والممتعة، إلى جانب كلمات ترحيبية واحتفالية، كان من بينها كلمة لمسؤول القسم الثقافي في بلدية أمستلفين، تحدث فيها عن أهمية الثقافة والفنون ودور المسرح في الحياة الثقافية للمدينة.

لكن بين كل تلك الفعاليات، كان هناك عرض ظل عالقًا في ذاكرتي بصورة خاصة.

حين تصبح اليد ممثلًا

كان العرض للفنان الهولندي ليو بيترسن (Leo Petersen)، المعروف فنيًا باسم Lejo، وهو فنان متخصص في مسرح الدمى، ابتكر منذ عام 1995 أسلوبًا خاصًا يعتمد على يديه العاريتين وعينين خشبيتين لصناعة شخصياته.

ويُعرف Lejo في هولندا وفلاندرز أيضًا من خلال أفلامه غير الناطقة التي صنعها لبرنامج الأطفال الشهير Sesamstraat، والتي ظهرت في البرنامج منذ عام 2003.

العرض الذي قدمه في الاحتفال استمر نحو أربعين دقيقة، وكان بسيطًا في عناصره، لكنه غني جدًا في خياله.

ممثل واحد.

وثلاث كتل زرقاء متدرجة.

ويد واحدة.

هذا تقريبًا هو الفضاء الذي بُني عليه العرض.

لكن المفاجأة أن الممثل نفسه لم يظهر أمامنا طوال العرض. كان يختبئ خلف هذا البناء الأزرق المتدرج، بينما تظهر يده من بين مستوياته. ومن خلال أصابعه، وعينين خشبيتين مثبتتين عليها، تولد أمامنا شخصية مسرحية كاملة.

هنا بدأت دهشتي كفنان مسرحي.

فالمتفرج لا يرى جسد الممثل، ولا يرى وجهه، ولا يعتمد العرض على ديكور كبير أو أزياء معقدة. كل ما أمامنا تقريبًا هو يد، وأصابع تتحرك، وعينان خشبيتان.

ومع ذلك، بعد لحظات قليلة، يتوقف المتفرج عن رؤية اليد بوصفها يدًا.

يبدأ في رؤية شخصية.

وهذه واحدة من أجمل لحظات السحر المسرحي.

كانت أصابع ليو تتحرك بدقة شديدة، فتتحول إلى جسد كائن صغير له حضوره الخاص، بينما تمنحه العينان الخشبيتان ملامح وشخصية. كانت الحركة البسيطة قادرة على خلق الإحساس بأن أمامنا مخلوقًا حيًا، له فضوله ونظراته وطريقته الخاصة في التفاعل مع العالم.

وكانت الشخصيات تتوالى في مشاهد قصيرة ومرحة: كلب، وراقصان، وبقرة، وجوقة أطفال مع قائدها، وغيرها من الشخصيات التي تظهر وتختفي بخفة وسرعة، في عرض يعتمد على الحركة والموسيقى أكثر من اعتماده على الكلام.

جلست أتابع العرض بعين المتفرج، ولكن أيضًا بعين الفنان المسرحي. كنت أفكر في العلاقة بين الجسد والدمية، وبين الحضور والغياب، وبين ما يقدمه الفنان وما يتركه لخيال المتفرج.

صالح حسن فارس

لقد اختفى ليو عن أعيننا، لكنه كان حاضرًا بقوة من خلال ما يصنعه بيده.

وهنا أدركت مرة أخرى أن المسرح لا يحتاج دائمًا إلى كثرة العناصر حتى يصنع الدهشة. أحيانًا يمكن لبناء أزرق بسيط ويد واحدة أن يفتحا أمامنا عالمًا كاملًا.

بساطة شديدة… ودهشة كبيرة

ما أدهشني في هذا العرض أن البساطة لم تكن نقصًا في العناصر، بل كانت اختيارًا جماليًا.

ثلاث كتل زرقاء متدرجة تكفي لصناعة الفضاء.

وممثل واحد يكفي لصناعة عالم.

ويد واحدة تكفي لصناعة شخصية.

في مسرح الدمى، لا تكمن القوة في حجم الدمية أو كثرة التفاصيل، وإنما في العلاقة التي تنشأ بين الفنان والدمية والمتفرج.

وفي عرض ليو، كانت هذه العلاقة واضحة جدًا.

لقد جعلنا نصدق أن هناك شخصية حقيقية أمامنا، مع أننا نعرف جيدًا أننا نشاهد يد فنان وعينين خشبيتين.

وهنا تحديدًا يكمن سحر المسرح: أن نعرف الحقيقة، ومع ذلك نسمح لأنفسنا بأن نصدق الوهم.

ستون عامًا من الحكايات

وأنا أغادر المسرح بعد انتهاء الاحتفال، فكرت في معنى مرور ستين عامًا على تأسيس هذا المكان.

ستون عامًا ليست مجرد رقم في تاريخ مؤسسة ثقافية، بل ذاكرة أجيال من الفنانين والمتفرجين والأطفال الذين تركوا لخيالهم أن يقودهم إلى عوالم أخرى.

*فنان مسرحي عراقي مقيم في أمستردام

Related posts

طروادة في ذاكرة الحاضر! .. “هيكوبا” يوريبيديس على خشبة Donmar Warehouse اللندني

هل قَتله ذلك اللعينُ الماكر ريتشارد الثالث؟ .. في رحيل صلاح القصب الذي يرفض أن يمضي*

جلستان فكريتان و4 ورش و7 عروض مسرحية في اليوم الأول من فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي