علي كامل: لندن
“إن مجرى سير البروفات بالنسبة لنا هو بمثابة منبر للمناقشات المفتوحة بشكل رحب وصادق من أجل طرح الأسئلة وتبنّي المجازفات التي تعيد لفن الأداء مدياته غير المحدودة“
(شعار فرقة مسرح “التجربة المشتركة”)
إن أكثر العروض المسرحية اللندنية ألقاً اليوم هي تلك التي تمَّ اقتباس نصوصها من روايات القرن التاسع عشر. ليس مُهّماً سعة اللوحة وعمقها تلك التي أنجزتها مُخيّلة الروائي طالما هناك توق إلى البحث عن أساليب عرض ومعالجات مبتكرة. فبوسع قارئ الرواية، في مجرى عملية القراءة، رسم ملامح الشخصية الروائية عبر مُخّيلته، في حين يمكن لمتفرج العرض المسرحي مشاهدة تلك الشخصية ذاتها حسياً خلال مجرى سير عملية التلقي المشترك، سواء مع جمهور المشاهدين أو مع العرض ذاته.
لا شك أن بُنية الرواية، حين تُتم مسرحتها، ستخضع إلى تغييرات كثيرة، إلا أن هذه التغييرات تُصبح في بعض الأحيان نوعاً من الكشوفات غير المتوقعة، في بعض الأحيان، حين تُبرز إلى السطح تلك الومضات والدلالات الخفّية التي كثيراً ما تغيب عن ذهن القارئ. ولعل النموذج الأكثر جلاءً لتحديات كهذه يمكن تلمّسه في المحاولات التجريبية المبتكرة لفرقة المسرح البريطاني الجوال Shared Experience Theatre “التجربة المشتركة”، في عرضها المُبهر لرواية جورج إليوت (الطاحونة القائمة على نهر فلاس) التي أعدّتها الكاتبة البريطانية هيلين إدموندسن وتولتا إخراجها بشكل مشترك كُلٍ من نانسي ميكلار وبولي تيل.
لقد فجرت المُعِّدة والمخرجتان معاً في هذه التجربة المشتركة ذلك المخزون السيكولوجي الكامن في متن سرد الرواية ما دفع بالمتفرج حقاً إلى رغبة عارمة وعذبة لإعادة قراءة وتقييم ليس الرواية فحسب، إنما التنقيب ثانية عن كل نتاجات ذلك القرن الخصب والمتلألئ.
محاولة إدموندسون هذه كانت قد سبقتها محاولات مشابهة، لاسيما مسرحتها لروايتي تولستوي “آنا كارينينا” و “الحرب والسلام” اللواتي أخرجتهما نانسي ميكلار أيضاً في منتصف التسعينات من القرن الماضي وعرضتا على خشبة المسرح الوطني (ناشينال ثياتر). كما أنها قامت بإعداد ومسرحة مجموعة من الروايات والمسرحيات الشهيرة مثل رواية “رحلت إلى الأرض” للكاتبة والشاعرة البريطانية ماري ويب عام ٢٠٠٤، ورواية “صبي كورام” للكاتبة البريطانية من أصل هندي جميلة غافين والتي تمَّ عرضها على خشبة المسرح الوطني عام ٢٠٠٥، وحظيت بإشادة نقدية واسعة، ونيلها جائزة تايم آوت، وقد أُعيد إحياء العمل لاحقاً في عام ٢٠٠٦، وعُرض على مسارح برودواي في عام ٢٠٠٧. وقامت إدموندسون أيضاً بإعداد مسرحية “أوريستيس” ليوريبيدس عام ٢٠٠٦، ومسرحية”الحياة حلم” لكالديرون، لمسرح دونمار ويرهاوس في عام
٢٠٠٩، ومسرحية “السنونو والأمازون” لآرثر رانسوم لمسرح بريستول أولد فيك في عام ٢٠١٠، وإعدادها لرواية “تيريز راكين” لإميل زولا، التي عُرضت لأول مرة في قاعة مسرح رويال باث في عام ٢٠١٤، ولاحقاً على مسارح برودواي عام ٢٠١٥، من قِبل فرقة “المسرح الدائري”، وكذلك مسرحتها لرواية “الجزيرة الصغيرة” لأندريا ليفي التي عرضت على خشبة المسرح الوطني عام ٢٠١٩، وأُعيد عرضها في عام ٢٠٢٢.
“رواية السيرة الذاتية“
“الطاحونة القائمة على نهر فلاس” هي بمثابة سيرة ذاتية لحياة الكاتبة جورج إليوت (واسمها الحقيقي ماري آن إيفانس)، وسيعثر المطّلع على حياة الكاتبة جورج إليوت في بورتريه ماكَي توليفر، الشخصية الرئيسية في الرواية، على صورة تتماهى مع طفولة الكاتبة ومراهقتها، فالعهد الفكتوري بأعرافه وتقاليده الصارمة في كبحه لعواطف المرأة وتطلعاتها آنذاك، كان بمثابة السد المنيع الذي وقف شامخاً بوجه ماكَي، ما دفع الكاتبة إلى الكشف عن تلك المساعي الخفّية لتقويض ذلك السد، عبر تلك الفتاة المتقدة الذكاء، الجامحة العواطف، في خوضها حرباً مسعورة ضد النظام الأُبوي الذي كان يهيمن على العصر آنذاك، وهو ذات النظام الذي فرض على الكاتبة أن تتخفى وراء اسم رجل مستعار هو “جورج إليوت”، في مُحاوَلة لتضليل الناشر والقارىء الفكتوريين على حد سواء، اللذين كانا يتطلعان إلى المرأة باستخفاف وازدراء كبيرين. لكن، على الرغم من أن انتحال الاسم لم يدم سره طويلاً، إلا أنه كان بمثابة شهادة شجب وإدانة لذلك العهد. الروائي الإنجليزي تشارلس ديكنز، وحده، هو من أثار ريبة الكثير من القراء والناشرين حول ذلك الاسم، فبعد قراءته للرواية، كتب مندهشاً يومها:” إنَّ المُخيّلة التي بوسعها أن تصف عالم الطفولة بهذه النكهة الأمومية لا يمكن أن تكون مُخيّلة رجلٍ على الإطلاق!”.
“رحلة البحث عن الحُبّ والحُرّية “
تتناول الرواية حياة ماكَي وشقيقها توم اللذين نشئا وترعرعا على ضفاف نهر فلاس بالقرب من قرية تدعى سانت أوكَس، في عشرينات القرن التاسع عشر.
يمتد زمن أحداث الرواية من 10 إلى 15 عاماً، أي منذ طفولة توم وماكَي وحتى موتهما غرقاً في نهر فلاس.
الرواية، هي سيرة ذاتية، إلى حد ما، كما أسلفت، تعكس المهانة التي لحقت بجورج إليوت (ماري آنّا إيفانس) نفسها نتيجة علاقة حب طويلة بينها وبين شخص متزوج يدعى جورج هنري لويس. الشخصية التي تنسج خيوط الأحداث هنا هي “ماكَي توليفر”، الشخصية المحورية في الرواية، من خلال علاقتها بأخيها الأكبر “توم”، وعلاقاتها العاطفية المزدوجة بصديقها المثقف شديد الحساسية، الأعرج والأحدب، “فيليب واكم”، وستيفن كَيست، الشاب المفعم بالحيوية والشخصية الاجتماعية البارزة في سانت أوكَس وخطيب ابنة عمها لوسي دين.
إنَّ العلاقة بين ماكَي وشقيقها توم هي علاقة حميمة ومعقدة، تُورق وتُزهر برغبة ماكَي في استرجاع ذلك الحب المطلق الذي كان يمنحه الأب قبل موته. إلا أن تلك الصلة تتقوض بمرور الوقت، فالطبيعة البراجماتية المتكتمة لتوم، تتعارض جوهرياً مع مثالية ماكَي وتوقها المتوهج للتغيير والمواجهة والاكتشاف، فضلاً عن تأثير الإفلاس الذي حلَّ بعائلة توليڤر، والذي خلق الكثير من العُقد والأزمات، فالخلاف الذي دبَّ بين والدَيّ ماكَي وفيليب، تُوّج بخسارة السيد توليڤر للطاحونة، أما موته في الوقت غير المناسب، فقد عززَّ وضاعف الخلافات بين توم وشقيقته ماكَي.
وهكذا، ومن أجل إعادة دفع ديون العائلة، اضطر توم إلى ترك تعليمه المتقّطع لينغمر في الحياة التجارية، محققاً، وبالتدريج، نجاحات واسعة، مسترجعاً جميع ممتلكات العائلة السابقة، فيما تظل ماكَي في عزلتها الاجتماعية تقاسي الفقر وتستنزف ملكاتها العقلية ببطء، وتعاني من أزمة روحية عميقة وحادة جعلتها تنبذ العالم وتتخلى عنه بدافع من محاكاة توماس كيمبس للمسيح الذي كانت تقرأ عنه في طفولتها. ويُمتحَن هذا النبذ من خلال تجديد العلاقة مع فيليب واكم، ومعه تظهر ثانية تلك الأُلفة القديمة وذلك الوّد الحميم حين كان فيليب تلميذاً يدرس مع شقيقها توم. وهكذا، وعلى الضد من ازدراء وكراهية توم ووالدها لعائلة فيليب واكم، تلتقي ماكًي وبشكل سري بفيليب ليذهبا معاً في نزهات عذبة طويلة عبر الغابات. عندما يكتشف توم، بطريقة ما،
نزهاتهما تلك، حينئذ يستوجب على ماكَي التخلي عن فيليب ومعه التخلي عن آمالها في التغيير والمواجهة
والاكتشاف. وهكذا تنكفئ ماكَي ثانية نحو وحدتها وعزلتها الاجتماعية، إلا إنَّ من يكسر طوق تلك العزلة هي إبنة عمتها لوسي دين، بدعوتها للعيش معها في المنزل الذي تقطن فيه هي وخطيبها ستيفن كًيست، الشخصية البارزة في سانت أوكس، هناك حيث الاستمتاع بالمناخ الثقافي الذي يملأ أرجاء ذلك المنزل. تستجيب ماكَي بلهفة لتلك الدعوة، وتنشأ بمرور الوقت صلة غامضة وحالة من الانجذاب المتبادل بين ستيڤن وماكَي لا يوقف سيله الهائج إلا زيارة فيليب المفاجئة لمنزل لوسي وستيڤن، والتي ستغير مجرى الأحداث تماماً. فلقاء فيليب المفاجئ بماكَي بعد طول الغياب يفجّر في أعماقه ذلك الحب القديم ثانية، في حين تعيش ماكَي وضعاً آخر مختلف تماماً، فهي لم تعد تلك الفتاة الوحيدة والمنعزلة، وعلاقة الحب السرية والمبهمة بينها وبين ستيڤن تجعلها تضع علاقتها بفيليب موضع تساؤل.
تقوم لوسي بتدبير خطة لجمع فيليب بماكَي من خلال رحلة قصيرة بالقارب في نهر فلاس، إلا أن ستيفن، وبشكل غير مقصود، يأخذ محل فيليب المريض، وفجأة يجد الإثنان نفسهما وهما يجذفان في نهر فلاس غير مباليان بالمسافة التي قطعاها، ويقترح ستيڤن على ماكَي أن يستقلا سفينة بخارية للسفر إلى مدينة مادبورت ليتزوجا هناك، إلا أن ماكَي كانت تتوزع حينها بين حبها لستيڤن وبين واجباتها أزاء فيليب ولوسي. وهكذا وفيما هما على وشك الوصول الى مادبورت، يُفاجَأ ستيڤن برفض ماكَي مواصلة الرحلة معه وعودتها أخيراً الى سانت أوكس لتعيش لوحدها ولفترة قصيرة حالة من النُبذ من الجميع فيما يهرب ستيفن الى خارج البلاد.
خيار ماكَي رفضها الزواج بستيڤن ومعاناتها لفقدانها حبه والعار الذي لحقها بسبب هروبهما الأخرق، هو في الآخر بمثابة انتصار للإرادة الحرة.
حالة الاغتراب القصيرة التي تعيشها ماكَي تنتهي حين يحدث الفيضان، فتخرج وتستقل قارباً للبحث عن شقيقها توم الذي تعثر عليه في الطاحونة القديمة، فيتجه الاثنان صوب لوسي وعائلتها لإنقاذهم. وفي لحظة خاطفة سريعة الحساسية ينهي الأخوين كل خلافاتهما القديمة. إلا أن قاربهما ينقلب فجأة فيغرق الاثنان أخيراً وهما متعانقان.
“هارمونية الرؤية وتقاطعاتها بين الراوي والمُعّـِد“
في إعدادها لهذه الرواية، سعت هيلين إدموندسون إلى أن تبقى أمينة ومخلصة إلى الأفكار التي أرادت إليوت التعبير عنها، وإلى الطريقة التي أرادتنا أن نحس بها نحو شخصياتها. إلا أن هدفها الأساسي هو أن تكتب، نصاً مسرحياً نابضاً بالحياة، لذا فقد اضطرت، وهي في خضم تشييد بنية المسرحية، إلى أن نسيان خطاب الرواية أو بالأحرى محاولة البحث عن مسارات أخرى لها. بمعنى آخر، كانت إدموندسون في بعض الأحيان تلتقط بعض المواقف والأفكار التي كانت إليوت تلمّح لها بشكل عابر، إلا أنها كانت تثير فيها اهتماماً وانتباهاً كبيرين.
إن الكثير من شخصيات الرواية لا تخدم القصة بوجه خاص، إلا أنها كانت تتمتع بأهمية هامشية بطريقة ما لدى إدموندسون. شخصية بوب جاكن مثلاً، أو عمّتي ماكَي، اللتان أضفتا الكثير من العناصر الكوميدية على الحكاية، فضلاً عن إظهار صورة ماكًي من وجهة نظر العالم الخارجي، إلا أن هذه الشخصيات لا تتمتع بالطبع بأدوار رئيسية في الحبكة.
من جانب آخر، اضطرت إدموندسون إلى حذف جلّ الفصل الذي يستعرض طفولة ماكَي وحياة شقيقها توم في المدرسة، والذي خلق ثغرة في العرض نوعاً ما، ذلك لأنه ما أن تبدأ قصة ماكَي حتى نرى توم وهو ينسحب تماماً من المشهد، وهذا ما سبب نوعاً من التنافر، وهو تقاطع واضح مع النص الأصلي. لذا كان على إدموندسون أن تجد حلا لمثل تلك التنافرات التي هي واضحة جداَ في العرض.
تقول إدموندسون:”
“لقد قررت التركيز على فكرة أن ثمة امرأة أُرغمت على تغيير طبائعها وكبت رغباتها لأن تطلعاتها الحقيقية تتعارض مع المنظور الاجتماعي للمرأة. وحين حددّتُ فكرتي هذه وعثرت على الطريقة الدرامية والشكل المسرحي للتعبير عنها شرعت حينها في الكتابة”.
إنَّ أحد الجوانب الأكثر صعوبة في تحويل رواية السيرة الذاتية إلى المسرح، هو أنها عادة ما تعالج حياة شخص واحد منذ البداية وحتى النهاية، فضلاً عن الاستطراد السردي الذي تروى من خلاله الأحداث.
“الرؤية الإخراجية“
“لقد تعهدنا على خلق مسرح يتخطى الحياة اليومية ويغور في الأعماق معطياً شكلاً بصرياً للمخيلة ولعالم الإحساس الخفي“.
فرقة مسرح (التجربة المشتركة)
لقد شطر العرض المسرحي شخصية ماكَي إلى ثلاث شخصيات قامت بأدائها ثلاث ممثلات: ماكَي الصغيرة (الممثلة آني ماري داف)، ماكَي المراهقة (الممثلة كاترين كاساك)، وماكَي وهي في سن البلوغ (الممثلة هيلين شليسنجر).
هذا الانشطار الذي يمثل ثلاث مراحل زمنية من حياة ماكَي، هو تجسيد للتحولات والتناقضات الحادة بين الطفلة المتهورة والمتمردة التي حلمت يوماً أنها بطّة صغيرة بهيئة ساحرة تغرق في النهر، وبين الشابة المراهقة التي كان يستبدُّ بها شعور رهيب بالذنب جعلها تصمم على سحق جميع عواطفها بمزاج محفوف بالمخاطر لتخصع لرغبات شقيقها المتسلط توم، وبين المرأة التي بلغت سن النضج، العالقة بين الاثنتين، وهي تكافح للتوفيق بين حبها لستيفن غيست، حبيب ابنة عمها، وواجبها الأخلاقي إزاء ابنة عمها. صراع حاد بين التمرد والاذعان والتشوش، يغلي كله في أعماق شخصية واحدة هي ماكَي.
تقول هيلين إدموندسون بشأن اختيارها لشخصيات ماكَي الثلاث: “صحيح أن ماكَي تخضع لتغييرات عنيفة وقاسية بطرق عديدة مع سير الرواية، إلا أن هناك بعض السمات الجوهرية لشخصيتها تبقى ملازمة لها حتى
النهاية.
حين تبلغ ماكَي سن البلوغ تظل تحمل في أعماقها روح تلك الفتاة الصغيرة التي تمتلك طباعاً وعواطف
غامضة ومعقدة بشكل هائل. إنها تُرغم على الاصغاء إلى ما يقوله الآخرون عنها فتغوص في أعماق نفسها سعياً منها في العثور على طريقة آخرى مختلفة للتعامل مع الحياة، وهذا هو ما يقودها إلى الثورة الدينية ونكران الذات.
حين تتخلى عن ثوبها الديني، هذا يعني أنه ينبغي عليها عندئذ أن تتغير ثانية للدخول إلى العالم كشخصية أكثر حزماً من ذي قبل، لتقف نِداً لأخيها الأكبر توم. وهذا تماماً هو الدافع الرئيسي وراء التحولات في شخصيتها.
لقد تسنى لي أيضا الكشف عن ثيمة أخرى في الرواية وهي، إلى أي حد يمكن لطفولتنا أن تُسهم في تشكيل حياتنا في مرحلة البلوغ وربما بعدها؟
أن تظهر ماكي كطفلة على المسرح بالتوازي مع ظهورها وهي بالغة الرشد، يعني إنك تستطيع بالطبع أن تجسّد فيزيائياً الصراع أو الشدّ والجذب بين هاتين الشخصيتين”.
“عوالم سوريالية ملتبسة“
ثمانية ممثلون لعبوا جُلّ شخصيات الرواية (17 شخصية) قام كل واحد منهم في أداء أكثر من دور، وهم يعيدون ثانية ابتكار فضائها بأسلوب فانتازي هو مزيج من الغنائية والسوريالية.
ديكور “باني كريستي” برصيفه الخشبي الطويل الشاهق المطل على نهر فلاس، وستارته الخلفية المتغيرة الألوان والإضاءة وهي معلقة على خط البصر في تماس مع الغيوم، إضاءة “كريس دافي” الحلمية والكابوسية في آن واحد، ترافقها موسيقى “بيتر سالم” لمشهد ماكَي الاستهلالي الذي تحلم فيه أنها بطة صغيرة أشبه بساحرة تغرق في النهر، وُظفّت جميعها بهارمونية شديدة الاختزال لبناء مشهد الغَرَق، المشهد المثير للرهبة والفزع.
سردية ماكَي عن كيفية غرق الساحرة في بدء العرض يتحول لديها وحتى النهاية إلى هاجس داخلي مقلق يدفعها في الآخر إلى الموت غرقاً بنفس الطريقة، حين يجتاح الطاحونة فيضان مريع، تغرق هي وشقيقها توم ويداهما متشابكتان.
إنَّ تحوّل ماكَي إلى ساحرة هو بمثابة تماهٍ كامل لدوافعها المعارضة للسائد ونزعاتها التي يصعب احتوائها. أما موتها فهو بمثابة تتويج لهذا التحدي واستجابة آلية لأعراف وقوى اجتماعية كابحة لأية نزعات مضادة.
تقول المُعدّة هيلين إدموندسون:”يُحتمل أن تكون ماكَي ساحرة، ومن المرجح أن هاجس السحر المهيمن على روحها هو بمثابة آلية دفاع ضد ذلك المجتمع الذي كان يقمعها ويحرمها من الشعور بالأمن، ولعل موتها غرقاً في النهاية يصبح حلاً دائماً لمعضلتها”.
ماكَي في الواقع هي في حالة نزاع من أجل توحيد مظهرين لتجربتها، وهذان المظهران هما في صراع متواصل. الأول، إيمانها وتوقها نحو حياة الثقافة والجمال، والآخر، هو قناعتها الروحية وإدراكها الحسي للواقع اليومي الرتيب في الطاحونة. لقد كانت ماكَي تسعى لصهر حياتها الداخلية بحياتها الخارجية كي تشعر أنهما يحيان معاً، لكن كما يبدو لا يوجد ثمة شيء من ذلك في محيط القرية التي تعيش فيها يمكنه أن يحقق مثل تلك الرغبة.
إنَّ الطريقة التي ترسم فيها إليوت بطلتها في الواقع له صلة بعالم أرحب من تلك القرية الصغيرة الصارمة الضيقة والمعزولة. فماكَي، بعبارة أخرى، هي كائن إنساني مفعمة بالعواطف، تواقة للجمال، عطشى للمعرفة، ومتلهفة للحب والحرية.
يبدو أن الذاكرة هي المفتاح الوحيد لربط لحظات حياتنا كي نحيا في سلسلة من أحاسيس ذات دلالة ومعنى.
شخصيات إليوت غالباً ما يتمتعون بصفات كهذه، وماكَي ذاتها تفسر علاقتها بشقيقها الأكبر توم بهذه الطريقة. فحين يقول لها فيليب أنها تحب توم أكثر منه، تجيبه بيسر:”كلا.. ليس كذلك. إن الشيء الوحيد الذي سأظل أتذكره طوال حياتي هو لحظة وقفتُ فيها مع توم بالقرب من نهر فلاس، ورفع يدي وتطلع في وجهي. آه، لقد كان كل شيء قبل ذلك معتماً بالنسبة لي”.
سيكولوجياً، تصبح علاقة ماكَي بشقيقها الأكبر جزءاً لا يتجزأ من شخصيتها حتى بلوغها سن الرشد، ليس فقط بسبب حبها المتواصل له، إنما لحاجتها الشديدة إلى الحب، هذه الحاجة التي تتصل بشكل لا ينفصم عن حاجتها إلى المعرفة والحرية.
الإيحاء والرمز عنصران أساسيان في مسارات هذا العرض. فالنهر والماء والطاحونة والفيضان، كلها رموز ومجازات تلمّح بمصير ماكَي. غرقها وشقيقها في نهر فلاس يُصبح هنا بمثابة رمز لنقل نزاعها الروحي إلى فضاء أرحب وأكثر سمواً، نزاع سيحرق ضفاف النهر بسبب عواقبه التي يصعب التحكم بها. إنه ذات النهر الذي ابتلع جسد فرجينيا وولف حين قررت أن تضع حد لآلامها ومعاناة شخصياتها. الطاحونة، هي الأخرى، ترمز إلى حد ما إلى تلك الآلة الاجتماعية الضخمة التي كانت تسحق روح ماكَي في جميع مراحل حياتها، فرغم هربها المؤقت من رحاها، إلا أنها كانت تنتصب شامخة مثل مشنقة بانتظار ضحيتها، وهذا ما يؤكد ما قالته هيلين إدموندسون بأن موتها يصبح حلاً ملائماً لمعضلتها.
الفرقة المسرحية الجوالة “التجربة المشتركة” تأسست عام ١٩٧٥ وقد أرست موقعها الألِق
بسبب طاقمها الموحد والشكل المميز لأداء عروضها. في مركز عملها تكمن قوة حضور الممثل وإثارته فيزيائياً. فبقدر لعبه مع الكلمة، ثمة عناق جميل بين خشبة المسرح وقاعته، تلك المشاركة الخلاقة بين الممثل والمتفرج، ومن هنا جاءت تسمية الفرقة بفرقة مسرح (التجربة المشتركة).
***