لندن: علي كامل
أمضت الممثلة فرانسيس دي لاتور أسبوعين في اليابان للتدريب في ورشة فرقة “شايجنكاي” اليابانية على مسرحية Greasepaint “الماكياج المسرحي” للمؤلف المسرحي الياباني هيساشي إينوي (١٩٣٤ ـ ٢٠١٠) والمخرج كويتشي كيمورا لتقديمها على خشبة مسرح ليريك اللندني.
الممثلة دي لاتور، ذات الملامح اليابانية، هي موهبة استثنائية في المسرح البريطاني، فعملها الدائم مع مخرجين بارزين أمثال بيتر بروك، تريفور نون، تيري هاندس، ومورن رودغريف وسواهم، ضاعف من خزين طاقتها وموهبتها النوعيين في الأداء.
استطاعت مونودراما “الماكياج المسرحي” التي كتبها هيساشي إينوي عام ١٩٨٢ أن تتخطى حدود محليتها لتحطَّ في الآخر على خشبات مسارح فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وكندا وأميركا وأخيراً لندن.
لم يكتفِ هيساشي إينوي بالمسرح منبراً لطرح أفكاره فحسب، حيث كتب ما يقرب الثلاثين نصاً مسرحياً، إنما
ولج عالم الرواية والقصص القصيرة أيضاً. ويتجلى جوهر موضوعاته في إبراز النزاعات الحادة بين الماضي والحاضر، الريفي والمديني، التراث والحداثة. أما أسلوبه فتمتد جذوره إلى تقاليد مسرح كابوكي، حيث العرض المزدوج والمسرحية داخل المسرحية، وحتى اختياره لممثل واحد يلعب أدوار عديدة، هو الآخر نابع من تلك التقاليد. أما لغته فتتميز بجرْسها الشعبي المحلي مزدانة بصفاء غنائي شرقي النكهة.
المونودراما هذه هي عبارة عن مونولوغ بفصلين تجسدّه شخصية واحدة، يعالج موضوع الأمومة، الفكرة التي يقدسها اليابانيون، والتي أصبحت من أكثر الموضوعات شيوعاً في الدراما اليابانية. أما أسلوبها فهو مزيج من النمط التقليدي لمسرح الكابوكي والأشكال الشعبية لمسرح الڤودﭬيل (المسرح الاستعراضي) المنتشر في
ضواحي طوكيو الفقيرة.
إنها مرثاة شاعرية تهكمية تتناول حياة الممثلة اليابانية يوكو ساتسوكي، وهي شخصية حقيقية يعرفها المؤلف عن قرب، ممثلة من بقايا ممثلي الفرق الشعبية الفقيرة ذات الطابع العائلي، المتخصصة في عروض الأشكال الشعبية لمسرح كابوكي ذوي الياقات الزرق المسماة «تيسهاگيكي» أو «شتماتشي»، تلك الفرق التي كان أعضاؤها يمثلون ويعيشون هم وأفراد عائلاتهم في المسرح ذاته، يتماهون ونمط حياة الغجر حيث هم في ترحال دائم. وهذه الفِرَق تضاءل عددها بالطبع ربما بسبب انتشار أجهزة التلفزيون وأشرطة الفيديو وإقبال الكثير من مشاهديها على الفرق التجارية في العاصمة.
تجري أحداث المسرحية في غرفة ماكياج صغيرة في مسرح مهجور. تجلس يوكو «الممثلة فرانسيس دي لاتور» أمام مرآة وهمية تستعد للقيام بتدريب أعضاء فرقتها «الوهميون» لتقديم عرض ختامي لفرقتها قبل حلول موعد إغلاق المسرح وهدمه بعد عشرة أيام.
المونولوغ الذي يجري على لسان الممثلة يوكو أشبه بهذيان، تستعيد فيه ماضي فرقتها، عروضها، ممثليها، جمهورها، والدها مؤسس الفرقة وممثلها الأول الذي توفي قبل عشرين عاماً وهو على خشبة المسرح، وأخيراً طفلها ذو الثلاثة شهور الذي أودعته في ملجأ أيتام بسبب شظف العيش (لابد من التنويه هنا أن المؤلف نفسه كان قد نشأ في ملجأ أيتام في سن الرابعة بعد وفاة والده).
ستُعيد يوكو بعث ذلك الماضي في هذه الليلة المفعمة بتفجّرات الذاكرة عبر مخلية متشظية ومنهكة تستحضر فيها ممثلين وشخصيات لا نراهم، إنما سنسمع عنهم ونتعرف عليهم عبر مونولوغها الطويل الآسر أثناء قيامها بتدريبهم استعداداً لتقديم عرضين مسرحيّين، وهو أحد التقاليد المعروفة لعروض تلك الفرقة.
العرض الأول، بعنوان “رحلة وداع إيزابورا” وإيزابورا، الذي ستلعب يوكو دوره، هو ابنٌ متبنّى يبحث عن أمه الحقيقية التي تخلّت عنه منذ ولادته قبل عشرين عاماً. أما دور الأم فسيلعبه أحد الممثلين الجُدد في الفرقة، تدعوه يوكو بـ «السيد ناكامورا» والذي اشتهر بأداء الأدوار النسائية، وهذا أيضاً تقليد آخر من تقاليد مسرح كابوكي، حيث الرجال يقومون بلعب أدوار النساء. السيد ناكامورا لن يظهر على خشبة المسرح، بالطبع، إنما سنتعرف عليه من خلال مناجاة يوكو التي ستقوم بتدريبه وإرشاده لأداء دور الأم.
أما العرض الثاني فهو بعنوان “الحكاية العاطفية لشينزا الحلاق”، وشينزا هو الدور الذي كان يجسده زوجها لعشرين عاماً مضت والذي أكسبه شهرته، حيث توفي على خشبة المسرح وهو يؤدي ذلك الدور. ستعيد يوكو تمثيل شينزا الحلاق هذه الليلة ربما إحياءً لذكرى زوجها.
في العرض الأول تلعب يوكو دوراً مزدوجاً: الأول يوكو الممثلة ويوكو الأم الحقيقية التي تأمل بلقاء ولدها الذي أودعته الملجأ والذي لم يعد له أثر. وفي العرض الثاني تلعب دور ابن وهمي اسمه إيزابورا، الطفل الذي نشأ في ملجأ، وهو شاب يبحث الآن عن أمه الحقيقية. إنها تخاطب ممثلها الوهمي ناكامورا بالكلمات التالية:
“أيها السيد ناكامورا، إن نجاح عرض هذه المسرحية متوقف علينا نحن الإثنين أنا وأنت. ينبغي علينا أن نقدّم أفضل ما بمقدورنا قبل أن يهدموا المسرح على رؤوسنا”.
تُمسك يوكو بيدها مرآة وهمية وتبدأ بوضع المساحيق على وجهها المطاطي، ومن ثمَّ ترتدي قفطاناً أزرق مخطط وتثبت على رأسها شعراً مستعاراً ثم ترفع بيدها عصاً مصنوعة من القصب وتقوم بعمل إيماءات وحركات طبقاً لأسلوب مسرح كابوكي، حيث تقوم الفتيات بثني أقدامهن والسير على ركبهن بدون انقطاع، فيما يقف الرجل دائماً بأن يضع قدماً واحدة أمام الأخرى بشكل بطولي وجريء جداً.
تبدأ من بعد في لعب دور العجوز شينزا وهي ترتل قائلة: “إن حياتي مثل عجينة فول في حرارة الصيف، ستتخثر قبل حلول الليل”. ثم تلتفت ثانية نحو ممثلها الوهمي ناكامورا قائلة:
“الممثل يا عزيزي ناكامورا هو ذلك الإنسان الذي يبيع الأحلام. عليَّ أن أعيد تمثيل هذه المسرحية مئات المرات. وفي كل مرة ينبغي أن أذرف الدموع”.
حين تستعد لأداء الدور يزورها طيفُ نجمٍ تلفزيوني، شابٌّ يزعم أنه الصبي الذي تخلّت عنه وألقتهُ في الملجأ. تركع يوكو أمامه وتعترف: “إذا كانت هناك أياماً نسِيَتْ فيها الغربانُ نعيقها، فأنا لم أنساك يوماً واحداً مطلقاً».
إنها تتأمل حوارها هذا وتفكّر أن تضيفه لعرضها. تعيده تلاوته ثانية. وحين لا يروق لها تعيده مرة أخرى.
إن الخسارة التي لحقت بيوكو هي خسارة مزدوجة، فهي بسعيها الفانتازي في استعادة الماضي تجدل خسارتين في آن واحد، خسارة طفلها الذي تخلت عنه، وخسارة مسرحها الذي سيقوّض بعد نهاية عرضها الوهمي.
المخرج كويتشي كيمورا استعاض عن الخاتمة التوفيقية التي وضعها المؤلف بخاتمة أخرى قاسية لكنها مؤثرة. ففي النص يعثر إيزابورا في الآخِر بعد بحث طويل على أمه الحقيقية في إحدى المناطق الجبلية حيث مقهاها الذي تبيع فيه الشاي والصنادل للمارة. وهذه الخاتمة استمدها الكاتب من تقاليد مسرح كابوكي حيث يتشكل معمار ثيمات الأمومة من عنصري الانفصال والاتحاد. أما المخرج كويتشي كيمورا فقد أنهى عرض هذه المونودراما بتقويض جدران المسرح فوق رأس يوكو ساتسوكي على وقع زعيق وضجيج البلدوزارات العملاقة والمكائن الجنونية، حيث يتلاشى صوت الماضي مرموزاً له بصوت يوكو المبحوح وهو يتوارى وسط سحب الغبار التي تملأ أرجاء المسرح.