لندن – الخشبة : علي كامل
“دراما معاصرة تسلط الضوء على النزاع المزمن بين القيم الجمالية والقيم الاستهلاكية للإبداع الفني”
حين تذهب لمشاهدة مسرحية (The Old Masters) “كبار الفنانين القدامى” من على خشبة “المسرح الكوميدي” اللندني في حي West End، يدفعك الفضول المعرفي إلى أن تتساءل حقاً عن تحديد هوية الفنان الذي رسم لوحة (عبادة الرُعاة) Adoration of the shepherds أهما الرسامان الإيطاليان العظيمان جيورجوني وتلميذه تيشين؟
وفي خضم العرض يبرز سؤال آخر عن هوية The Old Masters اللذَين تعنيهما هذه الدراما، أهما الرسامان الإيطاليان العظيمان جيورجوني وتلميذه تيشين، أم الممثلان العبقريان إدوارد فوكس وبيتر باولس، أم سيمون غراي “المؤلف”، وصديقه ومجايله الكاتب والمخرج هارولد بنتر؟
الإجابة الوحيدة التي يتمخض عنها العرض حقاً هي، على الأرجح، أنهم كل هؤلاء!
شيَّد سايمون غراي مسرحيته الجديدة على خلفيتين تأريخيتين واقعيتين، إحداهما تعود بنا إلى عصر النهضة الإيطالي، ممثلة بالرسامَين العملاقَين جيورجوني الذي مات شاباً، وتلميذه الخصب تيشين. والأخرى، ترجعنا إلى القرن الماضي، مجسدة بشخصيتين أولهما: برنارد بيرنسون 1865-1959، المؤرّخ والناقد الفني الأمريكي ذو المكانة المرموقة وصاحب الكتب والدراسات النادرة فيما يتعلق بالرسامين الأيطاليين في عصر النهضة، والمعروف بذائقته الجمالية في انتقاء أجمل لوحات رسامي عصر النهضة لعرضها في أشهر متاحف العالم.
أما الشخصية الثانية، فهو الإنكليزي جوزيف دوفين 1869-1939، تاجر اللوحات الذائع الصيت الذي كان أهدى الكثير من اللوحات الفنية النادرة إلى ناشينال گاليري وتيت گاليري البريطانيين، والذي يحتل اسمه اليوم إحدى أهم قاعات ناشينال گاليري، بوصفه أحد أبرز مؤسسييه.
هاتان الشخصيتان اللتان تمثلا قطبا النزاع في هذه الدراما، يربطهما عقد تجاري ساري المفعول منذ ثلاثين عاماً، يُلزم أحدهما، وهو بيرنسون، بصفته مؤرّخاً عالمياً للفن وذواقاً في انتقاء اللوحات، القيام بفحص وتصديق اللوحات الفنية التي يشتريها اليهودي دوفين من حيث المنشأ والأصل وهوية الرسامين.
وبموجب هذا العقد الشايلوكي، لايحق لبيرنسون العمل مع تاجر فنٍّ آخر، وهذا ما سيوقعه في مأزق مالي يؤثر سلباً على سمعته كعالم فن شهير، سواء في الميدان الأكاديمي أو في أسواق بيع وشراء اللوحات الفنية.
تجري الأحداث في إيطاليا عام 1937، فترة صعود موسولليني إلى قمة السلطة، وبأيام تسبق الحرب العالمية الثانية.
المكان هو القصر الساحر I Tatti ) ) المطّل على مدينة فلورنسا، الذي يحوي مكتبة فنية ضخمة، ومختارات نادرة من اللوحات الفنية النفيسة، وهو المكان الذي يحجّه الكثير
من عشاق فن عصر النهضة. هذا القصر بحدائقه المذهلة وجماله الفائق، هوالمنزل الذي يعيش فيه بيرنسون ومعه زوجته ماري وسكرتيرته المخلصة نيكي، التي هي عشيقته في نفس الوقت.
ما يقلق ويّعكر صفو الحياة البوهيمية لهذا المنزل، هي الحرب التي بدأت تدق على الأبواب، والتي هي، حسب بيرنسون، المعادل النحس للبربرية التي ستقوّض الإرث الفني الإيطالي العظيم. يضاف إليها عبء الأزمة المالية الكبيرة التي يكابدها هذا المفكّر، والتي تهدد حياته ومن معه، وعلى الأرجح ستتسبب في ضياع قصره الأثير.
هذه المعضلة التي يترافق معها شعور استبطاني بذبول روحي، وإمكانية خسارة سمعةٍ وشهرة كبيرين، يؤججها وصول تاجر اللوحات دوفين، القادم من لندن، ومعه لوحة نادرة تعود إلى عصر النهضة يسعى لبيعها إلى اللورد ميلان “وزير الخزانة البريطاني آنذاك وأمين سر ناشينال گاليري” ألا وهي لوحة “عبادة الرُعاة” أو “ميلاد السيد المسيح”، اللوحة الشهيرة والملغزة التي ظلت موضوع التباس وسط دارسي ومؤرخي الفن بشأن حقيقة هوية رسامها الأصلي، أهو جيورجوني أم تيشين؟
في قمة جدالهما المستعر، يقول بيرنسون لدوفين وبلهجة حاسمة: “لو ظهر جيورجوني
أمامنا الآن وإدعّى أنها لوحته، فسأكون ملزماً على معارضته الرأي. ولو ظهر تيشين نفسه، وأنكر أنها لوحته لعارضته أيضاً“.
هذا هو حجر زاوية الدراما هذه، وما هدف قدوم دوفين في هذه الأمسية العاصفة إلا محاولة لثني بيرنسون عن رأيه، وإعداد صفقة مالية نذلة لإغوائه في المصادقة على أن تلك اللوحة هي لجيورجوني وليس لتيشين، لأن اسم جيورجوني من شأنه أن يرفع من سعر اللوحة مليون باوند، مقارنة باسم تلميذه تيشين، ولأن المشتري في الآخِر هو اللورد ميلان، عاشق لوحات جيورجوني، والذي لن يتردد من أن يدفع مقابلها أي ثمن يُطَلب.
من هنا يبرز السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الدراما:
ـ ماذا يحدث حين يصبح التأريخ والتراث الفني سلعاً تباع وتشترى في الأسواق المالية الكبرى؟
ـ ماقيمة الثمن النقدي الذي سيقبضه المؤرخ مقابل كذبة صغيرة تنال من شرف مهنته وأمانته التأريخية؟
وأخيراً، ما الذي سيخسره المؤرخ، في وضع حاسم كهذا، حين يرفض صفقة مجانية كهذه ويقف شامخاً، رغم عوزه المالي، ليحفظ وجه الحقيقة ناصعاً؟
هذه الأسئلة وغيرها هي من سيكشف جوهر شخصيات هذه الدرامة في نزاعها بين القيم والمصالح الذاتية من جانب، والقيم الموضوعية، التأريخية، والإنسانية، من جانب آخر.
ما نشهده الآن هي لُعبة رائعة ومثيرة يدير قواعدها دوفين المراوغ في محاولاته البشعة لإخضاع فريسته المُلغِزة. لُعبة شبيهة بلعبة القط والفأر، يصعب فيها تمييز القط من الفأر!
إن الصفقة ـ الرشوة، التي سيقدمها دوفين مكافئة لبيرنسون، التي هي بمثابة ثمن التخلي عن شرف المهنة ونزاهتها، هو أن يكون شريكاً له في أعماله التجارية، ضامناً له بقاء القصر ودفع الديون وصك مفتوح، إلى غير ذلك، مقابل خبر صغير في الصحافة يعلن فيه أن رسام اللوحة هذه هو جيورجوني وليس تيشين!!..
وهنا يبرز سؤال آخر جديد: هل سيبيع بيرنسون روحه إلى الشيطان، كما فعل فاوست من قبل؟
في لعبة القط والفأر هذه، تبدأ الاستجابة الأولى لبيرنسون بجملته الازدرائية هذه:
“إن قيمة اسمي تتوقف على ألا يرتبط باسمك علانية، يا صديقي” والتي يسارع دوفين بمكر وخبث إلى تفسيرها بقوله:
“أوافقك أن تكون شراكتنا في السر“. مضيفاً: “شرط أن تبتلع لسانك“. فيجيبه بيرنسون:
“الصمت يعني بالنسبة لي الرضوخ، وأنا لا أريد منك ان تجعل من رضوخي هذا ثمناً لشراكتنا. إنني لن أدع شراكتنا هذه تؤثر على أمانتي كعالِم فن“.
حين يقترح دوفين تسوية مجانية الدلالة، وهي أن يتفقا سراً على أنه تيشين، وعلناً أنه جيورجوني، يجيبه بيرنسون بتهكمية موجعة:
“إنك بهذا تقدّم خدمة سيئة لنفسك بمحاولتك إقناعي أن أستبدل تيشين بجيورجوني“. وحين يستعّر الجدل أكثر بينهما، يكشف دوفين عن شراسته البهيمية بقوله:
“ليس هناك ثمناً للشرف، كما يقول شكسبير. هل هو شايلوك من قال ذلك؟”. يجيبه بيرنسون بهدوء:
“ربما كنت تعني فولستاف، الذي قال (إن الشرف ليس له ثمن، لأنه لا قيمة له)”.
وهكذا ولأجل كسب الصفقة، لن يتردد دوفين حتى في إذلال نفسه في وضع كهذا، فنراه يلجأ هذه المرة إلى لعبة أخرى، وهي محاولة استجداء العواطف من صديقه القديم، بإدعاء مرائي، بالطبع، أنَّ الأطباء كانوا أخبروه أنه سيموت بعد ثلاثة أشهر، لذا فهو بانتظار المساعدة لإنقاذ حياته. فيجيبه بيرنسون بلهجة المنتصر:
“لماذا تريد العيش إذاً؟ فقط فكّر في هذا الموضوع. لو أنني قادر على استبدال تيشين بجيورجوني، فأنني في هذه الحال، أستطيع أيضاً أن استبدل المرض بالعافية، عندئذ ستعيش. وبما أنني لا أستطيع القيام لا بهذا ولا ذاك، فإن تيشين سيبقى، وأنت ستموت“!.
يتصاعد الحوار أخيراً ليصل إلى طريق مسدود، يتحرر فيه بيرنسون من كابوس صفقة شايلوك ويتقهقر ديفون مهزوماً، رغم أنه يُبقي في جيبه حجراً أخيراً ليرشق به صاحبه قبل مغادرته، حين يهددّه بأن مخابرات موسوليني تبحث عن المهاجرين، وأن الحرب على الأبواب، ولذا ينبغي عليه مغادرة إيطاليا بأسرع وقت ممكن.
الحجر الذي صوبه ديفون نحو بيرنسون هو بلا شك سيترك جرحاً عميقاً في نفس بيرنسون، ليس بسبب خشيته على حياته الشخصية، أو خسارته قصره الفخم، أو فقدان سمعته بسبب الديون، إنما الخوف من قدوم البرابرة الذين سيقوضوا المدنية والحضارة معاً، تلك المتمثلة في هذا التراث العظيم لفن عصر النهضة الإيطالي.
حين يغادر ديفون صافقاً الباب خلفه بقوة، نسمع لتلك الصفقة صدى موازياً متمثلاً بدوي مدافع يأتينا من بعيد. حينها نسمع بيرنسون وهو يهمس لزوجته بآخر الكلمات:
“علينا أن نحافظ على نظافة أسمائنا يا ماري. ثمة عصر جديد قادم، عصر جديد لأناس جدد، أناس أحرار“.
هكذا يُتوّج العرض بانتصار بيرنسون وهزيمة الطبقة التي يتحدّر منها ديفون، وهو بمثابة انتصار للتحضر والمدنية على الوحشية البربرية، إذا جاز القول، لتُختَتم هذه الدراما بوصية بيرنارد بيرنسون الأخيرة قبل موته، بمنح قصره الشهير هديةً إلى جامعة هارفرد التي تخرّج منها، والذي أصبح اليوم متحفاً شهيراً يؤمّه الناس من كل مكان.
لا شك أن عمل إبداعي يعتمد الكلمة عنصراً أساسياً لمعالجة ثيمة هي من أشد الثيمات حساسية، لا يمكن أن يُنجز بهذه الكيفية التي شاهدناها، من دون أن يتكئ على قدرات ممثلين خلاقين ومبتكرين، وهذا ما دفع المخرج هارولد بنتر لينتقي ممثلاً عظيماً مثل إدوارد فوكس ليلعب دور بيرنسون، هذا الممثل المبدع الذي يخلط ورقة الممثل بورقة الشخصية التي يجسدها، فيصعب حينها التمييز بين الإثنين. بمشيته التي تتماهى ومشية
راقص باليه، وصوته المتهدج الذي ينفث تهكماً، حيث المكر وسعة المعرفة تتجسدان في كل مقطع يلفظه، كان أدوارد فوكس نموذجاً للشخصية الزئبقية التي يصعب الإمساك بها. من الجانب الآخر، ثمة ممثل لا يقل دهاء وفطنة وأداء منه، هو الممثل بيتر باولس، الذي جسّد شخصية الوغد الفاتن، بدهائه وخبثه، ودلالاته الملغزة التي كان يُظهرها ضِمناً، كما لو أنه لا يريد الفوز باللعبة ضد خصمه وصديقه المدلّل، حتى وإن كانت الخسارة سبباً في تدميره.
بربارة جيفورد، وسالي ديكستر، اللتان لعبتا أدوارهن بوئام وسلام، يندر أن تجد علاقة مثلها بين زوجة وعشيقة، وهذا يعكس طبيعة العالم الشاعري البوهيمي لهذا المنزل الساحر الذي عاش في ظلاله الزوج والعشيق بيرنسون.
لم تستطع جاذبية الممثلين ولا الروح البنترية التي كانت تحلّق في أرجاء العرض بالطبع، أن تحجب عنا طيف سايمون غراي، كاتب النص، ولا التقليل من المتعة التي منحنا إياها نصه التهكمي البارع الجميل هذا.
***