مهرجان القاهرة التجريبي يُكرّم روح المخرج العراقي الراحل عوني كرومي في ندوة “رد الجميل”

القاهرة – lموقع الخشبة : متابعات

شهد مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، احتفاءً خاصًا بتجربة المخرج والأكاديمي والباحث العراقي الراحل عوني كرومي، وذلك ضمن ندوة حملت عنوان “رد الجميل”، أدارها الناقد والمسرحي العراقي بشار عليوي، وشارك فيها كل من الدكتور محمد سيف، ورياض موسى سكران، والدكتور نورس عادل، إضافة إلى نقيب الفنانين العراقيين جبار جودي، ورئيس المهرجان الدكتور سامح مهران.

افتتح عليوي الندوة باستعادة مسيرة كرومي بعد عقدين من وفاته، متسائلًا عن الأسباب التي جعلت الراحل يُلقب بـ”وسيط الثقافات”. وأوضح أن الاحتفاء به اليوم لا يقوم على العاطفة وحدها، بل يستدعي قراءة متعمقة لتراثه الفني والفكري والأكاديمي، مشيرًا إلى أن كرومي لم يكتفِ بنقل المعرفة من ألمانيا إلى العراق، بل أعاد تشكيلها وفق سياقه الثقافي، وجمع بين النظرية والتطبيق، وأسهم في تخريج أجيال من المسرحيين العرب.

وأضاف أن كرومي، حين عاد إلى ألمانيا في مرحلة لاحقة، لم يعتبر المسرح الألماني مجرد منفى، بل حوّله إلى فضاء للحوار والإبداع، خصوصًا من خلال مشروعه “طريق الحرير” مع مسرح الرور، حيث جسّد المسرح بوصفه جسرًا للتواصل بين الثقافات. وأكد عليوي أن لقب “وسيط الثقافات” لم يأتِ لمجرد إقامته بين البلدين، بل لأنه جعل المعرفة تتدفق بينهما، وأسهم في ترجمة الممارسة البريختية للجمهور العربي، وقدّم للغرب رؤى من المسرح العراقي والعربي.

واستشهد عليوي بما ورد في مصادر ألمانية عن كرومي، حيث وُصف بأنه “سفير بين الثقافات، مدافع عن الحوار، وصانع سلام، وباني جسور بين فنانين من خلفيات متعددة”. وأشار إلى أن الجسور التي أقامها كرومي لم تقتصر على الأعمال المسرحية، بل شملت صناعة أجيال، وهو ما تجسّد في حضور أصدقائه وتلاميذه ومحبيه في هذه الندوة، بعد عشرين عامًا على رحيله في برلين في 27 مايو 2006. وختم عليوي بأن “رد الجميل” الحقيقي لكرومي لا يكون بالذكرى فقط، بل بإعادة قراءة تجربته واستلهام دروسها.

من جهته، تحدث الدكتور محمد سيف عن جانب إنساني مميز في شخصية كرومي، واصفًا إياه بأنه كان يمشي بين طلابه كأنهم رفاقه، ما جعل العلاقة التعليمية أقرب إلى الصداقة. وأشار إلى أن كرومي كان يشتغل على العرض المسرحي كمعمل متكامل يجمع كل عناصر الإنتاج، متقدمًا في ذلك على كثير من التجارب الأوروبية الحديثة.

واستعاد سيف موقفًا شخصيًا، حين زاره كرومي في منزله قبيل سفره إلى فرنسا ليودعه، مؤكدًا أن هذا التواضع والإنسانية هما ما جعلا أثره مستمرًا رغم وفاته. وأعرب عن خشيته من أن جيل الشباب في العراق اليوم لا يعرف كرومي بالقدر الكافي، مشيرًا إلى أعماله البارزة مثل “السيد والعبد”، و”غاليلو”، و”الإنسان الطيب”، و”بيت برناردا ألبا”، معتبرًا أن ندوة “رد الجميل” تعيد تغذية الذاكرة المسرحية للأجيال الجديدة.

وتوقف سيف عند علاقة كرومي بالبريختية، موضحًا أنه لم يكن ناقلًا حرفيًا لها، بل أعاد إنتاجها في سياق عراقي، تمامًا كما فعل إبراهيم جلال من قبله، لكنّ الصفة التصقت بكرومي لكونه درس في ألمانيا. وأكد أن تجربته الأخيرة تنوعت بين النصوص القديمة والأناشيد السومرية والبابلية، ما يعكس رؤيته للمسرح بوصفه كونيًا لا محليًا فقط.

أما الدكتور رياض موسى سكران، فعبر عن امتنانه لأستاذه كرومي، واصفًا إياه بأنه “جسر لكل التناقضات، وجسر للحوار مع الآخر”. واستعرض ورقته التي حملت عنوان “فتى الترنيمة يفترض التحليل”، مستلهمًا من أغنية الفنانة إقبال نعيم التي ترمز إلى الحنين والغربة، والتي رأى فيها تجسيدًا لروح كرومي.

وتوقف سكران عند بدايات كرومي التجريبية، مشيرًا إلى بيانه الإخراجي الذي أصدره قبل بلوغه العشرين، داعيًا إلى التجديد والانفتاح على المناهج الحديثة. واستشهد بعروض مثل “أنشودة العمل” التي امتدت ثلاث ساعات دون أن يشعر الجمهور بالملل، و”الذباب والبرغوث” التي قدمت في غرفة بلا خشبة، معتمدًا على مفردات بسيطة.

وأفرد سكران مسرحية “صراخ الصمت الأخرس” باهتمام خاص، معتبرًا أنها مزجت بين الرمزية والعبثية، وعكست ضجيج العالم المعاصر وعزلته، مستخدمة مفردات ضاغطة مثل الأسلاك والأجهزة الإلكترونية، لتدفع المتلقي إلى التساؤل عن معنى الصمت والاغتراب في زمن الحروب.

من ناحيته، نقل الدكتور نورس عادل تحية من عائلة كرومي، وخصوصًا ابنته رؤى، إلى المسرحيين المصريين، مثمنًا مبادرة “رد الجميل” التي تعيد الاعتبار لتاريخ المسرح العراقي. وأشار إلى أن المسرحيين العراقيين بدأوا يعيدون التفكير في كيفية استعادة أثر الرواد، خاصة بعد رحيل شخصيات مثل صلاح القصب.

وذهب عادل إلى أن كرومي ينتمي إلى فئة الرواد الذين امتلكوا مشروعًا استراتيجيًا، لا مجرد أعمال فردية. واصفًا تجربته بأنها واسعة لدرجة يصعب حصرها، فقد أتقن ثلاث لغات، وترجم وألّف كتبًا، من بينها كتاب عن الضحك والكوميديا مستلهمًا من هنري برغسون.

وطوّر عادل فكرة “مسرح الأكثرية”، التي سعى إليها كرومي، حيث لم يتخلَّ عن الهوامش بل ضمّنها في صلب الجمهور، وعاد إلى اللهجة العامية والشعر الشعبي، متخلّيًا عن أي نخبوية. كما أشار إلى اشتغاله المبكر على فكرة “المخرج الدراماتورج”، حيث كان يعيد بناء النصوص وزرع أنساق ثقافية جديدة فيها، مستشهدًا بعرض “البرجوازي الصغير” الذي قدمه في دمشق وأثار غضب السلطة، وعرض “ترنيمة الكرسي الهزاز” الذي ناقش العنوسة المرتبطة بالحروب بأسلوب رمزي.

وتوقف عادل عند عرض “مش عيون حزام” الذي قدمه كرومي في مصر، مؤكدًا أنه أعاد إنتاج نصوص عالمية لتتناسب مع البيئة المصرية، كما فعل مع “الإنسان الطيب في ستشوان”. واختتم باستعادة حضور مصر في قلب كرومي، إذ وجّه لها ثلاث مرات عبارة “شكرًا” في أحد كراسته التوثيقية، مذكرًا بمقولة الكاتبة إنعام كجه جي: “حين يرحل الكبار، يختارون كيف يرحلون”، فرحل كرومي بعد عرض “مسافر ليل”.

أما الدكتور جبار جودي، فأكد أن كرومي كان صاحب تجارب إخراجية متباينة، إذ شاهد له أربعة عروض، بدأت بـ”صراخ الصمت الأخرس” الذي وصفه بالأكثر تأثيرًا، ثم العمل الأكاديمي “تساؤلات مسرحية”، و”ترنيمة الكرسي الهزاز” الذي اتسم برومانسية عالية، وصولًا إلى “الإنسان الطيب” الذي جمع كبار الممثلين العراقيين. وخلص جودي إلى أن العروض الأربعة لم تتشابه في أسلوبها الإخراجي، مما يعكس تنوع رؤية كرومي وقدرته على التجديد.

وفي ختام الندوة، أكد الدكتور سامح مهران أن مسرح الهناجر استضاف في حقبته الذهبية ثلاثة من كبار المخرجين العراقيين: جواد الأسدي، وعوني كرومي، وقاسم محمد، مشيرًا إلى أن علاقة المسرح المصري بنظرائهم العراقيين كانت دائمًا متينة وأصيلة. وكشف أن معرفته بكرومي جاءت عبر الصديق المشترك الدكتور يسري خميس، الذي وصفه بأنه أحد عظماء المسرح المصري، وأن اللقاء الأول تحول إلى صداقة وحوار مسرحي عميق، مؤكدًا أن هذه الندوة تمثل امتدادًا لتلك العلاقة التاريخية، وتجديدًا للحوار حول تراث مخرج لا يزال أثره حاضرًا في وجدان المسرح العربي.

Related posts

افتتاح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.. نقيب الفنانين جبار جودي يشارك في انطلاق الدورة الـ33

القاهرة تكرّم القامة العراقية جواد الشكرجي في افتتاح “القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 2026”

د. عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والقائم بأعمال وزير الثقافة يفتتح الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي