كيف تستحضر مسرحية جاكينتو بينافينتي الحائزة على نوبل روح المسرح الإيطالي لتقديم نقد اجتماعي لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
بقلم: فريق التحرير في “ذا ثياتر تايمز”
ترجمة: فريق الترجمة في موقع الخشبة
المصدر: thetheatretimes.com
في عالم المسرح، غالبًا ما تكون الأعمال العظيمة هي تلك التي تخلق حوارًا بين العصور. وهذه هي بالضبط الروح التي يستحضرها مسرح أوديسي (Odyssey Theatre) في إنتاجهم الجديد والمبتكر للمسرحية الكلاسيكية “روابط المصلحة” (The Bonds of Interest) للكاتب الإسباني جاكينتو بينافينتي، الحائز على جائزة نوبل في الأدب.
بإخراج “رون سوسا”، لا يقدم هذا العرض مجرد نسخة طبق الأصل من العمل الأصلي، بل ينفخ فيه روحًا جديدة من خلال الاستعانة بالتقاليد البصرية والحركية لمسرح “الكوميديا ديلارتي” (Commedia dell’arte) الإيطالي، ليخلق تجربة مسرحية فريدة تتجاوز الحواجز اللغوية والزمنية.
بينافينتي وروابط المصلحة: مصير مرتبط بقناع
كتب بينافينتي “روابط المصلحة” في عام 1907، وتسخر المسرحية من طبقة الأرستقراطيين الإسبان المنحطين ونفاق المجتمع البرجوازي. تتبع الحبكة مغامرات “لياندرو”، الشاب الوسيم الطموح ولكن عديم المال، ورفيقه “كريسبين”، الخادم الذكي والمتلاعب.
بينما يحاول الثنائي الصعود في السلم الاجتماعي في مدينة مدريد، يصبح من الواضح أن “الروابط” الحقيقية التي تحكم العلاقات البشرية ليست المودة أو الشرف، بل المصلحة والمال والمنفعة الشخصية. هنا، يرى المخرج “سوسا” أن استخدام أقنعة “الكوميديا ديلارتي” ليس مجرد خيار جمالي، بل هو أداة تحليلية حادة.
يقول سوسا: “الأقنعة تزيح جانبًا كل ما هو غير ضروري. إنها تكشف الجوهر الحقيقي للشخصية. في عالم حيث الجميع يرتدي قناعًا اجتماعيًا، تصبح الأقنعة المادية على المسرح تعبيرًا صادقًا عن النفاق السائد. إنها تخلق مسافة تسمح للجمهور بالضحك على هذه العيوب، ثم التعرف عليها في أنفسهم ومجتمعهم.”
الكوميديا ديلارتي: لغة عالمية من الحركة والسخرية
من خلال تبني أسلوب “الكوميديا ديلارتي”، يتحول النص إلى مشهد حركي مبهر. الشخصيات النمطية مثل “الحكيم” (Pantalone) و”المغازل الطائش” (Il Capitano) تتجسد في شخصيات بينافينتي، مما يعمق من طابعها الساخر. حركات الجسد المبالغ فيها، والإيماءات المعبرة، والمواقف الكوميدية المرتجلة، كلها تعمل على تجسيد موضوعات المسرحية بشكل مرئي وبليغ.
هذا الدمج لا يجعل العرض أكثر متعة وحسب، بل يبرز براعة بينافينتي في صياغة حبكة كوميدية تصلح لأن تُرتجل، مما يثبت أن الهيكل الأساسي لمسرحيته قوي وشامل بما يكفي لاستيعاب أشكال فنية مختلفة.
لماذا لا تزال “روابط المصلحة” ذات صلة اليوم؟
في عصرنا الحالي، حيث تحكم وسائل التواصل الاجتماعي وتسيطر الصورة العامة والمصالح الاقتصادية على الكثير من علاقاتنا، تبدو رسالة بينافينتي أكثر راهنية من أي وقت مضى.
هل نحن حقًا أحرار في اختياراتنا العاطفية والاجتماعية؟ أم أن “روابط المصلحة” الخفية هي التي تقودنا في كثير من الأحيان؟ هذا الإنتاج لا يقدم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة مزعجة من خلال قالب من الكوميديا الذكية والمرئيات الآسرة، مما يدفع الجمهور للتأمل والمناقشة حتى بعد مغادرة قاعة المسرح.
خلاصة:
إنتاج مسرح أوديسي لـ “روابط المصلحة” هو أكثر من مجرد عرض مسرحي؛ إنه حوار فني بين إسبانيا وإيطاليا، وبين الماضي والحاضر. إنه دليل على أن المسرحيات العظيمة لا تشيخ، بل تكتسب أبعادًا جديدة مع كل تفسير مبتكر. من خلال الجمع بين النص الذكي لبينافينتي والتقنيات التعبيرية للكوميديا ديلارتي، يقدم هذا العرض تجربة مسرحية غنية، تذكرنا بأن أقوى الروابط البشرية قد تكون، للأسف، تلك التي نسعى لإنكارها: روابط المصلحة.