لندن: علي كامل
“أعرفُ أنَّ رحيلي سيحزُنُك. أنا آسفٌ على ذلك. أرجو أن تكوني على يقينٍ أنَّ بقائي في هذا المنزل لم يعد يُطاق، ولم يكن بوسعي التصرُّفُ بشكلٍ آخر، فأنا أفعلُ ما يفعلُهُ كبارُ السِّن مثلي عادةً. لقد قررَّتُ التَّخلّي عن حياتي الدنيويَّة لأُمضي أيامي الأخيرةَ في عُزلةٍ وهُدوءٍ. أرجو أن تتفهَّمي هذا ولا تلاحقيني“.
هذه هي الرسالة الأخيرة التي تركها ليف نيكولايفتش تولستوي لزوجته سونيا أندريفيتش في فجر موحش وحزين من شهر أكتوبر عام 1910، هارباً من منزله الذي عاش فيه قرابة خمسة عقود ليموت في كوخ حارس محطة قطار أستابوڤا، رافضاً قبول زيارة زوجته لتُلقي عليه النظرة الأخيرة.
بعد أكثر من أربعة عقود من زواج رومانسي وحياة عائلية سعيدة، بدأ الزوجان في التباعد روحياً يوماً بعد يوم. كان تولستوي يمرّ حينها بأزمة روحية دفعته إلى مسار جذري جديد، في حين لم تمر صوفيا تولستايا بذلك. كانت سعيدة بحياتهما الأُسَرَية وهي في خدمة كاتب عبقري ودعم مسيرته الأدبية التي كانت تُجلّها. أما بالنسبة لتولستوي، فقد أصبح نمط الحياة هذا، على بساطته وفقاً لمعايير كثيرة، عذاباً أخلاقياً. كانت ملامح تلك العلاقة معكوسة في روايته القصيرة “سوناتا كرويتزر” التي
كتبها عام ١٨٨٩، التي يعترف فيها بطل الرواية بوزدنيشيف بقتله زوجته بعد نوبة غيرة بسبب علاقتها بعازف موسيقي. ونظراً لطبيعة ثيمة الرواية غير المألوفة والمثيرة للجدل في ذلك الوقت، مُنع نشر هذه الرواية حينها ولم يسمح الإمبراطور ألكسندر الثالث بنشرها ضمن الأعمال الكاملة لتولستوي إلا بعد محادثة بين الكونتيسة الكساندرا أندرييفنا تولستوي “عمة تولستوي” والإمبراطور ألكسندر الثالث) إلا إنَّ حظر الرواية زاد من جاذبيتها إذ بدأت توزّع سِرّاً في المنازل الخاصة قبل نشرها بفترة طويلة.
لاقت الرواية استحساناً من البعض، واستنكاراً من البعض الآخر، فقد وصفها الكاتب الفرنسي إميل زولا بأنها “كابوس… نابع من خيال مريض”.
في دفتر مذكراتها، كتبت صوفيا تولستايا (لا أعرف كيف أو لماذا ربط الجميع سوناتا كرويتزر بحياتنا الزوجية، لكن هذا ما حدث، والآن يشعر الجميع بالأسف تجاهي، بدءاً من القيصر نفسه، وصولاً إلى شقيق ليف نيكولايفيتش تولستوي، وصديقه المقرب دياكوف. ولا يقتصر هذا الأمر على الآخرين فحسب، فأنا أيضاً أعلم في قرارة نفسي أن هذه الرواية موجهّة ضدي، وأنها ألحقت بي ظلماً فادحاً، وأهانتني أمام العالم، ودمرت آخر بقايا الحب بيننا. وكل هذا، بينما لم أخطئ في حق زوجي ولو لمرة واحدة طوال حياتي الزوجية، ولو بنظرة خاطفة أو حتى بإيماءة واحدة إلى رجل آخر!”
وهكذا مرّت سمعة صوفيا تولستايا بمراحل عصيبة منذ وفاة تولستوي، فقد شُوهت صورتها لسنوات طويلة، بوصفها الزوجة المجنونة التي كانت سبباً في هروب تولستوي وموته. وقد بُذلت جهود حثيثة لإعادة تقييم ما جرى ورد الاعتبار لها من خلال نشر مواد جديدة عن حياتها، مثل ألبوم صورها ومذكراتها ورواياتها القصيرة. ومن المثير للاهتمام أن روايتها “أغنية بلا كلمات” كتبت رداً على رواية تولستوي “سوناتا كرويتزر”. أما روايتها الثانية “من المخطئ” أو “من المَلوم؟”، فهي تروي قصة رجل مهووس بالكتابة، غير مُبالٍ باحتياجات زوجته، يتمتع بـ “شهوة جنسية جامحة”، وهو على الأرجح مستوحى من زوجها الذي عاشت معه.
تُرى، من يتحمل وزر هذا اللوم الأكبر حقاً في فشل هذه الزيجة، لعلَّ هذا المقطع المجتزأ من كتاب ابنتهما تانيا، “تولستوي في الذاكرة” (الذي صدر بعد وفاة تولسنوي) يتضمن بعض الإجابة، حيث تقول:
“هكذا كانت حياة هذين الكائنين معاً، مرتبطين ارتباطاً وثيقًا بالحب المتبادل، كما كانا متباعدين باختلاف طموحاتهما.
قريبين جداً من بعضهما، لكنهما متباعدين أيضاً إلى ما لا نهاية. حالة فريدة من صراع أبدي، بين قوة الروح وسيطرة الجسد. ومن ذا الذي سيجرؤ على اتهام أحدهما بالذنب؟
بُنية النص والرؤية الإخراجية
يُعرَف الكاتب المسرحي الأمريكي جيمس گولدمان ببراعته في تصوير الخلافات الزوجية، ففي مسرحيته “الأسد في الشتاء”، حوّل غولدمان خلافات هنري الثاني ملك إنكلترا (القرن الثاني عشر) مع زوجته الملكة إليانور آكيتاين، التي تتمحور حول السلطة وعلاقات هنري الغرامية مع نساء أخريات، إلى كوميديا لاذعة على طريقة برودواي. وفي
مسرحيته الجديدة “تولستوي” التي يجري عرضها على خشبة مسرح Aldwych Theatre اللندني، سعى الكاتب لإلقاء
الضوء على الأسابيع الأخيرة من حياة الكاتب الروسي ليف تولستوي وسبب هروبه من زوجته ومنزله.
اعتمد المؤلف في تشييد هذه الدراما على مراجع وثائقية عديدة ومتنوعة، لعل أهمها تلك التي دوَّنها أفراد عائلة الكاتب وأصدقاؤه ومريدوه، هذا إذا أضفنا لها نتاجات الكاتب نفسه ومذكراته، لا سيما روايته الشهيرة “آنّا كارينينا”، وروايته القصيرة “سوناتا كرويتزر”.
في رؤيته الإخراجية عثر المخرج جاك هوفسيس على تماهيات بين شخصية صوفيا أندرييفنا وشخصية آنـا كارينينا، لا سيما ذلك الجانب المتعلّق بموضوع الخيانة الزوجية، فليس خافياً أن صوفيا تولستايا كانت قد أقامت علاقة حب، وبشكل معلن، مع الموسيقار الشاب تاناييف الذي كان تلميذاً لجايكوفسكي آنذاك، تاركة جرحاً عميقاً في قلب تولستوي لم يلتئم حتى وفاته.
في دفتر مذكراتها الأخير، وبعد وفاة تولستوي نعثر على هذه الجملة: “أغفر لي يا ربّي كل شيء” وهي جملة آنّا كارينينا الأخيرة في الرواية.
ثمة تماه جليٍّ آخر بين شخصية تولستوي وشخصية الملك لير، فكلاهما يجسّد مخاطر التخلي عن الأرض “بطريقة ملتوية”، على حد تعبير أورويل، “لتحقيق مكاسب شخصية”، وكلاهما يُظهران مرارة الخلافات العائلية التي تلي ذلك. كما أن هروب تولستوي المشؤوم عبر الريف وموته في منزل ناظر محطة أستابوفا، يشبهان إلى حد كبير تجارب لير في البراري وفي كوخ حارس القلعة.
الممثل السينمائي الشهير ف. موراي إبراهام الذي حاز على جائزة الأوسكار عام ١٩٨٤ كأفضل ممثل عن دوره (ساليري) في فيلم أماديوس لعب دور تولستوي. أما دور صوفيا فقد جسدته الممثلة جيما جونس. إلى جانبهما ماثيو مارش الذي لعب دور فلاديمير تشيروكوف، محرّر أعمال تولستوي، وكاترين كانتر بدور ساشا ابنة تولستوي، مضافاً إليهم ثمانية ممثلين
لعبوا ادواراً ثانوية جسدوا فيها أفراداً واصدقاء عائلة الكاتب وفرقة الغجر. أما مخرج العمل فهو جاك هوفسيس القادم من برودواي بدعوة من مسرح آلدويتش اللندني لإخراج هذا العمل.
شطر العرض شخصية تولستوي إلى نصفين، أحدهما المؤلف الأخلاقي، والآخر الإنسان الزاهد. معروف أن تولستوي حين بلغ ذروة مجده تخلى عن الكتابة، بل وتنكّر لجُل نتاجاته الإبداعية، متوجهاً صوب الحياة بقواعد مثالية يصعب تطبيقها على السلوك في مجتمع فلاحي مثل مجتمع روسيا آنذاك، بل أن تلك القواعد ذاتها كانت لا تجد استجابة لها حتى في منزله، حيث الجميع كان قد تنكَّر لها بمن فيهم زوجته صوفيا أندرييفنا التي اعتبرتها نوعاً من تضليل الذات.
صوفيا، هي الأخرى، تم شطرها إلى قسمين، الأول، صوفيا الزوجة الوفية المخلصة التي أمضت حياتها تنسخ كتاباته تحت ضوء الشموع باختيار مفعم بالرضا والإعجاب، الزوجة التي عاشت معه قرابة خمسة عقود وأنجبت له ثلاثة عشر طفلاً،
حين كان المنزل يتلألأ بالبهجة والدفء. أما الشطر الثاني فيتمحور حول صوفيا التي تستفيق أنوثتها فجأة بعد فوات الأوان، لتبحث عن ذاتها وهويتها المستقلة بعيداً عن أضواء شهرة الزوج وقواعده المثالية.
هذه الثنائيات شرعت الأبواب على مصراعيها لنشهد مواجهات وتناقضات محتدمة بين عالمين غير متكافئين وصراعاً سيتحول إلى احتراب دائم لإثبات الذات، لاسيما الجانب الأضعف، وأعني صوفيا، التي ستشهر سلاح المذكرات والاتهامات سبيلاً لتشكيل ملامح معركتها القادمة. ومع ذلك، ليس ثمة تكافؤ لصراع كهذا، فإذا كان سلاح تولستوي المعرفة والحكمة ونكران الذات وحب الفقراء، فماذا سيتبّقى لصوفيا؟ هنا تنبثق تساؤلات عدة: هل صوفيا هي ضحية لشهرة زوجها؟! هل طغى الحسد والغيرة على روحها، بدافع عجزها على الكتابة، أو ربما افتقارها إلى الموهبة؟ لماذا بدأت صوفيا تزدري
عالم الأدب، وأدب تولستوي بالتحديد؟ لماذا استيقظت أنوثتها فجأة وهي في عقدها الرابع، وراحت تتعلّم عزف الموسيقى تحت إشراف أشهر موسيقار روسي بعد تشايكوفسكي؟ أكان زواجها من رجل يكبرها سناً وعاجز عن تلبية حاجاتها الجنسية وراء ذلك؟ أسئلة كهذه كانت تنسج خيوط العرض بتؤدة وفطنة.
گولدمان، في رسمه لشخصية صوفيا، يكشف بعمق عن الحس البورجوازي في شخصيتها، وهو ذات الحس الذي قاد آنـا كارينينا إلى الهاوية. ففي الوقت الذي كان تولستوي منكباً على الكتابة، هائماً في حقول الفلاحين، مهموماً بأوجاعهم، كانت صوفيا في ترحال دائم بين موسكو وبطرسبورغ، منغمسة في ملذاتها الخاصة وحفلاتها الموسيقية.
حين يتخلى الموسيقار الشاب تاناييف عنها بدافع وقاره لهيبة ومكانة تولستوي، تعكف هي في المنزل، وتُدمن على تناول الكحول، لتحل ابنتهما ساشا بدلها، تنسخ مذكرات والدها وتداري شيخوخته ومرضه. وهكذا تصبح ساشا ومعها فلاديمير تشيرتيكوف، بالنسبة لصوفيا، بمثابة سد منيع يفصلها عن تولستوي.
فشلها في ترميم علاقتها بتولستوي، يقودها إلى الإصابة بهيستريا تدفعها إلى محاولات عديدة للانتحار. إحساسها بالاضطهاد والخطر، يدفعانها إلى ارتكاب حماقتها الأخيرة، حين تتهّمُ زوجها الهرم بعلاقة شاذة مع صديقه ومحرر كتاباته تشيرتكوف. تلك الفعلة الدنيئة التي تصيب تولستوي في الصميم وتدفعه لحرمانها وأبنائه، باستثناء ابنته ساشا وفلاحيه، من كل ثروته، ما يدفعها إلى الضياع والجنون.
يُختتم العرض بمشهد غرائبي لمصير تولستوي، حيث يغادر منزله ويضل طريقه إلى غابة محتشدة بالغجر، فيعلق بإحدى الغجريات ليرقص معها رقصته الأخيرة، (تلعب دورها الممثلة جيما جونس) على أنغام موسيقى الفالس التي كتبها في شبابه، مدعومة بآلة البالالايكا الفولكلورية الروسية. تتوقف الرقصة فجأة، ويسود صمت، ثم نسمع مونولوج بصوت موراي أبراهام يأتي من بعيد: “أخبريني بصدق، هل تريدين أن تكوني زوجتي؟ فقط إن استطعتِ، من صميم قلبك، أن تقولي نعم دون خوف. وإن كان لديكِ أدنى شك، فالأفضل أن تقولي لا. بالله عليكِ، اسألي نفسكِ هذا السؤال بكل صدق”. هذا المقطع مجتزأ من الرسالة الشهيرة التي تقدم فيها تولستوي لخطبة صوفيا أندرييفنا وهي في سن الثامنة عشر عاماً، وهي نفس المشاعر التي منحها لشخصيته البديلة، قسطنطين ليفين، قبل زفافه في روايةآنا كارينينا.
موراي أبراهام، النجم الشهير، الذي برع بأداء دور ساليري في فيلم “أماديوس” لم يمنحنا سوى فرصة ضئيلة لنشهد تناقضات تولستوي والتلميح إلى مماته مضطهداً بسبب شعوره بالإثم الأخلاقي الدائم”. ومع ذلك ورغم عتمة الأحداث ومرارتها، أستطاع أن يضفي نوعاً من المرح والبهجة على العرض بطرائقه الذكية وحركاته الرشيقة وروح الطفولة التي أشاعها في سلوك بطله. أما جيما جونس، فقد توزعت شخصيتها بين ندم آنّا كارينينا ولوعة صوفيا تولستوي، واستطاعت أن تقف قبالة ممثل كبير مثل موراي أبراهام كقطب صراع، مانحة العرض توازنه وقوته. كذلك كاترين كانتر “ساشا” وماثيو مارش “تشيرتكوف” فقد كانا بمثابة دعامة ثالثة تسند العرض. لقد استطاع هؤلاء الأربعة أن يحيلوا العرض حقاً إلى ما يشبه قصيدة غنائية.
***