الممارسة الدراماتورجية: بعض التأملات حول العمل على الأفعال في الأداء التمثيلي

بقلم: أنجيليكا هورليخ

ترجمة : فريق الترجمة في موقع الخشبة

عندما أعمل كمستشارة دراماتورجية مع ممثلين في أثناء البروفات، أو أقود ورش عمل مع طلاب التمثيل، غالباً ما أطرح هذا السؤال: “ما الذي تفعله الشخصية في هذه اللحظة؟” يبدو هذا سؤالاً بسيطاً، لكنه في الواقع يحمل قدراً كبيراً من التعقيد. في بحثي كممارسة وباحثة في مجال الدراماتورجية، أقوم حالياً بتطوير منهجية للعمل على “الأفعال” في الأداء التمثيلي، والتي أطلق عليها اسم “الأفعال الدراماتورجية” (Dramaturgical Actions). هدفي هو تقديم أدوات عملية يمكن أن تثري عملية البروفات وتعمق الفهم المشترك للنص بين المخرج والممثلين والدراماتورج، وصولاً إلى المشهد النهائي.

هذه المنهجية ليست وليدة الصفر، بل هي نتاج استيعابي لمناهج متعددة في التحليل الدرامي والأدائي، مع تطويري لأدوات جديدة تتناسب مع العملية الإبداعية في البروفات. على مدى العقدين الماضيين، لاحظت تحولاً في العمل المسرحي بعيداً عن النص المحض الذي يعتمد على “المنطق” و”الدافع النفسي” وحسب، وباتجاه ما يسمى بـ”المسرح ما بعد الدرامي” الذي يضع الأحداث الجسدية والمواد والمؤثرات في المقدمة. لكن هذا لا يعني أن النصوص “الدرامية” التقليدية (من شكسبير إلى سارة كين) قد فقدت أهميتها، بل على العكس، ما زالت تشكل العمود الفقري لمعظم إنتاجات المسارح الألمانية والعالمية.

لذلك، فإن السؤال الجوهري هو: كيف يمكننا اليوم قراءة وتحليل النصوص الدرامية وتقديمها على الخشبة بطريقة تتجاوز التفسيرات النفسية التقليدية؟ هنا يأتي دور مفهوم “الأفعال”.

في مجال التمثيل، يشير مصطلح “الفعل” غالباً إلى تقنيات مثل تلك التي طورها المخرج الروسي العظيم قسطنطين ستانيسلافسكي ومن بعده سانفورد مايسنر، حيث يركز الممثل على فعل محدد وواقعي يقوم به على الخشبة (مثل “إقناع” شخص آخر، أو “تهدئة” نفسه) لتحقيق هدف شخصيته. هذه المنهجيات ركزت بشكل كبير على العالم الداخلي للشخصية ودوافعها النفسية.

ما أطرحه يختلف بعض الشيء. أنا مهتمة بـ “الأفعال الدراماتورجية” التي تشمل، ولكنها تتجاوز، الدافع النفسي. إنها أفعال يمكن ملاحظتها من الخارج، سواءً من قبل الشخصيات الأخرى على المسرح أو من قبل الجمهور. إنها تشكل النسيج الدرامي للحدث المسرحي نفسه. فكر في الأمر على هذا النحو: كل فعل يقوم به الممثل يخلق رد فعل، وكل رد فعل يولد فعلاً جديداً. هذه السلسلة من الأفعال والتفاعلات هي التي تبني التوتر الدرامي وتدفع الحبكة للأمام. هذه الأفعال ليست مجرد تعبير عن مشاعر الشخصية، بل هي قوى دافعة تشكل علاقات القوة بين الشخصيات، وتكشف الصراعات، وتغير مجرى الأحداث.

لتوضيح الفكرة، دعونا نأخذ مثالاً من مسرحية “هاملت” لشكسبير. في مشهد “الفأر” الشهير (الفصل الثالث، المشهد الرابع)، حيث يواجه هاملت والدته الملكة جرترود في غرفة نومها. التفسير النفسي التقليدي قد يركز على غضب هاملت وكرهه لأمه وشعوره بالخيانة. لكن إذا حللنا المشهد من خلال منظور “الأفعال الدراماتورجية”، سنرى سلسلة من الأفعال المادية واللفظية المحددة: هاملت يُجبر جرترود على الجلوس، يُقارن صورتين (صورة والده وصورة كلوديوس)، يُوجه اتهامات محددة، يُرهبها جسدياً عندما يقتل بولونيوس خلف النسيج. من جهتها، جرترود تحاول الدفاع عن نفسها، الاستعطاف، الإنكار، ثم في النهاية الاعتراف الضمني بذنبها. كل من هذه الأفعال يغير ديناميكية العلاقة بينهما ويقربهما خطوة نحو ذروة المأساة. الفعل ليس مجرد “يعبر عن غضبه”، بل هو “يوجه اتهامًا قاطعًا” أو “يستخدم جسد المقتول (بولونيوس) كدليل مادي”.

كيف نطبق هذا عملياً؟

في البروفات، يمكن للمخرج والدراماتورج والممثلين العمل معاً على تحديد هذه “الأفعال الدراماتورجية” في كل مشهد. يمكن طرح أسئلة مثل:

  • ما الفعل المحدد الذي تقوم به شخصيتك تجاه الشخصية الأخرى في هذه الجملة أو هذه الحركة؟ (هل هو: استجواب، تحذير، استفزاز، مواساة، استرضاء، تهديد، كشف حقيقة… إلخ؟)
  • كيف يغير هذا الفعل موقف الشخصية الأخرى؟ هل يجعلها أكثر ضعفاً؟ أكثر عناداً؟ أكثر خوفاً؟
  • ما هو رد الفعل الذي يولده هذا الفعل؟ وكيف يصبح هذا الرد فعل فعلًا جديدًا بدوره؟
  • ما هي العلاقة بين الفعل اللفظي والفعل الجسدي؟ هل يتوافقان أم يتناقضان؟ (مثلاً، قول “أنا أحبك” بنبرة باردة وباردة هو فعل “نفي” أو “تشويه” للحب، وليس تأكيداً له).

هذا التحليل يساعد الممثل على تجسيد ديناميكية المشهد بشكل ملموس، ويمنح المخرج إطاراً واضحاً لبناء الإيقاع والعلاقات على المسرح، ويساعد الدراماتورج على فهم كيفية تطور الصراع والموضوعات الدرامية عبر سلسلة من الأحداث الفعلية، وليس فقط عبر المشاعر.

ختاماً، فإن العمل على “الأفعال الدراماتورجية” هو محاولة لسد الفجوة بين التحليل النصي الثابت والممارسة الأدائية الحية. إنه يذكرنا بأن الدراما، في جوهرها، هي فن الأفعال والصراع والتغيير. ومن خلال التركيز على هذه الأفعال كوحدات بناء درامية، يمكننا إحياء النصوص الكلاسيكية والمعاصرة على حد سواء، وكشف طبقات جديدة من المعنى، وخلق عروض مسرحية قوية وحيوية تتحدث بلغة المسرح الأساسية: لغة الفعل ورد الفعل.


المصدر الأصلي للمقال

Related posts

روميو وجوليت .. مغزى الحب عبر لعبة الضوء والعتمة

بغداد تُعيد إحياء عروس المسرح العربي… اطلاق استمارة المشاركة في مهرجان بغداد الدولي للمسرح بدورته السابعة

GREASEPAINT مونودراما “الماكياج المسرحي”مزج هارموني بين الڤودﭬيل والكابوكي على خشبة مسرح “ليريك اللندني”