أيها المخرجون.. لا تصدعوا رؤوسنا بمظلوميتكم

بقلم: رئيس التحرير

يكابِد الفنان شهوراً طويلة بين جدران القاعة المغلقة، يحفر في الصخر، ويفتش عن المعنى والدهشة، ليضع روحه وخلاصة تجربته على خشبة المسرح. وحين ينتهي العرض، ويتوج الجهد بتفاعل هنا أو تصفيق هناك، يصبح المخرج في حالة انحياز شبه كامل لوليده الإبداعي؛ فهو يرى في عرضه “التحفة الأصفى”، والعمل الذي لا يُضاهى. هذا الشغف المشروع هو الوقود الذي يحرك أي مبدع، ولولاها لانطفأت جذوة المسرح من أساسها. لكن الكارثة تبدأ حين يتحول هذا الانحياز العاطفي المطلق إلى قناعة عميقة بـ “المظلومية”، وإلى إطلاق الاتهامات يميناً ويساراً، واعتبار كل إخفاق في نيل الجوائز مؤامرة مدبرة، أو ترصدًا من “ثلة” حاقدة تحجب الاستحقاق عن أهله!

لقد طالعنا مؤخراً، وكما يتكرر في كل موسم مهرجانات، سيل من التذمر والاتهامات الموجهة للجان التحكيم بحجب الجوائز دون مسوغات معلنة، إثر إعلان نتائج مهرجانات عربية كبرى. ومثلما شاركنا، واحتفينا أحياناً بنيل جوائز رفيعة كمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أو ايام قرطاج الدولية للمسرح او مهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح او مهرجان بغداد الدولي للمسرح وغيرها الكثير من المهرجانات المحترمة ، فإننا نصطدم غالباً بذات العويل حين تذهب الجوائز لغيرنا. وهنا يقفز السؤال المشروع بلا توجس: هل لجان التحكيم حقاً هي الوجه الآخر لـ “الجريمة المنظمة” ضد الإبداع؟ أم أننا كصناع مسرح نرفض أن ننظر في المرآة لنرى عيوبنا بعين الحقيقة لا بعين القبول الدائم ؟

لنكن شجعاناً وصريحين إلى أبعد الحدود: إن المخرج ليس حكماً عادلاً على عمله الخاص. تماماً كما يرى كل أب أبناءه أذكى وأجمل البشر، يرى المخرج عرضه هو الأعظم في العالم. لكن الواقع المسرحي قاسي ومتعدد الزوايا؛ فبينما نرى نحن أبعاداً فلسفية وجمالية عميقة في عروضنا المسرحية على الخشبة ، قد يرى المحكمون -بمرجعياتهم النقدية المختلفة- ترهلاً في الإيقاع، أوضعفاً في الأداء، وربما يغادر نصف الجمهور القاعة تائهاً بين ثقل النص ومحدودية الاخراج او ضعف التمثيل. المسرح ليس بمعزل عن التلقي النسبي، وقبولنا بدخول “المسابقات” يعني ضمناً توقيعنا على عقد احترام قواعدها، وأول تلك القواعد: قبول النتيجة بحلوها ومُرها، واحترام خيارات لجان التحكيم حتى وإن قست علينا أو خيبت ظنوننا.

إن تحويل لجان التحكيم إلى “شماعة” نعلق عليها خيباتنا هو هروب فكري ومأزق رخيص. الجوائز في الحقيقة ليست هي النهاية .. الجوائز مجرد أوراق تذكارية أو فقاقيع مؤقتة ينسى أمرها الجميع صباح اليوم التالي، ولا يتبقى سوى الفعل الإبداعي الحقيقي والأثر الباقي في ذاكرة الناس. بالرغم من انها حافز للتقدم والابداع وتضع مسؤولية كبيرة على المبدع .

أما آن لهؤلاء الغاضبين أن يترجلوا عن منصات اتهام النوايا، وأن يوجهوا طاقاتهم المشتعلة نحو بروفات العمل القادم؟ إن الشجاعة الحقيقية للمخرج لا تكمن في البكاء على اللبن المسكوب، بل في القدرة على قراءة الإخفاق بمجهر النقد الموضوعي، والبحث عن الخلل لكي لا يتكرر. فلنحترم قواعد اللعبة، ولنحترم الرأي الآخر، ولندع المسرح يتنفس بعيداً عن ثقافة المظلومية التي لا تصنع فناً، بل تهدم ما تبنيه الأيام. والتي صدعتم رؤوسنا بها منذ سنين .

Related posts

 مهرجاناتنا المسرحية العربية: من ثقافة التكرار الى استراتيجية التكامل

الى بعض المسرحيين العرب .. لماذا تتحول صفحاتكم الشخصية إلى مسرحيات بائسة ؟

نحو موسم مسرحي وطني متنوع: استراتيجية إنتاج وجذب ودعم مستدام