مسرح المعركة العراقي: أشلائه وضحاياه بين اغتصاب الواقع والدعوة الى الموت
هوشنك وزيري *
مقدمة
تم إقحام المسرح العراقي قسرا، شأنه شأن الحقول الأدبية والفنية الأخرى، في مجال الدعاية الآيديولجية والتعبوية المبتذلة أثناء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي. وشأنه شأن الحقول الكتابية والبصرية الأخرى تم تجنيد المسرح وتحويله إلى مجرد جندي، ليست مهمته القتال بقدر ما هي الدعوة إلى، والتحريض على، الموت “ذوداً عن الوطن والقائد.”
كان جسد القائد يتضخم اخطبوطيا يوما بعد آخر حتى أصبح بحجم الوطن مستوليا على كل شيء: ساحات وشوارع المدينة، البيوت والمدارس، علاقة الأب بأبنه، والزوج بزوجته وأطفاله، القصائد والقصص والروايات، اللوحات والأفلام والمسرحيات. وبما أن القائد أعلن الحرب فكان على الكل، الزوج والأبن والأدب والفن أن يلتحق بجبهات القتال ذودا عنه وعن كل ما يمثله ومن ضمنه الوطن. وهكذا نزع الأدب والفن عنهما زي الجمال “Aesthetics” بكل علومه استعدادا لتراب المعركة ودمائها.
لكن ماذا يحدث حين يهجر المسرح الواقعَ ويلتحق بالجبهة الشرقية وهو يحمل شخوصه وحكاياته؟ يقوده في رحلته هذه جيش من الفنانين والكتاب والنقاد وهم يتباهون بأزيائهم الكاكية الأنيقة. هذا هو السؤال الجوهري الذي تحاول هذه الورقة الاقتراب من الإجابة عليه عبر بناء قراءة في مسرح عراقي اتخذ من الحرب وما تشحنه من غريزة الموت والدعوة إلى “الشهادة” ثيمة رئيسية لبنيته الدرامية الرئيسية.

عملية اختزال الواقع
“كان اندلاع الحرب بيننا وبين العدو الايراني امتحاناً لقدرة المسرح على مواجهة مهامه الوطنية… لقد فاجأت الحرب فنانينا وقلبت مشاريعهم رأساً على عقب… اذ جعلتهم يواجهون، ربما لأول مرة، معضلة معقدة هي : كيف يقدمون مسرحيات تعبر عن عظمة الحرب وعدالتها؟”
أحد النقاد المسرحيين العراقيين – مجلة آفاق عربية، عدد أيار/١٩٨٣.
ربما تمثل الفقرة أعلاه التي تبني ذاتها على ثالوث الحرب والعدو والمسرح مدخلا ، وهي مأخوذة من مقالة نقدية لاحد النقاد المسرحيين العراقيين كتبها في بدايات الحرب العراقية الايرانية، مدخلاً مثالياً لاكتشاف وقراءة ما طرأ وما فُرض من تغييرات على المسرح العراقي بعد بدء الحرب. فمحاولة الذهاب باتجاه الكلام عن الحرب بوصفها “امتحاناً” لقدرة حقل فني جمالي، وبالتالي تجنيده (أي المسرح) قسراً بهدف “مواجهة مهامه الوطنية”، ما هي إلا محاولة في بناء عملية أدلجة فاضحة للحقل المسرحي من خلال تجريده من وظيفته الجمالية وقيمه الفكرية، التي تمتاز بتعددية مستوياتها، ومن ثم شحنه تعبوياً بـ “عظمة الحرب وعدالتها” وقيمها ذات البعد الواحد، القتل أو الشهادة، لا فرق بينهما، بهدف احراز النصر. لكن لا تتم عملية الادلجة إلا عبر الاشتغال على تهشيم “الواقع” بهدف الغائه او ازاحته، أو اختزال الواقع بكل تعرجاته الى قيمة مجردة واحدة.
فالواقع يملك صيرورة حركية قادرة على فضح ما تحاول الآلة الآيديولوجية فرضه من صورة جامدة ومسطحة. ومثل ما يحدث في كل الآيديولوجيات الشمولية الكبرى كان لا بد من عملية تحرير وقصقصة تعرجات ومستويات الواقع وإنتاج واقع واحد يملك مستوى واحدا وقيمة مجردة واحدة. وهكذا تحول الواقع إلى أولى ضحايا ما درج على تسميته مسرح المعركة آنذاك عبر استهداف عملية الأدلجة، بالدرجة الاساس، عزل المسرح كلياً عن اشتغاله على الواقع الحي بتعددية صوره وتعقيدات اشكالياته، وخلقها واقعاً آيديولوجياً مسطحاً حيث تمثل الحرب فيه الواقع الوحيد والاكثر قداسة، بينما يمثل الموت الشخصية الدرامية الأكثر بطولة في سياقات الواقع الموازي/الوهم.
نقيضا معادلة واحدة: المسرح والحرب
ترى ما الذي تنتجه معادلةٌ فكرية يقف على أحدِ طرفيها المسرحُ، بينما على طرفِها الآخر تقف الحرب؟. يقف المسرحُ، الذي هو في أحد أبعاده الأكثر جوهرية ليس إلا احتفاءاً بالجسد الانساني في سياق عملية أدبية / فنية تعمل على ابداع واختلاق واقع منظم ومبني وفقاً لقوانين وآليات فكرية وجمالية مسبقة، يقف هذا المسرحُ في مواجهة الحرب التي يَستهدف واقعُ مسرحها بالدرجة الاساس إلغاء الجسد الانساني وحيزه الوجودي الشامل. وللحرب مسرحها الذي كثيرا ما لا يخضع إلا لقسوة الفوضى.
ربما تكمن الاجابة الأولية والأكثر سهولة، والتي لجأ اليها المسرحُ العراقي في ثمانينيات القرن الماضي بكل سطحية ودون أي تردد معرفي، في محاولة ايصال طرفي المعادلة ببعضهما البعض ودمج المصطلحين بكل تناقضاتهما الاشكالية لينتجا عنواناً اشكالياً واحداً، أي ما أصطلح عليه ابتذالاً بـ”مسرح الحرب” والذي بدأ يغزو خشبات المسارح في بغداد بالاضافة الى الصحافة والاعلام العراقي الرسمي عقب الحرب العراقية الايرانية التي اندلعت في أيلول 1980.
وغالباً ما ينتهج المسرح الذي يتناول الحروب وقضاياها بشكل عام موقفين واضحين وسهلين، الى حد ما، في الاعلان عن ذاته الفكرية والتعريف بهويته الآيديولوجية. أولاً، المسرح الذي ينصب خشبته بعيداً ، كموقف وليس كحكاية درامية، عن جبهة المعارك ليُدين الحرب عبر الايغال في إظهار مشاهد الموت/ التدمير/ التفكك الانساني… وتجسيد كل هذا في أقسى تجلياته الآيديولوجية. ثانياً، النقيض الآخر، وأقصد المسرح الذي لا يتوانى عن الالتحاق بجبهات القتال مدججا بأناشيد حماسية بطولية ومسلحاً بغريزة الموت عبر تمجيد تراب الوطن وشحذ همم مقاتلين يتحولون في لحظات الى حفنات من التراب، أو كيل المديح والثناء لقادة أبطال يتحولون بقدرة الآيديولوجيا والقمع الى أنصاف آلهة.
وسأحاول هنا، في هذه الورقة، تناول المسرح الثاني الذي لم يتردد في حمل طبول الحرب، آمنا بضرورة خوض المعارك، ومستبدلاً، في سياق عملية دلالية في غاية القسوة، جسد الممثل ووظيفته، التي هي انتاج المعنى، بجسد الجندي ومهمته التي هي القتل، او باللغة الآيديولوجية التي كانت سائدة في ثمانينيات العراق، مشروع شهادة. وكل هذا كان يتم بطيئاً عبر خوض هذا المسرح عملية تضليل شرسة للواقع، وانتهاجه استراتيجية تبديل صور هذا الواقع.
مسرح المعارك
هناك حقيقة تاريخية في غاية الاهمية ولا يمكن انكارها فيما يتعلق بسيرة الدولة العراقية، وهي غياب شبه كلي لعنصر الاستقرار عن الجغرافيا السياسية منذ بداية العشرينيات من القرن الماضي. فعلى الصعيد الداخلي أبرع العراق في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين في حياكة مؤامرات سياسية حادة أدت الى قيادة عمليات انقلابية دموية واحدة تلو الاخرى. ومع شهر أيلول عام 1980 دخل العراق مرحلة جديدة كلياً في تأريخها لا زالت تاثيراتها السياسية والمجتمعية والاقتصادية قاسية على خارطة الحياة العراقية، وهي مرحلة بناء “عدو” وبالتالي ضرورة التوجه الى الحرب.
فقد بدأ العراق في خوض حروب مدمرة خارج حدودها تحت يافطات آيديولوجية متعددة، كما ولم يتورع عن شن معارك تميزت بضراوتها وشراستها على أعداء داخليين من المختلفين قومياً أو مذهبياً أو آيديولوجياً. واذا ما أردنا ان نبني وصفاً تقريبياً أولياً لعلاقة العراق بالحرب، فيمكننا القول ودون أي حذر أن حروبا مختلفة ساهمت في تشكيل وصياغة صورة العراق، ليس كجغرافيا دولتية فحسب، بل كعلاقات مجتمعية أيضا.
وكانت للحروب هذه، الداخلية منها والخارجية، تأثيراتها الفاجعة على الحياة العراقية على جميع الأصعدة وبضمنها الثقافة بجميع حقولها. فأنتجت الحرب ثقافة سادية مهوسة بغريزة الموت، فيها يدفع الأب بابنه الى الموت بعد الوشاية به، و يهجر الفرد حبيبته او زوجته واطفاله من أجل الالتحاق بخطوط الجبهة الامامية، ثقافة تتطرف بل وتستميت في غزلها الانثوي الشبقي الفاضح بجسد وفكر وفحولة الرئيس القائد الأوحد.
وانطلاقاً من مقولة صدام حسين الديماغوغية “للقلم والبندقية فوهة واحدة” والتي تحولت الى احدى المرجعيات المقدسة داخل الفضاء الثقافي العراقي، شرعت الماكينة الثقافية العراقية الرسمية في انتاج خطاب الحرب وبغزارة هائلة. فظهر أدب المعارك وقصص تحت لهيب النار وقصائد حماسية وروايات قادسية صدام وافلام عن معارك القادسيتين الأولى والثانية، كما وبرز نزوع مرضي في توجهه الآيديولوجي نحو الماضي والتراث في محاولة لعقد حلف مشبوه مع أحداث الحاضر. وفي خضم كل هذا سقط المسرح، حاله حال الحقول الثقافية الاخرى في شرك نيران المعارك الدائرة على “الجبهة الشرقية” وبدا بانتاج عروض تعبوية أندرجت تحت تسمية مسرح الحرب. وكان بعض هذه العروض عسكرية حماسية اخذت على عاتقها دور شاحذ الهمم و”تعبئة الجماهير من أجل ادامة زخم المعركة وتعزيز روح النصر” كما كتب أحد الصحفيين في 1982. (جريدة الجمهورية، 6 نيسان 1982). وكان هذا المسرح ينظر ويتعامل مع جمهوره على انهم مجموعة من جنود مستقبليين يحتم عليهم واجبهم الوطني المقدس الهروع الى الحرب عقب انتهاء العرض وخروجهم من قاعة المسرح.

وهكذا بدأ المسرح العراقي هو الآخر ينتج عروضاً ونصوصاً تتناول ثيمة الحرب، أو لنكون أكثر دقة، مسرح يتناول عظمة و عدالة وضرورة “قادسية صدام”. فأنتجت عروض المعارك من قبيل “ام المقاتلين” و “الخندق الواحد” و“فصيل على طريق المجد” و “حكايات العطش” و“مشاهد من قادسية صدام” و “سيدي ايها المقاتل” و “شجرة العائلة” وغيرها الكثير الكثير من العروض التعبوية التي سقطت في اشكالية الغاء الواقع المجتمعي بكل تعقيداته. فلكي تصبح الحرب، أو بالاحرى معارك قادسية صدام، موضوعة المسرح وتكتمل العملية التعبوية الحماسية كان لابد للعملية المسرحية من المرور بعملية آيديولوجية في غاية التضليل، وهي استبدال صور الواقع بصور أخرى مفبركة تمتلك بعدا واحدا هو النصر. كان على المسرح وهو يذهب الى الحرب ان يخلف الواقع المجتمعي بكل تعقيداته وتعرجاته الدرامية ومستوياته الصراعية ورائه ومن ثم استبداله بصورة مسطحة لواقع آخر، خالية من كل التعرجات، صورة ذات سطح ناعم أشبه بالوهم والكذب ولا تملك إلا بعداً واحداً هو الانتصار. وقد كتب احد النقاد المسرحيين العراقيين عام 1982 متناولاً “موضوع الحرب في المسرح العراقي” عن عدد من العروض المسرحية التي تم تقديمها في المهرجان الثاني لاتحاد العام لنساء العراق في بغداد عام 1981 و ” الذي كرست عروضه للمعركة التي يخوضها العراق ضد الفرس العنصريين” بان العروض المسرحية “كانت نماذج مسطحة خالية من الفعل”. (مجلة آفاق عربية – نيسان 1982). كما وقدم طلاب أكاديمية الفنون الجميلة بعد مرور بضعة أشهر على بدء الحرب، مسرحية “خندق واحد بيت المنتصرين” من تأليف واخراج عبدالمطلب السنيد. وكانت المسرحية “مساهمة في دعم المعركة” وكتب أحد النقاد عنها بان العمل لم يكن “عملاً مركزياً بل مجموعة من المشاهد غير متماسكة، ثرثارة تغيب عنها قوة الابداع وقوة المنطق، لذلك جاءت فجة عقيمة أمام حرب يشتعل لهيبها عالياً”.

ولم يقتصر غزو الحرب للمسرح على عروضه في العاصمة بغداد فقط، بل تعداه الى مسارح المحافظات، كما لم تقتصر العملية التعبوية الحربية على عروض الفرق المسرحية الكبرى كالفرقة القومية للتمثيل والمسرح العسكري بل امتدت الى فرق الشباب واتحادات طلابية ومنظمات شبابية ومسارح الهواة. لكن الأخطر من كل ذلك ان الحرب استطاعت ان تحتل موقعاً مهماً وحيزاً كبيراً في مجالات النقد والكتابة المسرحيين ايضاً. ولم يكتف المسرح باستعارة “الواقع” وصورته المنتصرة المزدهرة من العسكر فحسب، بل استعار اللغة منهم أيضاً و بدأ يتحدث عن حشد الطاقات وتجسيد البطولات ومواجهة التحدي والتفنن بالانتصارات، وبدأت كتابات نقدية تتحدث عن صورة المقاتل في المسرح العربي وضرورة استلهام الفعل المسرحي لقيم البطولة في المعارك، وظهرت دعوات ومطالبات بـ”وجوب” تحويل المسرح العراقي “كله” الى “مسرح تعبوي يغترف مادته الفنية من جمر المعركة بكل ألقها وان تكون بكل ما أفرزته من بطولات وتضحيات ومن نماذج بطولية.” (جريدة الجمهورية- 1 نيسان 1982). نجد في هذه المطالبة التي أطلقها أحد المسرحيين العراقيين الكبار اثناء إلقاء كلمته تحت عنوان “يوم المسرح يوم الفداء” بمناسبة يوم المسرح العالمي، والتي تحولت الى احتفالات بـ”الانتصارات التي تحققها قواتنا المسلحة الباسلة”، ومطالبات وكتابات اخرى اطلقها فنانون ونقاد عراقيون ومعهم بعض الفنانين العرب، دعوة صريحة وواضحة الى وضع الواقع العراقي جانباً وارتداء الخاكي والذهاب الى الحدود الشرقية حيث تدور رحى المعارك.
وهنا تحديداً تكمن الاشكالية الفكرية لهذا المسرح، في محاولاته انتاج صورة مغايرة تماماً للواقع العراقي المعاش. فعلى سبيل المثال، في وقت كانت العوائل العراقية تستقبل نعوشاً لجثث أبنائها او ما تبقى من اشلائهم، واليافطات السوداء تغزو جدران البيوت العراقية تدريجياً محوّلةً الفضاء الاجتماعي الى فضاء سوداوي مرعب، كان المسرح، الذي هو عملية احتفاء بالجسد، يحث على ارسال المزيد الى المحرقة عبر بناء صورة “واقعٍ” يتحول فيه الفرد العراقي الى “مشروع شهادة” دون أن يتمكن من الاجابة عن السؤال: دفاعاً عن من؟ كما، على سبيل المثال لا الحصر، في مسرحية “العودة” ليوسف الصائغ واخراج قاسم محمد.

وفي سياق هذا الخطاب الثقافي الجهنمي الذي يطالب بمزيد من الاجساد، استمرت عملية التماهي الخطيرة بين الموت كعملية فيزيائية لالغاء الجسد، وبين الشرف والبطولة والمجد كقيم انسانية عليا سامية هدفها المركزي الغاء الجسد. وهنا نعود الى المعادلة الجسدية، أولنقل جسد الممثل داخل العملية المسرحية في مقابل جسد الجندي داخل آتون الحرب؛ احتفاء المسرح بالجسد وتحريره ، مقابل تمزق الجسد وتلاشيه في الحرب. ففي 1982 قام الاستاذ سامي عبدالحميد، وهو أحد المخرجين العراقيين الكبار، باعداد وتبيئة نص “فصيل على طريق الموت” المسرحي للكاتب الاسباني الوجودي الفونسو ساستري وتحويله الى عرض يتركز “الفعل فيه على بطولة المقاتل العراقي” وتحوير عنوانه الى “فصيل على طريق المجد”. وعبر هذا التحوير في العنوان وازاحة كلمة الموت واستبدالها بالمجد، وتحويرات أخرى أجراها المخرج على النص نصطدم بعملية دلالية غير بريئة بالمطلق، وهي التأكيد على عملية التماهي بين الموت و المجد، الموت كفعل حقيقي لازاحة الجسد ومن ثم إزالته ليتم استبداله بمجرد قيمة مجردة هي المجد. واذا كان النص الأصلي ينتمي الى الادب الوجودي بامتياز في ادانته الفاضحة للاعقلانية ظاهرة الحرب والفوضى التي تتخبط فيها البشرية، متمثلةً في الصراعات القاسية بين شخصيات النص حول المصير الذي ينتظرهم، وعدمية الموت الذي يمثل المركز الدلالي لمدخل النص، فان النص الجديد المعد يقترب من خلال عملية تبيئته الى انتمائه الى عمل واقعي تعبوي “يتعرض لأحداث محلية خلال الحرب العراقية الايرانية.. ويتركز الفعل فيه على شجاعة المقاتل العراقي”. وعبر اجراء هذا التحوير المركزي داخل سياق النص بتحويل الحرب، أية حرب، بشكلها المجرد ومفهومها الشامل، الى حرب واقعية لها شكل ملموس ومعنى محدد في ذهنية المتلقي العراقي ألا وهي حرب “قادسية صدام”، نكون مرة أخرى امام لعبة استبدال صور الواقع، فصورة الموت التي تهيمن على الحروب الاخرى يتم استبدالها بصورة اخرى في حرب “قادسية صدام” وهي صورة واقع بطولي يهيمن عليه “المجد”. ولقد كتب المخرج لاحقاً عن هذه التجربة في كتابه “تجربتي مع المسرح” بان العرض أخفق، ويقول “كان سبب الاخفاق واضحاً لافتقار العرض الى الصدق في تصوير الاحداث وادارة الشخصيات”.
وبعد كل هذا يصبح السؤال عن هوية الظاهرة التي غزت فضاءات واسعة من خشبات المسرح العراقي في الثمانينيات، ضرورياً، هل كانت هذه الظاهرة تندرج فعلاً تحت تصنيف مسرح الحرب؟ او ان ذاك المسرح لم يكن سوى جندياً بائساً في معركة آيديولوجية لالغاء الواقع العراقي المعتم آنذاك، من خلال تمثيله عنصراً فعالاً في سياق بنية ثقافية أشمل تورطت في الدعوة الى القتل وتمجيد الموت؟
المسرح الآخر/ رؤية ثالثة
وبالعودة الى سؤال العنوان، أي المعادلة التي تمتد بكل تعقيداتها الفكرية بين المسرح والحرب، فلا أعتقد بان الاجابة تكون بالضرورة في استسهال مبتذل عبر إلحاق طرفي المعادلة ببعضهما البعض لانتاج ما سمي في الماضي بمسرح المعركة تارة ومسرح الحرب تارة اخرى. فحين يتعلق السؤال بتصادم مفهومين، أو لنقل عمليتين تحاولان الظهور كنقيضين تامين لأحدهما الآخر في سياق آليات اشتغالهما وكيفيات انتاجهما للمعنى، باعتبار ان الأول، اي المسرح، يمثل ظاهرة ابداعية جمالية يحاول الفرد الانساني فيها اعادة قراءة ذاته من خلال بناء عملية رمزية تتخذ من الجسد الانساني/ الممثل مركزاً لها بهدف اعادة انتاج معاني وجوده/ واقعه على كافة المستويات، بينما الثانية، اي الحرب والتي هي الاخرى تحاول انتاج معناها الخاص، هي ظاهرة تدميرية تنزع نحو ليس القضاء على الجسد الانساني فحسب، بل على كل ما انتجه هذا الجسد من معاني ودلالات “النسق الثقافي والذاكراتي” طوال تاريخه. ولكن يسقط رأسا المعادلة في نهاية المطاف، كل حسب آلياته وانتمائاته، في عملية واحدة، وهي انتاج فعل صراع تكون صورة الواقع فيه الدلالة الأكثر مركزية وشمولية في تعدديتها الممتدة من الفرد الى العالم مروراً بالسياسة والمجتمع ضمن كل السياقات المفهومية المختلفة. والسؤال الجوهري هنا يكمن في كيفية تصادم هذين الصراعين وكيفية بناء قراءة جدلية بين الصورتين/ الواقعين.
فليس على العملية المسرحية، نصاً وعرضاً وكتابة نظرية ونقدية، ان تنتج طوفانا من صور الموت، وان تنتمي الى وطنية فاشية، وأن تسقط في الدعوة الى القتل، وتمارس بكائية فاجعة لكي تبرهن انتمائها الى مسرح الحرب. بل على العملية المسرحية ان تخلق قراءة مشاكسة للواقع الأصلي الذي تنتجه الحرب، وليس نسخ ومحاكاة صورة الواقع المفبرك (النسخة الآيديولوجية للواقع) التي تنتجها وتحيك عناصرها العملية الآيديولجية التي تقود الحرب.
وبما انه يتحتم على العراق مراجعة ذاته وقراءة الحروب التي عصفت به، وتناول كل ماحدث ولم يزل يحدث حتى الآن حدثا حدثاً، فان المسرح أيضا، مثل كل المجالات الفكرية الاخرى، لا يمكنه تجاهل هذا الأمس الذي تهيمن تأثيراته القاسية على كلية فضاءات الحاضر. والسؤال يكمن في كيفية عملية التناول، أو ربما في كيفية البحث عن منطقة مغايرة لتأسيس الرؤية الى كل هذه الاحداث. لذلك يجب البحثُ عن مسرح آخر يحاول مقاربة الحرب وتأثيراتها الانسانية، دون الوقوع في مآزقها الفكرية او التماهي مع إشكالاتها الآيديولوجية من قبيل مثلاً؛ تقسيم القوى والأطراف بين الأبيض والأسود، بين الخير والشر، او السماء والارض، او الغرب والشرق، وبالتالي السقوط، وتبعاً لهذه الثنائيات التي تقدر على تسطيح الرؤية وتزييف الواقع عبر استبدال صوره، على خشبة أحد المسرحين؛ مسرح حرب يستصرخ التراجيديا بشكلها البكائي الفاقع الساذج، أو آخر يمجد القتل والوطن والزعيم مساوياً بينهم جميعاً في رومانسية مبتذلة.
انه سؤال الرؤية الى مسرح ثالث علينا كمسرحيين البحث فيه.
* هوشنك وزيري كاتب مسرحي وباحث كردي عراقي