Home » الدراماتورج في المسرح … قاسم محمد أنموذجا

الدراماتورج في المسرح … قاسم محمد أنموذجا

كتبه ياسر البراك
A+A-
إعادة ضبط

ياسر عبد الصاحب البرّاك *

تمثل ثنائية ( المؤلف والمخرج ) أحد أهم الإشكاليات المسرحية المعاصرة التي نجد لها أشكالا متعددة في التجربة المسرحية العالمية منذ نشؤها لدى الإغريق وحتى الآن ، إذ مرت هذه الثنائية بمتغيرات عديدة كانت نتيجة حتمية لتطورات الفعل الزمني عموما ولتطور بنية العملية المسرحية خصوصا ، فنجد تصدرا واضحا لدور المؤلف في أزمنة محددة ، بينما نجد غياب دور المخرج في تلك الأزمنة ، وفي أحيان أخرى نجد غياب دور المؤلف لصالح المخرج ، وفي أقصى الاحتمالات نجد في زمن مسرحي ما ثمّة صيغة تعادلية تمنح لكل منهما دوره الذي يستحقه ، وهكذا نجد متواليات عديدة في شكل هذه العلاقة ، وفي كل الأزمنة السالفة لا يغيب دور المؤلف نهائيا وان كان هامشيا أحيانا ، وكذلك الحال بالنسبة للمخرج الذي لا يغيب دوره دائما بل يبقى حاضرا وان كان في حدود ضيقة ، ولكن مع المسرح المعاصر ( وتحديدا منذ بدايات القرن العشرين ) بدأت هذه الثنائية تخضع لمتغيرات جديدة فرضتها طبيعة العمل المسرحي نفسه ، فقد أثرت التيارات المسرحية الحديثة على طبيعة هذه العلاقة إنطلاقا من الطبيعة المتجددة لإنتاج العرض المسرحي الذي توسعت آفاقه وأهميته بتوسع مساحة التجريب المسرحي ، فوجدنا هناك من دعا إلى دمج وظيفة المؤلف مع المخرج بوصفهما يمارسان فعلا دراميا واحدا ، وهناك من دعا إلى تذويب شخصية المؤلف نهائيا في شخصية المخرج لأن المخرج هو خالق العرض وسيده الأوحد ، أما المؤلف فلا حاجة إليه ، وقد برر أصحاب هذه الدعوة رؤيتهم هذه إنطلاقا من الوظيفة الجديدة التي بدأ يحتلها المخرج في المسرح المعاصر ، حيث يقوم بإعادة صياغة النص المسرحي ( خاصة النصوص القديمة ) بما يتوافق مع معطيات اللحظة الراهنة التي يعيشها جمهوره المسرحي ، وبذلك تخرج تلك النصوص من ( كياستها ) الأدبية إلى معمل الإنتاج المسرحي الجديد الذي يقوم بصناعة أناقتها الأدبية الجديدة القائمة على الكتابة المغايرة لمنطلقات النص القديمة ، وبالغ أصحاب هذا الرأي إلى الحد الذي أعلنوا فيه عن ( موت المؤلف ) كما هو الحال لدى الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة ، في حين نجد آخرين ذهبوا إلى إيجاد صيغة تعادلية بين الإثنين حينما إستحدثوا وظيفة مسرحية جديدة تمثل حلقة وسطاً بين المؤلف والمخرج وأطلقوا عليه مصطلح   ( الدراماتورج = الخبير الدرامي ) . وعلى الرغم من إقرار أغلب المسارح الغربية لهذه الوظيفة وإعتمادها مع بدايات القرن العشرين ، إلا أنها لم تسلم من التغيرات مع مرور الزمن ، فمع إحتفاظ المسارح العالمية بهذه الوظيفة ، بدأ المخرج المسرحي المعاصر وإنطلاقا من الرؤى التجريبية الجديدة لصناعة العرض المسرحي يسطو على وظيفة الدراماتورج معتبرا أن من حقه ممارسة هذه الوظيفة بوصفها داخلة في صلب فعله الإخراجي ، خاصة فيما يتعلق بفضاءات النص الدرامية وعلاقتها بالعناصر السينوغرافية ، فتطور مفهوم الخبير الدرامي ( الدراماتورج ) إلى إصطلاح ( المخرج / الدراماتورج ) وبذلك إنتقلت الإشكالية الأولى من جديد من ثنائية ( المؤلف / المخرج ) إلى ثنائية ( المخرج / الدراماتورج ) ومع إعتماد الصيغ الإرتجالية في إنتاج العروض المسرحية الحديثة ذاب دور المؤلف نهائيا وتمت الإستعاضة عنه بـ ( الدراماتورج ) الذي يقوم بصيغة من صيغ التواصل مع التمرين المسرحي بكتابة النص الأدبي إنطلاقا من الأفعال الإرتجالية التي يمارسها الممثلون على خشبة المسرح ، وهذه الصيغة تمثل شكلا أوليا من أشكال الدراماتورج ، أما الشكل الثاني وهو الأهم في حدود دراستنا ، فهو إندماج وظيفة الدراماتورج المتعارف عليها في المسرح العالمي بوظيفة المخرج ليصدر لنا إصطلاح ( المخرج الدراماتورج ) والذي مارسه أكثر من مخرج عالمي في تجربته المسرحية ، وكما هو الحال مع الإصطلاحات المسرحية والوظائف الدرامية الأخرى فقد إنتقل هذا المصطلح بفعل التلاقح الثقافي إلى المسرح العربي ومن ثم العراقي ، ويبدو من خلال مراجعتنا لتطور التجربة المسرحية العربية والعراقية أن هذه التجربة إحتفلت بالإصطلاح الأخير ( المخرج / الدراماتورج ) أكثر من إحتفالها بالشكل الأول لهذه الظاهرة ونعني به ( الدراماتورج = الخبير الدرامي ) ، وإن كانت بعض المسارح العربية والعراقية تمثلت هذا الشكل ( الدراماتورج ) بشكل بسيط في بعض تجاربها المسرحية ، وربما يعود السبب في ذلك إلى مركزية المخرج في المسارح العربية والعراقية ، فعلى الرغم من إعتماد هذه المسارح على العمل الفرقي المنظم إلا أنه مازال المخرج في تلك المسارح هو الذي يقوم بإدارة تلك العملية ، ولم تتوفر وظيفة الدراماتورج إلا ما ندر ، وهي وظيفة لا نجد لها أساساً في الأنظمة الداخلية للفرق المسرحية ضمن هيكلها العام ، بل أن هذه الوظيفة مقصية حتى في المؤسسات الأكاديمية التي تدرّس جميع الإختصاصات المسرحية باستثناء الدراماتورجيا ، وهذا يعني أننا بحاجة إلى إعادة النظر في مناهج تلك المؤسسات من أجل أن نوفر الأرضية المناسبة لدخول هذه الوظيفة في العملية المسرحية لما لها من تأثير كبير وفاعلية مهمة في تقريب العرض المسرحي من مساحة الإبداع ، وفي الوقت نفسه تأكيد جماعية العمل المسرحي والمساهمة الفعالة للجميع فيها وهو ما يمكن أن ينتج لنا عروضاً متعددة زوايا النظر ، وهناك من الإتجاهات الدراماتورجية المعاصرة من بدأ يتحدّث عن ( دراماتورجيا الممثل ) و ( السينوغراف ) كما هو الحال في تجربة مسرح الرور الألماني ، بل أن هناك من يتحدث عن ( درامتورجيا المتلقي ) بوصفه عنصراً مشاركاً في إنتاج العرض المسرحي ، لأنه يعيد إنتاجه وفقاً لوعيه ولظروف المشاهدة التي تؤسس أنساقاً إتصالية وتنتج قراءات متعددة للعرض ، ولاشك أن وجود الدراماتورج في المسارح العربية والعراقية سيكون له أثره الإيجابي في تطوير طريقة إنتاج العروض في تلك المسارح خاصة في إعتماد التقنيات الحديثة .

قاسم محمد

ولعل التجربة الدراماتورجية الأبرز على صعيد الممارسة والتطبيق في المسرح العراقي هي تجربة ( المخرج / الدراماتورج ) قاسم محمد الذي تخرّج في معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1962 ، وسافر بعدها إلى الاتحاد السوفيتي السابق ، حيث حصل على الدبلوم الفني في الإخراج المسرحي من معهد الدولة للفنون المسرحية في موسكو عام 1968 ، وقد تتلمذ على يد يوري زفادسكي أحد تلامذة فاختانكوف الذي إنشق ومجموعة من زملائه عن منهج أستاذهم ستانسلافسكي ليؤسس كل واحد منهم إتجاهاً خاصاً به ، وطريقة جديدة في تدريب الممثل وإعداده ، ثمّ بعد عودته إلى العراق درّس في معهد الفنون الجميلة – قسم الفنون المسرحية وأخرج العديد من المسرحيات التي تنوعت بين الأعمال العالمية المقتبسة ، والأعمال المُعدّة عن مصادر متنوعة خاصة المصادر التراثية ، فضلاً عن الأعمال المؤلفة تأليفاً مباشراً والمأخوذة من واقع الحياة اليومية ، والحقيقة أن قاسم محمد يعتمد إعتماداً كلياً على رؤيته في المزج بين وظيفة التأليف والإخراج ، لأنه يؤمن أن العرض المسرحي لايمكن صناعته إلا عبر ورشة مسرحية يكون فيها التمرين هو الأساس في صناعة العرض سواء في حدود كونه مُدوّنة نصيّة ، أو عبر تشكلاته المشهدية كعرض مسرحي متكامل على خشبة المسرح ، وعن ذلك يقول قاسم محمد ” ليس إعتباطاً أن تكون تجربتي الأولى في ورشتي الخاصة عام 1964 هي تجهيز نص ( الملحمة الشعبية ) إنه نتاج تأثير البيئة الإجتماعية وثقافتها ، كان هذا النص يتحدث عن إحتلال العثمانيين للوطن ومن ثم إجتياح الجنود الإنكشاريين لبغداد عام 1875 مع تصادف حدوث طوفانها الكبير وفيضان دجلة الشهير ، مع إنتشار وباء الطاعون – إلى جانب ذوي كان هناك عدد من المسنين – الذين أخذهم العثمانيون قسراً إلى الحرب … حيث سمّيت الحالة سفربر .. أو سفر برلك – وكان من تبقى من هؤلاء المسنّين يروي على أسماعنا الصغيرة أهوالا عن هذا السفر – السفر مشياً على الأقدام من العراق عبر تركيا وبلغاريا .. وصولا إلى أصقاع روسيا …. أثناء التجهيز الأول لنتاج الورشة كان هذا الحضور .. للحسي وللذاكرة وللبصري ، إعتمدت في تجهيز تجربتي الشخصية الأولى على الواقعة التاريخية … رواتها القريبين ، موروثها الشعبي من أمثال ، وطقوس ، وموالات تعبيرية ، إلى جانب مصادر مساندة في الكتب التاريخية والإجتماعية – مجموعة ألعاب شعبية كان يمارسها البغداديون الكبار والتي غالباً ما كانت تتحوّل إلى ثورات صغيرة ومعارك عنيفة ضد العثمانيين المحتلين – وأخذت البحوثية منذ ذلك الوقت مجراها في عملية التجهيز ثم في عملية التمرين بعد ذلك ، وحضور الثقافة الإنسانية في المسألة الشعبية ” (1) ، وتبدو تأثيرات المدرسة الروسية في الإخراج واضحة في أعمال قاسم محمد سواء على مستوى التأليف أو الإخراج ، لكنه يجترح لنا إصطلاح ( المخرج الدراماتورج ) ليصف لنا تجربته المسرحية بدقة ، حيث تقوم الممارسة الدراماتورجية لديه في صناعة العرض المسرحي ، على التمرين بشكل أساسي بوصفه المولّد الرئيس لأفكار العرض وثيماته ومشاهده ، لأن التمرين هو الذي يخلق العرض بالصورة التي نراها ليلة الإفتتاح ، صحيح أن قاسم محمد لا يأتي إلى التمرين فارغاً ، فهو يحمل في جعبته الكثير ، لكنه في واقع الحال يُصر مع ممثليه على أن يكون تمثيله مفتوحاً دوماً ، لقد تأثر قاسم محمد بمفهوم ( الواقعية الخيالية ) لدى فاختانكوف عن طريق أستاذه زفادسكي ، لذلك نراه يعتمد هذا المفهوم في معظم مقارباته الدراماتورجية لصناعة عروضه ، وقد تجلى ذلك في البدء عبر الأعمال المسرحية التي قدّمها للطفل مثل : ( الصبي الخشبي ) و( طير السعد ) ، ” والثانية أكثر إستفادة من الأولى … لقد وظّف قطع الإكسسوار وإختصرها وإستخدمها إستخدامات عديدة ، كما أضفى شاعرية على الديكور والإنارة مما خلق شكلاً فنياً يلائم المحتوى الفكري للمسرحية ، وينبثق منه ، لقد كان الشكل والمضمون منسجمين لا من خلال الحوار حسب بل من خلال البناء الكلّي للعمل الفني … كانت طير السعد تحليقاً رومانسياً في عالم الطموحات والأحلام ، وكانت الصبي الخشبي رؤيا لإنسان واقعي يحلم بعالم نقي لا نقص فيه ” (2) ، ومن بين الروافد المهمة أيضاً إعتماد قاسم محمد على الشعر كحالة درامية تؤسس لعروض مسرحية متعددة حيث يوفر له رشاقة المفردة اللغوية من جانب ، وإمكانية تجسيد الصورة الشعرية مشهدياً بما يتوافق مع ما تختزنه من طاقة درامية بداخلها ، ما دفعه إلى تقديم مسرحية ( أنا ضمير المتكلم ) التي إعتمدت على عدد من أشعار المقاومة الفلسطينية إلى جانب أشعار آخرين من الأجانب ومقاطع من مسرحيات لبيتر فايس وبريشت ، وقد أفاد من بعض الوسائل الفنية لإيصال خطاب العرض إلى متلقيه ” حيث إختصر قطع الديكور وإستخدمها إستخدامات فنية عديدة وحوّل الشعر الملقى إلى واقع متخيل له إيقاعاً يلائم الشكل المعروف فيه ، … كانت خلقاً فنياً من أشعار متفاوتة الزمن والرؤيا … هذه المواد المختلفة إستطاع قاسم أن يقدمها على خشبة المسرح حيّة ، نابضة لا تشرك المشاهد بالإنفعال بها ، بل بتحديد هويتها ، ومن ثم إنجراره إلى العرض ، إلى العالم المعروض ، إلى ذلك المحيط الموجود الآن على خشبة المسرح كما يقول فاختانكوف ” (3) ، ومع إستمرار تجربته المسرحية فان قاسم محمد راح ينوّع مصادر ممارسته الدراماتورجية في صناعة عروضه ، فإعتمد على التراث بشكل أساس في العديد من العروض بدأها بمسرحية ( بغداد الأزل بين الجد والهزل ) التي قدّم فيها نصوصاً تراثية تمت صياغتها دراماتورجياً لتتوافق مع اللحظة المعاصرة التي يعيشها متلقيها ، لأن قاسماً كان أشد ما يؤرقه هو كيفية الوصول إلى صناعة عرض مسرحي شعبي ، يعود بالمسرح إلى أصوله ما قبل المسرحية ، لذلك وجد في التراث خير مرجعية فكرية وفنية يمكن أن تحقق له هذا الغرض ، وبعد مشاهدته عام 1972 لتجربة المخرج المغربي الطيب الصديقي في مسرحة ( مقامات بديع الزمان الهمذاني ) وتجربة ( مسرح المقهى ) السورية ، خرج قاسم محمد بشيئين مهمّين : ” الأول هو المكان الشعبي العربي الشائع الذي يمكنه أن يعطي صورة قديمة وجديدة لشكل درامي محلي ، والثاني هو الأسلوب الذي تقدم به هذه الدراما ، فهو بالإضافة إلى شعبية العرض وتناول المألوف اليومي من حياة الناس ، يوحي بفهم جديد للدراما الشعبية نفسها ، أي إستنباط لغة مسرحية من اللهجة العامية ، إستنباط أشكال فنية لصيقة بالناس ، وبالمعنى العام لهذه الإستفادة توحيد الشكل والمحتوى في المعروض ، بحيث لاتكون هناك فواصل زمنية كبيرة بل مشاهد متتالية ومتعاقبة ومركبة تتداخل بعضها ببعض مكوّنة حركة متصاعدة في الزمان والمكان ، وهذه الإستفادة منبعها الأساس مسرح برشت الملحمي التعليمي الذي فجر في الإنسان الشعبي طاقات كامنة كانت الدراما البرجوازية بعيدة عنها ” (4) ، وكان حصيلة هذا التوجه عدداً من الأعمال التراثية مثل ( طال حزني وسروري في مقامات الحريري ) و ( رسالة الطير ) … الخ ، ومن المسرح العالمي أيضاً كانت له معالجاته الدراماتورجية التي تعاملت مع نص مسرحي مرّة ، ومع جنس أدبي آخر مرّة أخرى ، فقدم مسرحيات ( نفوس ) عن غوركي ، و ( شيرين وفرهاد ) عن ناظم حكمت ، و ( العالم على راحة اليد ) و ( الأعماق ) و ( حكاية الرجل الذي صار كلباً ) و ( صديقنا بالجيتو ) و ( مرض أسنان ) و ( قارب في غابة ) و ( الإملاء ) و ( طائر الحب ) و ( لويش اشلون إلمن ) و ( الأغنية الأخيرة ) وهي لكتاب بلغاريين وإيرانيين ويابانيين ” أما السمات العامة التي تربط ترجماته وإعداداته فعديدة ، أولها أن المسرحيات جميعها شعبية ، ونقصد بالشعبية هنا موضوعاً وتناولاً لا لغة ، وأبطالها جميعهم من بسطاء الناس أو من يناضلون لتحسين وضعهم المعاشي والحياتي ، … أما السمة الثانية للمسرحيات المترجمة ، فهي بساطة البناء الفني ، فكلها تقريباً تلجأ إلى بناء محلي عبارة عن لوحات دائرية تلتصق الواحدة بالأخرى بحيث يبدو الزمن فيها واحداً رغم تباعد أجزائه … إلا أن الشيء العام الذي إستفاد منه قاسم في تقديمه هذه المسرحيات هو نوعية الشخوص الشعبية التي توضح الأفكار شخوصها واضحي الأفكار ، واضحي الأهداف ، يقولون ما يشعرون به دون لف ودوران ، وقضيته يتوجهون بها دونما تزييف أو مخاتلة ” (5) ، أما المصدر الآخر لممارسته الدراماتورجية فهو الواقع اليومي المعاش الذي أنجز من خلاله العديد من الأعمال المسرحية المهمّة مثل: ( النخلة والجيران ) عن رواية غائب طعمة فرمان ، و ( أضواء على حياة يومية ) ، وهي مسرحيات حاولت أن تتقصى واقع الحياة اليومية لشخصيات تحلم بالخلاص من واقعها المرير وذلك عبر عرض مسرحي يتسم بالمعالجة الفنية التي تراعي الاجتماعي والحياتي واليومي ، ويعتبر الواقع مصدراً مهماً للمعالجة الدراماتورجية لمثل هذه الموضوعات لأن قاسماً يعتقد أن الواقع يمتلك خزيناً كبيراً من القصص والحكايات ما يؤهله لأن يكون مسرحاً مستقلاً بذاته ، وهو ما حاول أن يؤسس له في العديد من كتاباته التنظيرية في ما أسماه بـ ( التجريبية الشعبية ) التي تؤكد على دور المتلقي فيها بشكل إيجابي وتأتي ” من أجل تمرين مشاهد العرض ، والإرتقاء بمستواه البسيط ، فنياً وثقافياً ، بحيث يصبح مع تراكم التمرين ، مشاهداً مساهماً بإيجابية أكبر ، ويصبح مضيّفاً فعالاً في حركة إنماء المسرح الشعبي بالذات ، وحيث أن من أهداف هذه ( التجريبية ) فتح طرق الإبتكار أمام العروض الشعبية وإخضاعها لحالات ( الورشة – المختبر ) في البحث والتقصّي وإستنباط أشكال ووسائل تعبير وطرائق تمرين غير مألوفة وغير بسيطة ، بحيث تنتج نوعاً من المسرح الشعبي محصناً ثقافياً .. بثقافة العصر – وتبقى الحالة البحوثية ، حالة معاشة ، معاصرة ، وضرورية للمشاهد ، حيث نعتقد أن هناك يكمن المعنى الحقيقي للعرض المسرحي ، وحيث جوهر كل بحث وإستقصاء .. الإنسان ممثلاً ، ومؤلفاً ، ومشاهداً ” (6) .

 إن هذا التنوّع في ممارسة قاسم محمد الدراماتورجية للعرض المسرحي شكّل إنعطافة مهمّة في صناعة المشهد المسرحي العراقي لما لهذه الممارسة من قدرة على صهر المرجعيات الأدبية للعرض في شكل فني جديد ومقترح يعمّق رؤيا الدراماتورج في المسرح العراقي .

* الصياغة الدراماتورجية لعرض مسرحية : أمريكا قارة الرعب والموت والجوع ( نموذج تطبيقي )

يقوم هذا العرض على المزاوجة بين البنية النصيّة والبنية الفنية في صياغته الدراماتورجية ، إذ يعتمد قاسم محمد في بناء ( سيناريو العرض ) *على مرجعيات أدبية وصحفية ومسرحية وشعرية تعالج موضوعة واحدة تتعلق بالواقع الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية ، وقد سبق وأن قدمت هذه المسرحية أواسط السبعينيات من القرن الماضي تحت عنوان ( إنها أميركا ) ، ولأن موضوعة المسرحية تمتلك من العمق والحيوية ما يؤهلها لأن تُقدّم في أكثر من مناسبة ، فان إعادة تقديمها عشيّة حرب الخليج الثانية 1991 تخفي بداخلها أهدافاً أيديولوجية واضحة القصد منها ممارسة نوع من خطاب التعرية السياسي الذي يجعل من المسرح سلاحاً دعائياً بوجه العدو ، لذلك نرى أن المسرحية بدءً من بنية عنوانها تحدد هدفها في كشف الوجه القبيح للولايات المتحدة ( الوجه الداخلي ) القائم على مثلث متساوي الأضلاع تكون فيه نسبة الرعب مساوية لنسبة الموت ، ومن ثمّ مساوية لنسبة الجوع ، وهذا المثلث لا يمثل بقعة جغرافية صغيرة أو محددة ،

إنما يمثّل قارة بكاملها هي أميركا ، ولعل المخطط الآتي يوفر لنا بيان العلاقة بين مفردات العنوان :

لذلك نجد أن المادة الدرامية التي تتناولها المسرحية تتمحور حول هذه الثيمات الثلاث ( الرعب / الموت / الجوع ) فتقوم الصياغة الدراماتورجية للعرض ببناء مشاهده لإبراز هذه الثيم ، ما يفرض على النص / السيناريو بناءً خاصاً يتسم بالأفقية وتجاور المشاهد ، إذ أن النسبة العددية بين معدلات الرعب والموت والجوع متساوية ( من وجهة نظر السيناريو ) ، ما يؤدي إلى أن تكون الطبيعة المشهدية للعرض ذات شكل متوازي ، لأن جميع المشاهد تؤدي الغرض نفسه ( الكشف / التعرية ) ، ما يجعل العرض يُفتتح بإضراب الأطباء في مستشفى ( برونكس لنكولن ) في نيويورك إحتجاجاً على موت السود والبيض من الفقراء نتيجة لتردي الخدمات الصحيّة بفعل الإهمال المتعمّد ، ومع قصر المشهد إلا أنه يختزل لنا واقعاً مريراً يعيشه الفقراء في أميركا ، وواضح أن التمييز العنصري والفقر هما السببان الرئيسيان لهذا الإهمال المتعمّد ، ثم ينتقل بنا المشهد إلى مبنى الكونغرس الأمريكي وهو يناقش أسباب الفقر والمرض ، ومع إنعدام الحوار في المشهد فهو يبين لنا العزلة السياسية التي يعيشها الكونغرس عن مواطنيه ، يتخلل ذلك تعليقات من قبل ( المعلق ) تضم إحصائيات خبرية عن واقع الناس في أميركا ، ثم ينتقل بنا السيناريو إلى واقعة حياتية خاصة ليعمّق المنحى الدرامي ضمن بناءه العام ، حيث يطرح لنا مشكلة التمييز العنصري ضد السود عبر حكاية العامل ( فيليب شاكوان ) الذي يتعرّض لحادث دهس سيارة ويحتاج إلى دم لإنقاذ حياته ، فنجد الأم الزنجية تدور بين الطبيب المعالج وبين مدير المستشفى من أجل الحصول على دم لإنقاذ إبنها ، لكن دون جدوى ، لأن الدم الأبيض لا يُعطى إلا للبيض ، فيموت العامل وتُحار أمه في توفير المال اللازم لدفن جثته ، فتضطر إلى التسول من أجل أن يحظى ( شاكوان ) بقس يترحم عليه ويتلو الصلوات الأخيرة على روحه ، ودفّان يواريه التراب ، وتقوم الصياغة الدراماتورجية لهذا المشهد على تقنيات ثلاث تؤكد فاعليتها في دفع الحدث الدرامي إلى الأمام :

1- إعتماد الحوار الثنائي ( الديالوج ) بين الشخصيات لتأكيد درامية المشهد .

2- إستخدام تقنية ( المونولوج ) الذاتي للتعبير عن أزمة الشخصية الإنفرادية ومعاناتها عبر القصائد الشعرية الدالّة على الموقف الدرامي .

3- توظيف الجملة التقريرية المحايدة ( الصحفية ) على لسان شخصية المعلق لتقوم بدور الكشف والتعرية ، حيث تشكل خطا متوازيا مع الخط الدرامي .

ومن أجل تعميق المنحى الدرامي في العرض فان قاسم محمد يعمل على خلق ( موتيفات ) جديدة ومتجاورة مع ( الموتيفات ) السابقة ، فينتقل بنا المشهد إلى بيت العامل ( بيل بورين ) الذي يعاني وزوجته من مرض طفلهما الصغير ، وما يترتب على ذلك من ديون بسبب مصاريف العلاج الباهضة ، وتعتمد الصياغة الدراماتورجية في هذا المشهد على إستخدام تقنية ( التداخل ) في الزمان والمكان عبر الانتقالات السريعة والدالة على حجم مأساة العائلة ، وهي مشاهد قصيرة جدا تعتمد على الإختزال في اللغة ، والحدث ، والمشاعر ، لكنها تؤدي وظيفة درامية مهمّة في الكشف والتعرية ، حيث تسير بموازاة هذه المشاهد تعليقات ( المعلق ) و ( الممثلين ) الذين يعتمدون تقارير خبرية مستلّة من وسائل الإعلام تبين حجم التناقض بين ما يدور داخل المشهد الدرامي من مأساة وبين واقع الحال وحقيقة الأمر ، وواضح أن ( المعلق ) و مجموعة ( الممثلين ) تلعب هنا دور الجوقة القديم ، لكنه يُقدم برؤيا معاصرة قائمة على التوافق مع الأحداث ، وتأتي أهمية هذا المشهد كونه يكشف مأساة أسرة أمريكية من البيض مشكلتها الوحيدة أنها فقيرة في عالم يسوده الرأسمال ، وإذا ما حاولنا العودة لمشهد الأم الزنجية كما يفعل ذلك السيناريو في مشهد متداخل بين الأُمَّين سنجد أنه يحاول إيصال رسالة مفادها ، أن الرعب والموت والجوع لا يشمل السود فقط ، إنما يتعدى ذلك للبيض من فقراء أميركا ، وهو تنويع درامي مهم يدفع برسالة العرض في مستواها الفكري إلى الأمام ، ولتعميق هذا المنحى الطبقي في المجتمع الأمريكي فان قاسم محمد يختار ( موتيفة ) أخرى لتعزيز هذا الخطاب ، حيث ينتقل بنا المشهد إلى شخصية ( سام جونسن ) الرجل المعوّق الذي يطالبه المستشفى بنفقات علاج مقدارها ( 50 ) ألف دولار ، وهو لا يملك دولاراً واحداً على الرغم من أنه شقيق لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية ( لين دون جونسون ) الذي ترك ثروة تقدّر بـ ( 20 ) مليون دولار بعد موته ، الأمر الذي يضطر( سام جونسون ) لإعلان إفلاسه أمام محكمة ( أوستن ) التابعة لولاية ( تكساس ) ، ويتداخل الممثلون مع هذه الموتيفة لبيان عدد المفلسين في الولايات المتحدة وفقاً لإحصائيات رسمية تبين لنا مستوى الفقر فيها ، حيث يتركز الرأسمال في يد طبقة صغيرة مسيطرة على مجمل إقتصاد البلاد ، ولكي تكون رسالة السيناريو كاملة وواضحة فان الممثلين ينقسمون إلى مجموعتين الأولى تمثل الأمريكيين الذين يفاخرون بتقدمهم والثانية تمثل الفيتناميين الذين يصورون مأساتهم أثناء الحرب الفيتنامية ، ويهدف هذا المشهد إلى بيان الدور القذر الذي تلعبه أمريكا خارج بلادها ليأتي موازياً لصورتها البشعة في الداخل الأمريكي ، وهو ما تهدف إليه رسالة السيناريو ، إن الحروب الخارجية تستدعي المزيد من الجنود وهذا ينعكس لاشك على النسيج الاجتماعي للمجتمع الأمريكي ، ولبيان طبيعة هذا النسيج والتمزقات التي أصابته فان السيناريو يختار موتيفة درامية جديدة كشاهد إثبات على ذلك التمزق ، فيدخل بنا سريعا إلى رئيس الولايات المتحدة وهو يدعو إلى المزيد من تجنيد الشباب ، وفجأة يداهمنا ( مستر بوندوس ) ليروي حكاية أبناءه العشرة الذين لابد أن يقدموا أحداً منهم للتجنيد ، لكن الحكاية لا تتم إذ تتداخل معها حكاية أخرى تبين كيفية نمو الرأسمال القذر عبر التجارة غير المشروعة من خلال موتيفة جديدة هي أسرة ( ديك ميبسون ) وزوجته وأبنه التي تنتقل من فقر مدقع بسبب سيطرة المافيا على مقدرات السوق وفشل تجارة ( ميبسون ) ، إلى ثراء فاحش بسبب تجارة الدم البشري ، الذي يزداد الطلب عليه من قبل البنتاغون بسبب الحروب الكثيرة التي تخوضها أمريكا في الخارج ، الأمر الذي يدفع بـ ( ميبسون ) إلى فتح منافذ على الأحياء الفقيرة للحصول على موارد الدم ، لكن الطلبات المتكررة تدفع به إلى ممارسة الغش عبر خلط الدم البشري بالدم الحيواني ، وعند ظهور إصابات خطيرة لدى المرضى الذين يتم نقل الدم المغشوش إليهم يقدم ( ميبسون ) وأبنه للمحاكمة ، لكنهما سرعان ما يحصلان على البراءة بسبب إنحياز القضاء الأمريكي للرأسمال ، ويلاحق السيناريو النمو الفاحش لثروة هذه الأسرة مع إنهيار قيمها الأخلاقية عبر مشاهد عديدة متداخلة مع مشاهد أخرى لنرى ( ميبسون ) وقد إعتزل تجارة الدم ليفتح صالة للقمار ، ومن ثم يفكر في ترشيح نفسه لمنصب رئيس الولايات المتحدة ، ولاشك أن الرسالة واضحة في هذه الموتيفة التي تبين الانحدارات الطبقية لرؤساء الولايات المتحدة ، حيث يختزل السيناريو الموتيفات السابقة بأجمعها في مشهد قصير واحد قائم على التداخل بين الحكايات ليكون ملخّصاً لكل المشاهد السابقة ، كما في الحوارات الآتية :

الممثل        : ( في هيئة رئيس الولايات المتحدة ) جندوهم ، حولوهم مقاتلين ، يدافعون عن حرية عالمنا الحر . يدافعون عن قيمنا ، عن حضارتنا ، عن مبادئنا ، عن نظامنا الاجتماعي الأمريكي ..

الأم الزنجية  :  ما العمل ؟ إن أبني ينزف .. وسيموت .. أرجوكم .

بيل بورين   :  لا أعتقد بأننا سنتمكن من توفير المال اللازم ، كي يتلقى داني العلاج اللازم .. لأننا فقراء .

الأم البيضاء :  لم تقدم أي جهة من الجهات المساعدة .. حتى ولا دولار واحد .

العسكري     : قدّم إبنك جندياً ، أو تقدم أنت وإياه إلى المحاكم …

مستر بوندوس : إنني بحاجة إلى أولادي ، لا أريد أن تعيدوا لي عشرة توابيت ملفوفة بالعلم الأمريكي

زوجة ديك    : إفعل شيئاً ، أي شيء ..

ديك : تعالوا .. تعالوا .. تعالوا .. ثمانية دولارات مقابل لتر من الدم .

العسكري     :  سيدي الرئيس .. شبابنا صاروا جنوداً شجعاناً ، ومقاتلين يهبطون من السماء في أي بقعة من العالم ، ليدافعوا عن الحرية والديمقراطية والحضارة الأمريكية ، إنهم يقفزون من أعالي الجو .. ويموتون ، إنهم ، يا سيدي الرئيس ، يعنون ما يقولون ، إنهم رجالنا الشجعان ، ذوي البيريهات الخضراء .(7)

ثم يعمد السيناريو إلى ( كسر الإيهام ) بين الممثلين وشخصية ( ديك ميبسون ) حينما يُجري حوارا مباشرا بين الإثنين يرافق ذلك مظاهرة للعاطلين عن العمل ، فيتداخل صوت ( ميبسون ) الذي يتصل هاتفيا طالبا شراء يخت ، وقصر جديد ، مع أصوات العاطلين عن العمل الذين يطالبون بأبسط حقوق العيش ، ثم يتحوّل هذا التضاد إلى حوار بين الممثلين و ( ميبسون ) عن الفن والمسرح ووظيفته في المجتمع ، وهي محاولة لخلق مسافة نقدية من قبل الدراماتورج بين العرض وجمهوره من جهة ، وبين الممثل ودوره في المسرحية من جهة أخرى ( التغريب ) ، ثم تنتقل بنا الأحداث لتحصل لحظة المواجهة بين رئيس الولايات المتحدة و ( مستر بوندوس ) الذي يكشف للرئيس كيف تستخدم جثث الجنود الأمريكان العائدة من فيتنام في تهريب الهيروين ، ولتعميق صورة المأساة داخل المجتمع الأمريكي ، فان السيناريو يستحدث موتيفة جديدة أيضاً يكشف عبرها حال ( الهنود الحمر ) سكان القارة الأصليين الذين تمت إبادتهم والاستحواذ على أراضي ما بقي منهم بواسطة مبشرين متنكرين يقايضون أراضيهم بحاجات يومية في مقدمتها المشروبات الكحولية ( الويسكي ) للحط من شخصية الهندي الأحمر وجعله غائباً عن الوعي دائماً ونشر الإدمان بين أوساط تلك المجتمعات البدائية ، أو عن طريق إرسال أبنائهم إلى مدارس خاصة يتم فيها تذويب شخصية الهندي الأحمر وسط نظام الحياة الأمريكية ، والمشهد يُظهر لنا هندياً أحمر يحاكم بتهمة سرقة حصان ، حيث يتم محاكمته وشنقه رغم براءته ، وهو مشهد ينوع الحدث الدرامي في العرض باتجاه كشف وتعرية مساحات واسعة من المجتمع الأمريكي ، ثم يخلق لنا السيناريو موتيفات درامية جديدة ليكوّن عبرها صورة بانورامية للحياة الأمريكية ككل ، والمشهد الآخر هو معاملة الزنوج ومنعهم حتى من الدخول للكنيسة لأداء الصلوات ، حيث يتم ضرب الزنجي حتى الموت من قبل أربعة أشخاص يرتدون أزياء عصابة ( الكوكس كلان ) المسيحية المشهورة بتطرفها العرقي والديني ، وكما في مشهد الأم الزنجية فان زوجة الزنجي المقتول تضطر إلى التسول ليحظى زوجها بصلاة من القس على روحه وبقبر من الدفّان بعد أن تنقدهم أجورهم ، ويفيد النص من تقنية الشعر للتعبير عن مأساة الزنجي بالحوار الآتي:

( الأبيض .. يحاول بالإكراه أن يجعل الأسود ينحني على الأرض )

الأسود : حسناً ، سأفعل ..

            يا للبعد الشاسع بيني وبينك .

            أنا أعيش على مصطبة عامة ..

            وأنت تعيش في ناطحات السحاب .

            أنا أعيش في شوارع وبيوت قذرة ..

            وأنت تملك السيارات والملايين

            والشوارع النظيفة

            …………………..

مجموعة الممثلين : سيكون مخجلاً ،

                        لو عاد يسوع زنجياً

                        فهناك كنائس عديدة ..

                        في الولايات المتحدة الأمريكية ..

                        لن يستطيع الصلاة فيها ..

مجموعة ممثلين أخرى : وفيها يُمجّد

                           الجنس لا الدين .

                           وإذا إجترأت وقلت ذلك ،

                           فقد تُصلب .(8)

ولا يقتصر التمييز العنصري على السود والهنود الحمر والبيض من الفقراء ، بل ويشمل الملونين الآخرين أيضاً مثل سكان شرق آسيا ، حتى لو كانوا من الذين يعيشون في أمريكا لزمن طويل ، فنجد في الموتيفة التالية المواطن الأمريكي من أصل ياباني ( لورينس جيمس بينكي ) وهو يتعرّض لشتى أنواع الضغط النفسي بدءً من مطالبته المغادرة نحو المناطق التي يقطنها الملونون ، وإنتهاءً بطلب طلاق زوجته الأمريكية البيضاء حيث يجبره مجموعة من الرجال على ذلك ، ومع أن ( بينكي ) يعيش في أمريكا منذ عام 1941 إلا أنه يُعامل كغريب ، وتؤدي هذه الضغوط الكبيرة إلى إصابته بنوبة قلبية فيموت ، وتحار زوجته أيضاً بمصاريف الصلاة والدفن ، ولكي تتكامل دائرة الفعل الدرامي فان السيناريو يجمع الشخصيات كلها في المشهد الأخير ( الأبيض الفقير / الأسود / الهندي الأحمر / الأصفر ) وبصفاتهم الخاصة ( الشاب / الفلاح / العامل / …. الخ ) ، ليبينوا بؤس أغلبية الشعب الأمريكي وكيف تتركز الثروة في أيدي رأسماليين محدودين ، لكن السيناريو لا يغلق الحدث على هذه النهاية المأسوية ، إنما يحاول أن يشعل فتيل الثورة على لسان الشخصيات السابقة مع مجموعة الممثلين بالقول :

الجميع :أنا الشعب ..

بائس ..

جائع ..

حقير ..

جائع اليوم رغم الأحلام .

دع أمريكا تكن أمريكا مرة أخرى .. ،

وطناً ..

كن رجلاً فيه ، حراً

وطنا ..

للفقراء .. للهنود الحمر .. للزنوج .

نحن الذين صنعنا أمريكا

بعرقنا ..

بدمنا ..

بإيماننا ، وآلامنا

ومن أولئك الذين يعيشون عالة على الشعب ،

ينبغي علينا ، مرة أخرى ، أن ننتشل الوطن ،

الوطن الأمريكي ..

من بين حشرجات وعذابات موتنا الإغتيالي ..

وإنتهاك الحرمات ،

وقذارات الرشوة والأكاذيب ..

ينبغي علينا ،

نحن الشعب ،

أن نصنع أمريكا ثانية ..(9)

ولا ينبغي أن ننسى بعض الموتيفات الثانوية ( المعلق / الممثلون / رئيس الولايات المتحدة / الكونغرس .. الخ ) التي تنحشر بين هذه الموتيفات الرئيسية ، لكنها لا تعدو أن تكون مجرّد روابط بين كل موتيفة وأخرى .

وعبر تشكلات النص الدراماتورجية يتشكل العرض المسرحي ، لكنه حينما تحوّل إلى الخشبة ، أفاد من بعض العناصر البصرية لتعميق تلك الموتيفات وتأثيرها الدرامي داخل العرض ، فضلاً عن تراكم الحالات الدرامية تلك ، فان الصور المسرحية تتراكم في العرض أيضاً لأن الصياغة الدراماتورجية له لا تنفصل في مستوياتها الأدبية أو الفنية ، حيث يمزج العرض بين التجسيد المشهدي ، والسرد الروائي ، فضلاً عن الطابع التسجيلي ( الوثائقي ) ، ناهيك عن توظيف قدرات الممثل في الرقص والغناء والأداء الجماعي ، من أجل إضفاء نوع من الفرجة المسرحية على العرض ، تلك الفرجة التي تقوم على إشعار المتلقي بأن ما يدور أمامه عبارة عن صناعة دراماتورجية توظف الحركات الجماعية ، والديكور البسيط لإشعاره بثيمة العرض التي تخاطب عقله قبل كل شيء ، ما يدفع بالمتلقي إلى التيقظ المستمر لشروط اللعبة المسرحية التي يقوم العرض على أساسها ، وواضح على الرغم من تنوع الحكايات ( الموتيفات ) أن العرض يستهدف فكر المؤلف القائم – ربما – على الإنبهار بنموذج الحياة الأمريكية ، وكأن العرض يريد من المتلقي وضع ذلك النموذج موضع الشك وإعادة النظر فيه ، ما يمنح عملية التلقي سمة جدلية في نسقها التواصلي مع العرض ، ومع أن دليل العرض يشير إلى أن الإخراج جماعي حيث ساهم في صناعته كل من الممثلين ( عواطف السلمان ، سناء سليم ، نزار السامرائي ، شهاب أحمد ، غازي القيسي ، مناف طالب ، حسين اللامي ، عبد الصاحب نعمة ، جلال كامل ، ستار خضير ، رضا ذياب ، عبد الجبار الشرقاوي ، كريم رشيد ، غانم حميد ، صادق علي شاهين ) ، إلا أن بصمات المخرج قاسم محمد واضحة في إنشائية العرض ، بدليل أنه قد أجرى بعض التعديلات على السيناريو بما يتوافق مع عرضه عشيّة حرب الخليج الثانية – كما أسلفنا – مثل صرخة الاحتجاج التي يطلقها ( مستر بوندوس ) أمام رئيس الولايات المتحدة ، حيث يطالبه بعدم إرسال إبنه إلى الجزيرة العربية لقتال العراق ، بينما في السيناريو الأول كان البلد المقصود فيتنام ، أو محاكمة مجموعة من الهنود الحمر بتهمة خرق القوانين الحكومية وإحتجاجهم على سياسة بوش العنصرية ورفضهم الذهاب مع القوات الأمريكية لحرب العراق ، بدلاً من الهندي الذي يحاكم ويشنق على الرغم من براءته لإتهامه بسرقة حصان ، أو منع الزنجي من الدخول لأحد بارات البيض بدلا من منعه الصلاة في الكنيسة في السيناريو الأول ، أو إستحداث مشهد جديد ( إضراب الدفانين ) لتعميق هزيمة الولايات المتحدة بما يتوافق مع طبيعة الخطاب الدعائي الذي ينشده العرض ، كما أن المخرج قاسم محمد وتأكيدا لممارسته الدراماتورجية الواضحة في العرض ، فإنه يهتم إهتماما بالغاً بالعناصر السينوغرافية المكوّنة للفضاء المسرحي ، فكانت المفردة المركزية في العرض هي القطع الخشبية المستطيلة ذات الثقوب المتعددة الأشكال التي تتحول بفضل تعامل الممثلين معها ومخيلة الدراماتورج / المخرج إلى دلالات عديدة ، فهي مرّة توحي بعمارات متجاورة ، ومرة أخرى إلى خيام في الصحراء ، وثالثة إلى توابيت ، ثم جدران ، وأحياناً صلبان ، ثم واجهة بار ، أو سجناً ، أو مبنىً للأمم المتحدة ، أو علماً لأمريكا ، وواضح أن القصد من إستخدام هذه المفردات البسيطة هو التقشف في المفردات السينوغرافية ، ولكن في الوقت نفسه إثراء العرض بالتحولات الدلالية التي تنتج شعرية العرض المسرحي ، ما يجعل الممارسة الدراماتورجية في صناعة الفضاء المسرحي تتماهى مع صناعة النص الأدبي وشكله الفني المقترح فتذوب جميع الوظائف في وظيفة واحدة ، إن هذه السمة التحولية لمفردات الفضاء في العرض تجعل منه فضاءً مفتوحاً تتشكل فيه المفردات بعكس مرجعياتها الحياتية لتُنتج لنا معاني جديدة ، أحيانا تشير إلى المكان الذي يجري فيه الحدث ، وأحياناً تشير إلى الزمان ، وأحياناً تشير إلى قيمة فكرية مجردة في العرض ، هذا طبعاً فضلاً عن ما تمنحه هذه المفردات من جمالية للعرض عبر سياق جمالي يخلق شعرية العرض – كما أسلفنا – وطبيعي أن هذه الديناميكية التي يخلقها الفضاء المسرحي في علاماته المسرحية لايمكن أن تجد تأثيرها المباشر والحقيقي إلا مع الاستخدام الجيد والمتقن من قبل الممثلين ، وهو ما استطاع فريق العمل من إتقانه لما يتمتع به من خبرة عملية في هذا الميدان .

إن الممارسة الدراماتورجية التي صنعت هذا العرض ، إعتمدت بالتأكيد على موروثات دراماتورجية هي نتاج التجربة المسرحية العراقية التي عملت دائماً على تأكيد العلاقة مع المتلقي عبر ما يفرزه العرض من معطيات فكرية وجمالية تُسهم في صياغة قراءته الخاصة للعرض ، سواء في لحظته الآنية ( أثناء فعل المشاهدة ) ، أو فيما بعد عبر التلقي البَعْدي ، ما يؤكد فاعلية المتلقي العراقي ، خاصة إذا إرتبط خطاب العرض بموجّهات محددة ، سياسية ، دينية ، وطنية ، …. الخ ، لأن طبيعة الممارسة الدراماتورجية التي ينشدها قاسم محمد في هذا العرض ، تقوم على المشاركة بالموقف من قبل المتلقي ، بغض النظر إن كنّا نتفق أو نختلف مع طبيعة تلك المشاركة وأهدافها ، فالمهم من وجهة نظر دراماتورجية هو أن يحقق العرض أثره على الجمهور .

الشيء الآخر الذي ينبغي الإلتفات إليه في هذه التجربة ، القدرة الدراماتورجية الواسعة على صهر هذه المادة الأدبية غير المتجانسة ، والأشكال الفنية التي تبدو أنها تمثل نفسها مستقلة ، لكنها كما بدت في العرض منصهرة بداخله ، لأن الثيمة التي إختارها السيناريو من السعة بحيث يمكن أن تُوقع المادة الأدبية وبالتالي العرض في التطويل والترهل ، لكن سمة النمذجة والإنتقاء التي تميز بها دراماتورج العرض هي التي جعلت منه عرضاً متماسكاً يؤدي وظيفته الأساسية في الكشف والتعرية – كما أسلفنا في البدء – وهذا بحد ذاته تأكيد عملي على أن الممارسة الدراماتورجية لاتقوم على الثقافة والخبرة العملية فقط ، إنما تقوم على الحس الفني وقدرة الإلتقاط والإنتقاء ، وهو ما لايمكن أن يتوفر إلا في التجارب التي تتمثل الفن المسرحي تمثلاً يتسم بالإبداع ، وكلما توفرت ظروف إنتاجية مناسبة لمثل هذه القراءات الدراماتورجية فإنها – بالتأكيد – ستحقق أهدافها التي وجدت من أجلها .

الإحالات :


(1) قاسم محمد : المخرج الدراماتورج ، مجلة الخشبة الإلكترونية www.alkhashaba.com

(2) ياسين النصير : بقعة ضوء بقعة ظل (مقالات في المسرح العراقي المعاصر ) ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 1989 ) ، ص 275

(3) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها .

(4) المصدر نفسه ، ص 276 .

(5) المصدر نفسه ، ص 279 – 280 .

(6) قاسم محمد : المخرج الدراماتورج ، مصدر سابق .

* نص مسرحية ( إنها أميركا ) مطبوع على الآلة الكاتبة  ويتكون من ( 30 ) صفحة من القطع الكبير ( فولسكاب ) وهو محفوظ في مكتبة كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل ، ويملك الباحث نسخة مصوّرة منه ضمن أرشيفه الشخصي .

(7) المسرحية ، ص 14 .

(8) المسرحية ، ص 24 – 26 .

(9) المسرحية ، ص 29 – 30 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ( مخرج وناقد مسرحي – العراق )

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق