Home » عن جدوى تدويرِ الحزنِ والعاطفةِ في مسرحية(الشهداء يُقتلون ثانيةً)

عن جدوى تدويرِ الحزنِ والعاطفةِ في مسرحية(الشهداء يُقتلون ثانيةً)

كتبه جبّار ونّاس
A+A-
إعادة ضبط

      جبّار ونّاس

قبل الدخول لابد من قول الآتي :

يعد بارقةَ أملٍ جديدةٍ تقديمُ مسرحيةِ( الشهداء يُقْتَلون ثانيةً)  تأليف الكاتب والفنان( جميل ماهود) وإعداد وإخراج الفنان (فيصل عبد عوده) ومن تقديم نقابة الفنانين في محافظة ذي قار/جنوب العراق على قاعة مسرح النشاط المسرحي في مدينة الناصرية ولمدة يومين 5-6 – 11-202 فثمة تحريك إيجابي لروح الفعل المسرحي في محافظة ذي قار وجعله في إطلالة جديدة  وما يدعو للتفاؤل والفرح الكبير وجود ممثلتين فاعلتين في هذا العرض (حميده مكي، ديما رعد)  .. والشيء الأهم أنَّ هذا العرض جعلنا نشاهد ممثلين كانوا قد ساهموا في حركة المسرح منذ سبعينيات القرن العشرين (جواد ساهي، سلام جيجان، حمدان حسن) ونراهم اليوم يؤدون بحيوية فنية عالية يدفعها الإخلاص والإيمان والحب الكبير لفن المسرح النبيل.

مخاضاتُ النصِ تاليفاً

يقول الفيلسوف والمتبصر الرائي نيتشه (إنَّ الإنسانَ الذي لايستطيعُ النسيانَ محكومٌ عليه بالعيشِ في جحيمٍ لاينتهي)، وفي نصه(الشهداء يُقْتَلَوْنَ ثانيةً) سعى الكاتب (جميل ماهود) إلى الذهابِ  نحو تمفصلاتِ الماضي بوصفه ذاكرةً لها من التجسيدِ المادي والمعنوي فهذا الماضي هو الذي يغذي هذه الذاكرةَ بالإستمرار ويجعلُ منها

دائرةً تُمسكُ وتُقَيِّد وتُمْعِنُ في كلِّ لحظاتِ مانحن عليه من حاضرٍ حتى بدتْ وكأنَّها سجنٌ تُحْكَمُ فيه المشاعرُ والعواطفُ وكلُّ ماله صلةٌ بهذه المسمياتِ  إنسانياً فيصيرُ هذا الحاضرُ وكأننا به وقد دبتْ بين أوصاله من علاماتِ الجحيم الذي نص عليه قول(نيتشه) آنفاً

  فنحن مع نصٍّ قصيرٍ يعتمدُ على آلية الإستعادةِ والتدوير وقد كُتِب بلغةٍ معتادةٍ ومبسطةٍ ومباشرةٍ تقتربُ من التداولِ اليوميِّ العادي تخلو من محمولاتِ المجاز  وفيها من الوضوح الشديد وذات خطابٍ يُوَجَّه بقصديةِ تُعلي من قيمةِ المضمونِ كثيراً وحتى حين إكتملَ النصُّ النهائيُّ بما قام به المعد والمخرج من إضافاتٍ فنرى الإثنين(المؤلف والمعد) قد أخذا  دورَ المُصَوِّرِ المباشرُ الذي بدا وكأنَّه جوّابٌ يطوفُ على محطاتٍ كلُّها شكلتْ علامةَ تهديمٍ وإستنزافٍ مادي وروحي للإنسان والمكان فالإنسانُ في العراق وقد راحَ ضحيةً في حروبٍ كثيرةٍ كما حصل في نهر جاسم أثناء الحرب العراقية الإيرانية أو مَنْ راح في تفجيرِ قبتي الإمامين في سامراء أثناء صعود السعار الطائفي المدعوم بفعل سياسي مسموم بين عامي 200‪5-2006   والمكان وقد حضرت به مسميات المدن كحاضن حضري ومديني كان للإنسان أن ينعمَ وسطه بالآدمية والأمان والجمال كما مرَّ ذِكّْرُ مدينتي (الناصرية، بغداد).

         وقد تبدى مسارُ التأليفِ عند المؤلفِ والمعدِّ وفق موازاة بين خطين شكلا تصاعداً ملحوظاً في بناء النصِّ وحتى عند تبديات الإخراج، فعنوانُ النصِّ يبدو حاملاً من ترسيماتِ التصور الواقعي والتقليدي والفهمِ المسبقِ تطرقتْ إليه نصوصٌ أدبيةٌ ومسرحيةٌ كثيرةٌ عربياً وعالمياً فكانتِ الذاكرةُ والموتى موضوعَها الرئيسيَّ، ولنا أمثلةٌ في المجموعة القصصية للكاتبِ الجزائري الطاهر بن وطّار بعنوان (الشهداء يعودون هذا الإسبوع) وأيضا في مسرحية (ثورة الموتى) للمؤلف الأمريكي آروين شو وكذلك نجد في نص مسرحي للكاتب الجنوب أفريقي أثول فورغارد عن شريط الذاكرة. 

           في حين يذهبُ هذا التصورُ الواقعي ليوازيه ما هو محايثٌ له بل ومستوفٍ لمدياتِ واقعيتِه ولكن بإستشرافٍ يحملُ من الغرابةِ والإشتغالِ الذي يمشي فوقَ سياقاتِ ما هو واقعي ليدخلَ في غرائبيةٍ تكسرُ من نسقِ الإستقبالِ الجاهزِ  فنكونُ بمواجهة عالم يزخرُ بالموتى والمقابر وبأمواتٍ يعودون إلى عالمِنا بكلِّ واقعيته التي ترزح  تحتَ مخاضاتٍ كثيرةٍ أغلبُها طاعنٌ في مراراتٍ مؤثرةٍ ماديا ومعنويا. 

        وإذ نحنُ مع موتى وهم أربعةُ شهداءَ وشهيدتانِ إثنتانِ والمثير إنهم خرجوا من قبورهم يرفعون من راية الذاكرة فهي ليستْ حدثاً عابراً بل يحملون من خلالها كوسيلة تحاكم واقعا بعد أنْ يقوموا بمقارنته مع عالمهم الذي كانوا فيه قبل إستشهادِهم.

          وبهذا المسارُ من التداخل مابين الواقعي وما يقابِلُه من عالم الآخرة حيث الموتى وما يجول به واقعُ وجودِهم فإنَّ نصَّ المؤلفِ والمُعدِّ أمام تساؤلٍ يمكن أنْ يطرحَه القارىءُ أو المشاهدُ  عن جدوى  الذهابِ والمبالغةِ الشديدةِ في طرح موضوعةٍ  قوامُها إستدرارُ مزيدٍ من العواطف والمشاعر التي تثير لدى الجمهور حزناً يتسم بالألم الشديد؟ وأيضا سيبرز التساؤل الآخر عن مدى فاعلية اللغة وبهذه البساطة والعادية والمباشرة وما حمله خطاب النص الذي يتوجه عنوةً نحو الجمهور وهو يخلو من متانة اللغة وقدرتها سيما وأنْ هذا النص أريد له أنْ يحملَ من فواعل الواقعي ومن تبديات الغرابة فكان له أنْ يُنجز بلغة ترتقي مع مدياتِ هذا التقابلِ والتداخل المثير؟

مدركاتُ الإخراجِ تجسيداً

ثمة إستدراكات كثيرة ومؤثرة عمل على إيجادها المخرج(فيصل عبد عوده) وهو يعيد صياغة نص عرضه مسرحيا بعد أنْ قام بتعديلات على نص المؤلف فلم يلتزم بالسياق البنائي الذي سار عليه المؤلف وإنما أعاد بناء النص وإضاف من عندياته مشاهداً وبعضا من قصائد الشعر لشاعرين عاميين عراقيين هما(زهير الدجيلي، كاظم الركابي)ولشاعرين بالفصحى(رشيد مجيد، حازم رشگ) وأيضا بعض الأغاني  والمؤثرات الموسيقية بتنفيذ الفنان(علي زيدان حمود) لتساهمَ في تعزيز وتيرة المنحنى العاطفي والنفسي لدى الجمهور وكذلك إعتمد على تدوير المشاهد لا كما رسمها مؤلف النص رغم أنه حافظ على المناخ العام الذي يتأطرُ به فضاءُ المقبرةِ كما هي عند المؤلف. 

          ووفقَ الميلِ الشديدِ نحو تعزيز المعنى ومحاولة إبرازه من خلال مبدأ التحشيدِ والتركيزِ فإنَّه يعتمد عليه وينفذه بعدة وسائل وقد أبرز ذلك إبتداءً من مشهد الإستهلال حين يبتديء الدَّفان بإستقبال الجمهور عند باب الدخول إلى قاعة المسرح وبعدها يتجول أمام وجوه الجالسين ليتطلع بهم وكأنهم موتى في مقبرة ثم يستمر بمشهد الإستهلال بمسامع تُظْهِرُ لنا أنفاساً وأرواحاً تشهقُ وتختنق ثم يكون الجمهور بمواجهة مشاهد فلمية عبر تقنية الداتا شو بتنفيذ الفنان(عمار سيف) تصور لنا إمرأةً تجلسُ حول رحى وتطحن فيها وأيضا تبرز لنا المشاهد الأخرى صورا لطائرات مقاتلة وهي ترمي بحمم صواريخها في إحالة لذاكرة الجمهور نحو ماحصل للعراق أثناء حروب عاشها أبناؤه وشهدوا على تدميرها وخرابها عليهم نفسيا وجسديا كما ويتعزز أكثر بصوت الشاعر الشعبي وهو يردد (ياهو المثلج أشرف خاطر أشگيله، گليلي يحسنه وباجر أمشيله) وقد شَكَّلَ هذا الإستهلالُ الذي إمتد زمنيا إلى أكثر من أربع دقائق في اليوم الأول لهذا العرض عمليةَ كشفٍ وفضحٍ لكل ما هو قادم ولما تأتي تفاصيل العرض، فهذا الكشف جعل من الجمهور في تماس وتواصل مباشر ويضاف له الملفوفُ الحواري الذي يطلقه الشهداء حيث صار هو الآخر من المهيمناتِ البارزةِ في العرض. 

          غير أنَّ جهدَ المخرجِ وإزاءَ هيمنةِ المضمون صار يتوزع شكلياً بصرياً وسمعياً عبر تأثيثِ المكانِ كمقبرةٍ وقبورُها واضحةٌ وشاهدةٌ وبألوانٍ بيض شَكَّلَ حضورُها كأحدِ البواعثِ الأساسيةِ في العرض وهي ترسل وتعلن عن رسائل شتى، وبهذا التَصيِّرِ في إشتغال المكان بصرياً مؤثراً فإنَّه يكاد يقلل من طغيان فاعلية ومباشرة المضمون ويعطي مساحة أخرى لدى الجمهور وهو يتلقى ويشاهد ما يدفعه نحوه وما تفيض به مجريات العرض والتي نراها وقد تعززت بفواعل أخرى من اهمها عنصر الإضاءة عبر الضوء الخافت والأحمر بتنفيذ الفنان (علي السومري) ويضاف لها مساحة الفعل التمثيلي وقد حضر ليوازي من هيمنة المكان أيضا وثقل الملفوظ الحواري فكانت لتلك المساحة التي شغلها الأداء التمثيلي لمجموعة من الممثلين يتقدمهم الفنان(عمار الحجامي) بدور (الدَّفان) وقد أخذ مساحة واسعة في هذا العرض من خلال قيادته وتوجيهه لمجموعة الشهداء وبلباس مدني حديث ويُعد حضوره وإيجاده بهذا الشكل من الإنتباهاتِ المهمةِ لفعل المخرج فَشَكَّلَ الدَّفانُ الفاعلَ العضويَّ لمسارِ الأحداثِ وفي حركيةِ الأداءِ التمثيلي الكلي أيضا حتى أصبحَ ضابطاً لإيقاعِ العرضِ فبملبسه وهو يحملُ على ظهره عدة الدفن ويضع القبعةَ الدائريةَ على رأسه التي ساهمتْ من خلال تحولها في إشتغالاتٍ منها أنها أصبحتْ كأناء ماء يرش به على رأس الشهيد الأول. 

        وإذا ما ذهبنا مع مجموعةِ الشهداء الستة(علي خضير، جواد ساهي، سلام جيجان، حمدان حسن، حميدة مكي، ديما رعد) نراها وقد عكست تراجيديا الإجساد حين تُمتحنُ في عالمين الاول في الحياة حيث واقع وطن أكلت منه الحروبُ وما تبعها من أفانيينِ الخرابِ الطائفي وتفشي ضياعُ الوطنِ، والثاني عالم الموتى وفي كلا العالَمَيْن تقدم هذه الاجسادُ رسالتَها العلنيةَ في الفضحِ والكشفِ العلني عما آلتْ إليه أحوالُ هذا الوطن (العراق) وكيف طحنتِ الحروبُ من أرواحِ اهله وكيف تغيرتْ تراسيمُ أَمْكِنَتِه ومُدُنِه؟ 

          وما يُحسب لهذه المجموعة وبتوجيه من المخرج أنها بقيت محافظة على إلتزامها بإشاعةِ مناخِ وأجواءِ الموتى وهو يخرجون من القبور وحين يعودون لها وبنداءات(الدفان) وهو يردد على مسامِعِهم ب(عودوا) وحتى في إنفرادهم الواحد تلو الآخر وضمن سياق الأداء المرسوم لهم، فالممثل (جواد ساهي) يتداعى مع مشاعره وهو يردد(إذا مو إلگ، إلمن روحي تشتاگ)، و(سلام جيجان) وبحركةٍ إنسيابيةٍ جميلةٍ يَقُصُّ على زملائه الشهداء عن يوم ومكان إستسهادِه في نهر جاسم، والممثلة(حميده مكي) وقد عكست وأظهرت مقداراً كبيراً من مشاعرها وحزنها على فقدان ولدها، والممثل(حمدان حسن) فنحن مع لوعاتِه الداخليةِ إذ يستذكرُ مدينتَه(بغداد) التي كان عنوانَها الجمالُ قبلَ خرابِ الحرب، فيما الممثلة الشابة(ديما رعد) فقد كانتِ الإضافةَ الإيجابيةَ وهي تُذَكِّرنا بيوم ومكان إستشهادها أثناء تفجيرِ قبتي الإمامين في سامراء، أما الممثل (علي خضير) فكان رهانَ العرضِ من حيث الحضورِ ومن حيث المساحةِ التي ملأها أدائياً حين وقعَ عليه إختيارُ مجلسِ الموتى لكي يَخْرُجَ من عالمِ الموتى إلى عالمِ الأحياءِ لغرضِ معرفةِ ما حصلَ من تطوراتٍ وأحداثٍ على واقعِ وحياةِ أهلِهم فصارَ يسيرِ بملابس المندوب الإستقصائي وسطَ شوارعِ الوطنِ يصاحبه بأداء صوتي من قبل الفنان (رعد إمقيص) وهو يردد النشيد الديني (يحسين بضمايرنه) ثم يعودُ بعدها إلى عالمِ الموتى ويقرأُ على زملائه الشهداء ما لم يَسُرّْهم من أخبارٍ بعد أن نقلَ لهم ماهو منافٍ لكلِّ ما كانوا يعيشونَه من حياةٍ جميلةٍ من حيث الإنسانِ والمكانِ قبل إستشهادِهم وفي هذا قدَّمَ من مفاصلِ الأداءِ التمثيلي المؤثرِ صوتاً وجسداً ومشاعرَ عالية في الحزنِ ليتميزَ في واحدٍ من أهمِّ ادوارِه تنوعاً في تجسيدِ تراجيديا الجسدِ لتكونَ الناطقَ والمعبرَ عن معاناةٍ إنسانيةٍ كبيرةٍ مادياً وروحياً.. 

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق