Home » تَــمثّـلات الجســد: فـردوس الآخـر وجـحـيــم الـذات .. قراءة تحليلية في عرض مسرحية حديقة هيسبريدس 

تَــمثّـلات الجســد: فـردوس الآخـر وجـحـيــم الـذات .. قراءة تحليلية في عرض مسرحية حديقة هيسبريدس 

كتبه هوشنك وزيري
A+A-
إعادة ضبط

هوشنك وزيري*

قــدم العرض المســرحي «حديقة هيســبريدس» (The garden of the Hesperides) ضمن المســابقة الرســميَّة للــدورة السادســة من مهرجان بغــداد الدولي للمســرح (10 – 16) أكتوبــر الماضي، وهو من إخراج الإســبانيَّة أليســيا ســوتو، ونتاج تأليف جماعي اشــترك فيه كل من أليســيا ســوتو، وخوليو مارتن دافونســيكا، وكارمن ســاموديو كوســتينا. وقد أنتجت المســرحيَّة بالتعاون بين مســرح عين حرودة في الــدار البيضاء، ومركز ســرادة الثقافي، ومســرح كالديرون في بلد الوليد، وعرضته فرقة أليســيا ســوتو- هوجاراســكا من إســبانيا.

هوشنك وزيري

يستعير العرض المسرحي عنوانه، “حديقة هيسبريدس” من إحدى حكايات الميثولوجيا الإغريقية ويجعلها بوابة للدخول إلى العوالم الخفية للنساء والخوض في قضاياهن اليومية والوجودية. فبحسب الأسطورة كانت هيسبيرديس حوريات أو فتيات عذبات الصوت وظيفتهن خدمة وحراسة الشجرة التي كانت تثمر تفاحا من الذهب. الاستعانة برمزية الحوريات الإغريقية لاستكشاف محن وصراعات نساء المجتمعات الراهنة تستدرج المشاهد لبناء عملية مقارنة، وأن كانت سريعة، في موضوعة البحث عن الهوية عند المرأة التي تُختزل عادة في أدوار مجتمعية محددة لها مسبقا، والصراع بين الحريات والقيود المفروضة عليها في أكثر من مستوى، والأهم التوق إلى التحرر من هذه الأدوار النمطية المرسومة لها.

يمكن قراءة الحوريات في الميثولوجيا على أنهن يمثلن مبادئ الانوثة المقدسة ورمزا لها في مواجهة عنف وذكورة هرقل مثلا الذي دخل الحديقة وأخذ ثمارها الذهبي، إلا أنه يمكن قراءتهن أيضا ككائنات محدودة الدور ومقيدة الحركة كحارسات وخادمات للآلهة، وفي بعض الأحيان كعشيقات لهؤلاء الآلهة في أدوار تكاد أن تقترب، مجازيا لا حرفيا، من “المحظيات”، مما يضعهن في موقع يعكس محنة النساء المعاصرات واستمراريتها. إذ ما زلن النساء، رغم تغيير السياقات والآليات، خاضعات لبنية أبوية اجتماعية- ثقافية شاملة غالبا ما تضعهن في موقع أدنى مرتبة من الرجل، يقمن بخدمة شهواتهم، ويحرسن مصالحهم بل وأغراضهم أيضا.  

إذا، بدءا من العنوان، يخوض العرض معركته “النسوية” جماليا وفكريا.

بالرغم من شحة استخدام اللغة المنطوقة أو اللفظية في العرض الذي اعتمد بالدرجة الأساس على لغة الجسد من الحركة والرقص والإيماءة، إلا انه ارتكز على مجموعة نصوص شعرية وسردية أهمها مقاطع لقصيدة “رغم ذلك سأنهض” للشاعرة الأمريكية من أصول الأفريقية “مايا أنجيلو” ومقتبسات من الكاتبة الإيطالية باولا ماسينو كما في مشهد ربة المنزل ومقطع قصيدة للشاعرة المغربية مليكة العاصمي. بالإضافة إلى حكايات شخصية فردية.

يفتتح العرض بمشهد منفرد تؤديه الممثلة سناء عاصف مبني على قصيدة أنجيلو، ويمنح المفتاح الجوهري للمسرحية ويرسم مزاجها العام “يمكنك أن تدونني في التاريخ / بأكاذيبك المُرّة والملتوية/ قد تسحقني بقدميك في التراب / لكن مع ذلك سأنهض مثل الغبار.”

يتعامل المشهد مباشرة مع الجسد، وهو يحمل في مستواه الخفي تناقضا مقصودا: تغسل الشخصية ساقها وتقوم بحلاقتها وهي تغني أغنية مغربية- أفريقية، ثم تلقي مونولوجها الذي يكاد أن يكون خطابا مباشرا يتغنى بالذات والجسد لكنه مبني على التمرد على السلطة السائدة ورفضه لرؤيتها للمرأة ومفهوم الانوثة. والتناقض في المشهد يكمن بين الفعل البصري والخطاب السمعي، بين فعل الحلاقة/ التزيين كممارسة تقليدية لترويض الجسد وطقس امتثالي خاضع لمعايير الجمال المفروضة والمقبولة ذكوريا ومن ثم مجتمعيا، وبين خطاب التحدي لهيمنة هذه الرؤية. توجه الشخصية أسئلة استفزازية مباشرة “هل تزعجك وقاحتي؟ جاذبيتي الجنسية؟ هل يغضبك كبريائي؟” ضمن خطاب مضاد تستهدف به منظومة سلطوية متعددة الطبقات: الموروث الديني التقليدي، السلطة السياسية الذكورية، والسرد التاريخي المدون من قبل الرجل.

وكلما تكرر الشخصية كلمة “سأنهض” بهدوء وتصميم، تنظر مباشرة إلى الجمهور مشددة بذلك على عنصر التحدي في خطابها.

ينتقل العرض الى التصدي لتساؤلات وجودية حول جدوى أن تكون هنا أو هناك أو في أي مكان، مشككا في قدرة الكلمة على مواجهتها الفراغ الوجودي، أو مقاومة ما تسميه الشخصية بالحيوان المسعور الغاضب الذي تعيشه وهي تحمل عبئا ثقيلا أينما ذهبت.

ففي أحد المشاهد تدخل الشخصيات الخمسة وهن محنيات الظهر بسبب الحمل الذي يثقل كاهلهن. والحمل هنا قد يُحيل إلى الموروثات التاريخية الذكورية الطويلة التي ساهمت في تشكيل الصورة النمطية للنساء والقيود المجتمعية المفروضة عليهن. لكن المشهد يحيل أيضا إلى ما تسميه السلطات الاسبانية بـ “النساء البغال” في إشارة إلى النساء اللواتي يعملن كحمالات بين المغرب وبين مستعمرتي مليلة والسبتة الواقعتين تحت السلطات الاسبانية.   

يمضين النساء في حركة شبه دائرية ذهابا وإيابا في إحالة واضحة للحلقة المفرغة التي يعيشنها. وبعد أدائها لسلسلة من الحركات الجسدية التي تحيل إلى التوتر والآلام الداخلية، تبدأ إحداهن، الممثلة سناء عاصف، بجمع النساء الأخريات في زاوية ما وتكويمهن فوق بعضهن البعض وكأنهن مجرد أشياء. ترمي إحداهن فوق كتفها وكأنها مجرد كيس بضاعة وتقول مشككة في جدوى الوجود، وقدرة اللغة في فهم الأشياء والتعبير عنها: “ما المغزى من أن أكون هنا؟ / في هذا المكان أو في غيره؟ ما هي قوة الكلمات/ في مواجهة ذلك الحيوان الغاضب المتمثل في الفراغ؟” ثم تلقيها فوق الشخصيات/ الأشياء أو الأكياس الأخرى. ثم تمسك ببطنها وتقول: “وهذا الحيوان لايزال هنا/ معي، بداخلي/ ويخاطبني بلغة بلا كلمات” بينما الأجساد الأخرى في الخلف تنهض ببطء في حركات ملتوية متوترة.

يشدد مشهد ربات المنزل حين يقمن الشخصيات بترتيب الشراشف وطوي الملابس ومسح الأرض بل والزحف عليها أيضا، على صورة الدور التقليدي للمرأة باعتبارها خادمة مطيعة مع وجود ضحكة على محياها. تقول الشخصية بينما الأخريات يقمن بالمهام المنزلية: أنتم تطيرون. نحنُ على الأرض/ من طيرانكم، تجلبون لنا، إن حصل، / مظلاتكم الممزقة لترقيعها، وإزالة البقع عنها، / وطيها وحفظها/ ومع كل هذا، نبتسم. في إشارة واضحة بين التناقض في موقعي ودوري الرجل والمرأة. فبينما الرجل يطير في إشارة إلى حرية أفعاله، تلتصق المرأة بالأرض (فعل الزحف) وتنظفها مكبلة بقوانينها وأعرافها. ويجب الإشارة إلى أن طوال المشهد تؤدي الشخصيات مهامها المنزلية وهي تضحك. والضحك في زاوية منه هو اتخاذ موقف مرير وساخر من كل هذه الأعباء.  

نقل الفضاء الحميمي الفردي الخاص في مشهد الحمام، الى فضاء جماهيري عام يجعل من المواجهة مع أنظمة القمع مواجهة مباشرة، الأنظمة التي تعمل تارة على إخفاء وقمع هذا الجسد أو إضفاء تعاريف ومفاهيم أخلاقية واجتماعية ودينية عليه تارات أخرى. تستعيد الشخصيات هنا الحق في تعريف جسدها وخياراتها أمام الآخرين لتتحول هذه اللحظة الحميمية إلى فعل مقاومة جماعي.     

وعلى مستوى الأداء الحركي، فباستثناء هذا المشهد الذي يبدو فيه الجسد حرا ومسترخيا ومبتهجا قليلا وكأنه يستعيد ملكيته واستقلاله من الآخرين، ويخدم نفسه بدل أن يكون خادما للآخرين، غالبا ما يبدو الجسد في العرض غير متزن وغير مسترخي وكأنه فضاء مستلب ومشحون، مزدحم بالآخرين وبنظراتهم وآرائهم عنه. جسد لا يملك ذاته. فرغم المرونة العالية لأجساد الممثلات، بل وبسبب الاتقان العالي لحركات الرقص، هيمن التوتر على الأداء الحركي للشخصيات تعبيرا عن هذا الازدحام داخل الجسد، وأقصد ازدحام الرؤى والتصورات الذكورية عنه. فأحد المبادئ الأساسية للفكر النسوي (ماغريت آتود، سيمون دوبوفوار، هيلين سيكسو والأخريات) يتفق على أن المرأة لا تعيش جسدها كذات حرة، بل كفضاء أو كشيء يخضع لنظرات الآخر الرجل. وتقول المفكرة الفرنسية هيلين سيسكو في مقالها ضحكة ميدوزا (١٩٧٦) بأن المرأة تم إقصاؤها عن جسدها بعنف كما تم إقصاؤها عن فعل الكتابة عن نفسها.

ورغم محاولاته الخجولة لإظهار مفاتنه في بعض لحظات العرض، لكن سرعان ما يعود الجسد ليصبح مضطربا يهيمن عليه التوتر والانفعال والغضب أيضا. فالحركات في الكثير من الأحيان انفعالية وعنيفة مثل ركض سريع، سقوط متكرر، الزحف على الأرض، قبضات اليد، تقلص وانكماش وكأن هذا الجسد لا ينتمي لذاته، وليس سيد نفسه، وكأنه يريد الاختفاء تحت وطأة الخيبات المتكررة وثقلها.

هناك مستويين شعريين يتلاحمان ويتدخلان في العرض باتساق وهارمونية عالية، الأول جمالية الفضاء البصري الذي يتكون بالدرجة الأساس من لغة الجسد الراقص، وثم شعرية اللغة المنطوقة المتمثلة في قصائد ونصوص سردية تروي حكايات شخصية: “في الثالثة عشرة من عمري قصوا ضفائري/ وقالوا لي الآن تتصرفين كسيدة شابة/ فشددتُ قبضتي بكل ما أملك من قوّة، وتمنيت:/ أن ينمو شعري وصولا إلى عانتي/ أن أهرب/ وأجوب العالم عارية،” كما تروي إحدى الشخصيات التي تجسدها الممثلة استر لوزانو.

وبالإضافة إلى عنصري الجسد واللغة، هناك عناصر أخرى مثل الضوء والصوت والموسيقى والإكسسوارات والتعامل مع فضاء الخشبة الفارغ، تساهم جميعها في صياغة بلاغة بصرية شاملة قادرة على بناء نظام وظيفته التأويل وإنتاج المعاني باستمرار رافضا أن يكون مجرد عملية تزيين مجاني فارغ.

تمثل الشخصيات، أو الأصح تؤدي الحركات، خمس ممثلات عملن وعشن داخل ثقافات مختلفة: لورينزا دي كالوغيرو، بالوما كالديرون، سناء عاصف، إستر لوزانو، وأليسا سوتو. وربما تمثل حديقة هسبيرديس الحدائق السرية الكامنة للنساء جميعا كما يقول أحد دراماتورجي العرض، خوليو مارتن دي لافونسيكا على الموقع الإلكتروني للفرقة، “لكل النساء عالميًا، نساء من ثقافات وأديان وأماكن وأزمنة مختلفة.” وتؤكد المخرجة في كلمتها على هذه الشمولية بقولها “بغض النظر عن بلدانهن، الحدائق جميعها هي نفسها”: حدائق الزوجة التي تترك الشراشف نظيفة في السرير، والأم التي يسكن المقدس في داخلها، والموظفة التي غالبا ما تخلط بين المكتب والمنزل ويصيبها القرف، والمهاجرة التي لديها شهادة جامعية وتتكلم لغة المجتمع الجديد ولكنهم يسألوها باستمرار “هل تتكلمين لغتنا؟” وأدوار أخرى. رغم شمولية هذا الطرح، ورغم تعدد الشخصيات في العرض، إلا أنه لا يمكن إنكار حضور روح مغاربية تطفو على العرض من خلال الموسيقى وهي من تأليف المغربي عبد الله حساك، والغناء الوجداني للممثلة سناء عاصف وبعض الحوارات العربية باللهجة الدارجة. وكأن المرأة هنا في هذا العرض تنتمي إلى جغرافيا مغاربية قبل انتمائها لجغرافيا اسبانية أو فرنسية أو إيطالية أو أمريكية. 

من خلال استكشافه لهذه الحدائق جميعها، وخصوصا الداخلية: قصصهن، خيباتهن، حيرتهن، أحلامهن، روح التحدي لديهن، وما تحمله أجسادهن من مفاتن وندوب، يطرح هذا العرض مفارقة في غاية القسوة، وهي إذا كان جسد المرأة يمثل الفردوسَ للرجل، فأنه غالبا ما يتحول هذا الجسد إلى جحيمٍ للمرأة نفسها. يفقد الجسد ملكيته ويصبح في الوقت نفسه مصدرا لشرف وعار الآخرين. وهذا التضاد في قطبي معادلة الفردوس والجحيم يكشف حقيقة أعمق، كثيرا ما يتم إغفالها، وهي ان الجسد الأنثوي فضاء تتلاطم فيه معان ومفاهيم متناقضة جذريا، فهو يُختزل إلى مصدر للشهوة واللذة عند الآخر الرجل، بينما يتحول إلى فضاء لممارسة السلطة والقمع والتشيء في تجربة المرأة.  

* هوشنك وزيري كاتب مسرحي وباحث كردي عراقي.

تنويه: كتب هذا المقال النقدي بناء على مشاهدتين. مشاهدة الفيديو الذي بعثته لجنة المهرجان مع الترجمة الكاملة للحوارات. ومشاهدة العرض بشكل حي يوم 11/10/20205 على مسرح الرشيد.

اليسا سوتو

نبذة عن المخرجة

أليسيا سوتو، مخرجة إســبانيَّة وباحثة في الرقص والمســرح. درســت تصميم الرقص والأداء في معهد المســرح فــي برشــلونة (1992)، وتدربــت تحــت إشــراف بينا باوش في ألمانيا. وهي مؤسّســة شركة Soto-Hojarasca حيــث أخرجــت وصممت أكثر من 30 عرضــاً، مع التركيــز على الاندمــاج بين الرقص والمســرح وبناء دراما بصريَّة باســتخدام الوسائط المتعــددة والتقنيــات الحديثة. تشــمل إســهاماتها عضويَّة لجنة تحكيم جوائز ماكس الوطنيَّة لفنون الأداء، ومشــاركتها في الأكاديميَّة الإســبانيَّة لفنون الأداء، فضــاً عــن عملهــا فــي الأوســاط الريفيَّة، ودوليــاً للترويــج للرقــص بصفتــه أداة للإدمــاج والتنميــة. ويعــد «حديقــة هيســبريدس» أحدث أعمالهــا وقــد قدم فــي تونــس والمغــرب والعراق.

ــــــــــــــــــــــــــــ

نشر المقال في مجلة المسرح التي تصدرها دائرة الثقافة في الشارقة/ الإمارات العربية المتحدة

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق