ضياء حجازي
اذا كان يُحسب لادارة ايام قرطاج المسرحية تنظيمها وبرامجها المتنوعة، فإن اهم ما يحسب لها -وهو مهرجان تونسي عريق- انها رسخت ولائها للمسرح كفن أصيل ومؤثر، ببرمجتها لعرضين كبيرين هما “حلم” للفاضل الجعايبي وعرض “الهاربات” لوفاء الطبوبي. شكوانا وصلت حدود السماء نحن ناس المسرح، وهذا حق لنا، اذ ان المسرح كمجال تنوير وتثوير مايزال يعاني معضلات كبرى في السياسات عامة والسياسات الثقافية على وجه الخصوص. اكرر هنا ما قلته في عدة سياقات سابقة، نحن لاجئون، كلنا، نبحر في قوارب بلا سترات نجاة، وليست غايتنا ان نغادر الاوطان، بل ان نحاول النجاة والاستمرار في العمل، رغم “كره واذلال” مراكز السلطة وجيش من الطفيليين الذين يقتاتون على فتات موائد السلطة.

اذن! ما فعلت وفاء الطبوبي وخمس نساء ورجل في ذلك “الهروب” في عرضها “الهاربات”. كيف يمكن لاجساد خمس نساء ورجل ان تتحول الى ماكينات حية لتوليد كل هذه الافكار والمشاعر؟ اقول دائما، ان العرض المسرحي المُتقن، يمسك بالقلب اولا ثم العقل، وقد يتواشجان ويشكلان معا نسيجا متوهجا بشفرات جلية وصادمة ومؤثرة ليتم ابرام ذلك “العقد السحري” بين الخشبة والصالة، ليتحدان، فتغيب الحدود ويزجك العرض كي تتساءل في لحظات عدة، هل هم انا؟ وهل انا جزء من هم؟ لا يمكن في عرض “الهاربات” الا ان تنتمي لكل ما يحدث في ذلك الفضاء الذي يضج بالمشاعر والافكار. ولا يمكن بحال، ان تتحدث وانت في خضم التلقي (الان وهنا) ان تفصل -ببرودة- بين مفردات العرض، فتحاول ان تؤول او تحلل تلك الخارطة الساحرة للبناء الداماتورجي لما قيل، او ما تواشج معه من بناء لحركة الاجساد الستة، او للضوء او المؤثرات او الموسيقى. لانك امام صانعة ذكية لكل هذه البنى المختلفة والتي انتجت نسيجا متقنا من تلك العناصر كي تتوهج كل ثانية في العرض محملةً بدلالات تذكرنا باننا لسنا جمهورا يشاهد عرضا مسرحيا، بل اننا جزء من طوفان مرعب، نعيشه ولا نريد ان نعي انه ليس قادما، لا، يل هو واقع يومي تعيشه الست شخصيات، كما نعيشه، ويعيشه الملايين من البشر الذين نحاول تجاهلهم، كل يوم، في الشوارع وفي مواقف الباصات ومحطات القطارات، هم كلهم نحن وإن حاولنا التخلص او المتلص من سماع انينهم. اصوات المقهورين تردنا الى أصلنا، الى أننا مطالبون،
كلنا بقول كلمة حق، لكن هذا مكلف جدا(هنا والآن) في كل مدننا التي اجتاحها الجرذان. لا ادري حقيقة كيف اصف كل ذلك الجهد الكبير الذي تبذله الممثلات الخمس والممثل الوحيد خلال العرض. الذي اعرفه كمسرحي، هو ان هناك ورشة عظيمة هي التي خلقت كل هذا الجمال بكل ذلك الوجع الذي”لا يُحتمل”. التيه -برأيي-هو ثيمة هذا العرض، لكني لابد ان ابحث عن عنوان، لعلي أُمسك بفكرة كبرى الج من خلالها لعوالم العرض الثرية. لكن هل يكفي هذا؟ الجواب يمكن بداية في نص العرض. وهو بناء دراماتورجي مُحكم قد تأسس على حكايات/ذواكر/اقدار الشخصيات الستة. وهي شخصيات (نعرفها) او قد تكون نحن، جيراننا، زميلاتنا، او بشر زجوا في السجون او اختفوا وربما اعدموا بسلاح وطني. الاهم، انهم يشبهوننا في ذلك التيه المُذل، حيث لا دليل ولا من قارب نجاة. لذلك تدور تلك الكائنات الستة في دوائر وكأنها في “متاهة/لابيرينت” لن يكون منها مخرج. الحديث والتحليل واسترجاع الاف اللحظات المؤججة بالافكار والمشاعر والمنتجة للتفاعل الخلاق مع جمهور متنوع بمرجعيات مختلفة (لان جمهور المهرجانات له خصوصيته)، يطول جدا. لان هكذا عرض هو درس كبير وهو بالنتيجة اعادة لتعريف المعنى الحقيقي لفن صعب ومهم وحيوي كالمسرح. ختاما، هي مفارقة كبيرة، لكنها مفارقة منتجة وخلاقة، ان يتقاطع مشروعين مسرحيين لجيلين مختلفين، وهما عرض الجعايبي “حلم” وعرض “الهاربات” لوفاء الطبوبي، ويتفقا على ضرورة ان تكون حكايات عروضنا، هي حكاياتنا نحن، وحكايات الالاف من ناسنا، حتى المُذلون، والمتسلقون وباعة الضمير، والمشعوذون، والافاقون، والفقراء، ومدعي الدين ومدعي الثقافة والسماسرة والفاسدين من اصحاب المراكز المتحكمة بمصائر البشر، كلهم، هم نحن. تحية، لكل شهقة وزفرة حرى لمجموعة عرض “الهاربات” وقد عالما، نحبه وننتمي له رغم مواجعه. تحية ايضا للجمهور الذي صفق طويلا وقوفا، لبيان محبته واعجابه بعرض نفخر به جميعا.