1- ازمة حوار – محمد عبد الخضر الحسيناوي
مقدمة
في زمنٍ تتسارع فيه الخطوات وتختنق فيه المعاني، تتحول المكتبة — معبد الكلمة إلى فضاءٍ صامتٍ تتردّد فيه أصداء الكتب المهجورة.
القراء قلّوا، والكتب صارت تُقرأ على عَجَلٍ كوجبةٍ باردة.
تذوب الحوارات في هواءٍ ملوّثٍ بالصخب،
وتغدو الثقافة ساحة جدلٍ عقيم،
فيها يعلو الصوت وتغيب الفكرة.
من هنا تولد (أزمة حوار) حكاية رمزية عن جيلٍ يقرأ ليُقال إنه قرأ،
وعن آخرين لا يزالون يبحثون في الرماد عن جمرةٍ تُضيء.
مكتبة واحدة…
لكنها تمثل العالم كلّه في زمنٍ صار فيه الفكر ومضةً، والحلم تغريدةً، والقراءةُ ترفًا يوشك أن ينقرض.
الشخصيات
سامي: قارئ هادئ الطباع، يمثل صوت العقل والاتزان.
كريم: شاب صادق ومتواضع،
أسعد: قارئ متعجل متباهٍ بثقافة سطحية
أميرة: مثقفة عملية
سماح: طالبة دراسات عليا تبحث عن مصادر لرسالتها
مدير المكتبة: رجل وقور متعب، يحمل ذاكرة الأمكنة ومرارة العزلة الثقافية.
قراء صامتون: (يمكن تجسيدهم بإيماءات أو ظلال، يجلسون في الخلفية، بلا صوت، يرمزون إلى الغياب الثقافي.)
المكان: مكتبة عامة – تتوزع فيها طاولات وكراسٍ ورفوف كتب، بإضاءة خافتة هادئة.
الزمان: الزمن المعاصر – لكنه يمتد رمزيًا إلى كل زمانٍ تُهمل فيه القراءة وتُغتال فيه الفكرة.
(إضاءة بيضاء خافتة تملأ المكان. رفوف الكتب تصطفّ في عمق المسرح. أصوات أوراق تُقلب وهمسات متقطعة. في المقدمة يجلس سامي على طاولة خشبية يتأمل غلاف كتاب، بينما يجلس كريم في مواجهته من الجهة الأخرى. بالقرب منهما أميرة وسماح تغوصان في القراءة، تتبادلان نظرات صامتة بين الحين والآخر. في الخلف، يقف أسعد أمام الرفوف، يبحث بعصبية عن شيء ضائع)
أسعد: (بعصبية وهو يزيح الكتب) هل يُعقل هذا؟! مكتبة كاملة ولا أثر لدان براون؟! لا شفرة دافنشي، لا الرمز المفقود! ثم يقولون إنهم مثقفون! أي ثقافة هذه بلا دان براون؟!
سامي: (بهدوء وهو يرفع رأسه عن الكتاب) أخي، رجاءً… المكتبة للقراءة، لا للخطابة. اخفّض صوتك، فهنا الكلمة تُسمَع همسًا لا صراخًا.
أسعد: (باستهزاء) أيباه! يبدو أني أثّرت فيك دون قصد، تكلّمت ففهمت! على أساس أنك تقرأ شفرة دافنشي مثل الكبار!
سامي: (بابتسامة خفيفة) ليس كل من لم يقرأ لدان براون جاهلًا، فالعالم مليء بالكتّاب الذين يصنعون فكرًا من غير أكواد ولا رموز.
أسعد: كلام نظري! أنا سمعت في مقهى الأدباء أن دان براون هو عمدة الكتاب!
كريم: (يرفع رأسه ببرود) لا عمدة في الأدب يا رجل، ولا شُرطة للثقافة.
أسعد: (مستغربًا) ماذا؟ يبدو أنك مبتدئ في القراءة… لا تفرّق بين الأدب والعبث!
كريم: (بهدوء متأمل) ربما أنا مبتدئ، لكنّي أتعلم. فالبحر لا ينتهي عند شاطئ، والمعرفة تُجدَّد مع كل موجة.
أسعد: (بابتسامة انتصار) ها! قلتها بنفسك، مبتدئ. إذًا، كلامك بلا وزن.
كريم: (بعصبية مكبوتة) والبركة بك، أنت المثقف الواعي! حدثنا إذًا عن قراءاتك، عن أعمالك، عن منجزك العظيم!
أسعد: (بفخر مصطنع) أنا في طور كتابة رواية.
سامي: تكتب؟ رائع. وكم كتبت منها؟
أسعد: صفحة واحدة… لكنها صفحة من نار!
سامي: (مازحًا بجدية) جميل، وما موضوعها؟ حبكة، شخصيات، مدخل، صراع؟
أسعد: (مستغربًا) ها؟! ما هذه الكلمات الغريبة؟ قلت لك رواية، ليست أطروحة فلسفية!
كريم: لكن الرواية يا عزيزي تبنى بهذه المفردات، وإلا فهي… صفحة بلا روح.
أسعد: أنا أكتب من الإلهام، لا من القواعد!
سامي: لكن حتى الإلهام يحتاج إلى بوصلة. كيف تبحر بلا اتجاه؟
(صمت قصير، تلتفت أميرة من مكانها بملامح ضجر وصوت متهدج بالصبر.)
أميرة: ألا يمكنكم الهدوء؟! نحن في مكتبة عامة، والضجيج يشوّش على من يقرأ!
أسعد: (باستهزاء) يشوّش على القرّاء؟! وهل بقي في هذا الزمن من يقرأ حقًا؟!
(إضاءة خافتة على وجوه الحاضرين. تتقاطع نظراتهم في صمت متوتر)
(الإضاءة تزداد قليلًا. يتبدد الهدوء الذي فرضته أميرة قبل قليل، لكن التوتر لا يزال عالقًا في الجو. سماح تقلب أوراقًا كثيرة على الطاولة، تكتب ملاحظات بخط دقيق، ووجهها مشدود بالتركيز. أميرة تراقبها بحنان. أسعد ما زال واقفًا قرب الرفوف، يتظاهر بالبحث عن كتاب بينما ينصت للحديث. سامي يطالع كتابًا بعنوان (فلسفة القراءة)، وكريم يدوّن شيئًا في دفتر صغير)
سماح: (بصوت منخفض وهي تكتب) كم هو صعب أن تعثر على مصدر موثوق… كل الكتب تتحدث عن الثقافة، لكن كلٌّ يعرفها على طريقته.
أميرة: ما موضوع رسالتك يا سماح؟
سماح: أزمة الحوار في المجتمع المعاصر، بحث في العلاقة بين الفهم والاستماع. أدرس كيف يتحوّل النقاش إلى معركة، وكيف يموت المعنى بين الأصوات.
أسعد: (يضحك بصوت عالٍ) ها! أظن أن بحثك وُلد هنا، بيننا! أليس هذا ما يحدث الآن؟!
سامي: (ساخرًا بهدوء) ربما نحن مادة بحث حيّة. تجربة ميدانية عن ضجيج الثقافة.
كريم: أو ربما عن فقدانها.
أسعد: بلا سوء الظن بالآخر. كل من يختلف عنكم يصبح جاهلًا في نظركم!
سماح: ليست المسألة في الاختلاف، بل في طريقة الإصغاء. الحوار لا يُقاس بعلوّ الصوت، بل بعمق الفهم.
أسعد: (متهكمًا) جميل جدًا… كلام أكاديمي أنيق، لكنه يصلح للمؤتمرات، لا للمكتبات.
أميرة: بل للمكتبات أولًا، لأنها بيت العقل.
سامي: المكتبة مرآة المجتمع… فيها من يبحث عن الحكمة، وفيها من يطلب الشهرة، وفيها من لا يعرف ما يطلب.
كريم: أو من يهرب من صمته بالضجيج.
أسعد: (غاضبًا) كفاكم تعالٍ! أنا لست أقلّ منكم فهمًا، أنا أقرأ وأكتب وأفكر!
سماح: (بهدوء حازم) لكن التفكير لا يعني التحدث فقط. الحوار ليس ساحة صراع.
سامي: بل هو ساحة اختبارٍ للأفكار. من لا يحتمل النقد، لا يستحق الكلمة.
(يتقدّم أسعد نحوهم بخطوات متوترة، ثم يجلس على الكرسي المقابل لسامي، ينظر إلى كريم بغضب مكبوت)
أسعد: إذن، حدّثوني… ما معنى الثقافة في رأيكم؟
كريم: أن تعرف كيف ترى نفسك في الآخر دون أن تنكره.
سامي: وأن تسأل قبل أن تحكم، وتقرأ قبل أن تتكلم.
أميرة: وأن تصغي بقلبك قبل أذنك.
سماح: وأن تفهم بأن الحوار ليس لإثبات الذات، بل لاكتشافها.
(صمت. يخيّم السكون. أسعد ينظر إليهم بتعب، كأنه يواجه نفسه لأول مرة)
أسعد: (بصوت خافت) ربما… ربما كنت أصرخ لأسمع نفسي.
(تخفض سماح رأسها وتدوّن ملاحظة جديدة. أميرة تنظر حولها وكأنها ترى المكتبة في ضوء مختلف. سامي يغلق كتابه ببطء)
سامي: ها قد وجدنا أخيرًا أول سطر في بحثك يا سماح، الحوار لا يموت حين يختلف الناس، بل حين يصمت الفهم.
(إظلام تدريجي. يُسمع في الخلفية صوت تقليب صفحات، وكأن الكتب بدأت تتنفس.)
(الإضاءة تزداد دفئًا. تبدأ المكتبة بالامتلاء تدريجيًا. يدخل بعض القرّاء الجدد، يحملون كتبًا، يتحدثون همسًا. في الزاوية تجلس سماح تدقق في أوراقها، وأميرة تقلب رواية ببطء، بينما سامي وكريم يتحدثان بهدوء. أسعد يبدو أكثر هدوءًا، لكنه ما يزال مشوش الفكر. فجأة، يعلو صوت رجل من الخلف)
قارئ أول: أين أجد كتب الفلسفة؟ كل الرفوف مشوشة!
قارئة ثانية: وهذه الرفوف مليئة بالغبار، لا أحد يهتم بها.
قارئ ثالث: (شاب) من يهتم الآن بالفلسفة أصلًا؟ العالم صار سريعًا لا وقت فيه للتفكير!
سامي: بل لهذا السبب نحتاج الفلسفة أكثر… لنفكر قبل أن نجري خلف السراب.
أسعد: (بصوتٍ حاد) كفى تنظيرًا! أنتم تُغرقون كل شيء بالكلمات! الناس تريد كتبًا بسيطة، لا فلاسفة ولا جدل!
كريم: بساطة لا تعني تفاهة.
أسعد: ولا العمق يعني تعقيدًا فارغًا!
(يتصاعد الجدل تدريجيًا بين القراء. ترتفع الأصوات. بعضهم يتحدث عن الشعر، وآخرون عن الرواية، وكل فريق يهاجم الآخر. تتحول المكتبة إلى ما يشبه السوق الثقافي الصاخب. الأوراق تتبعثر على الطاولات. تُغلق سماح دفاترها بعصبية)
سماح: يا إلهي! هذا بالضبط ما أدرسه! الكل يتحدث… ولا أحد يصغي!
(تُفتح فجأة باب جانبي، يدخل مدير المكتبة، رجل في الخمسين من عمره، وقور، يحمل نظارة، يرتدي سترة رمادية، يسير بخطوات بطيئة لكن ثابتة. ينظر حوله طويلاً بصمت)
مدير المكتبة: (بصوت هادئ، لكنه نافذ) أيها السادة… هل هذه مكتبة أم ميدان معركة؟!
(يصمت الجميع تدريجيًا. تتراءى وجوههم في مزيج من الخجل والدهشة)
مدير المكتبة: أنا أعمل هنا منذ ثلاثين عامًا… رأيت أجيالًا من القرّاء، من يأتي خائفًا من الصفحة الأولى، ومن يخرج من كتابه إنسانًا آخر.
لكنني اليوم أسمع صراخًا أكثر من القراءة… وكأن الكتب صارت شهودًا على فوضى العقول.
أسعد: (محاولًا التبرير) سيدي، كنا نتحاور فقط.
مدير المكتبة: الحوار؟ الحوار ليس ما يعلو به الصوت، بل ما يعلو به الوعي. حين يتحول الحوار إلى جدال، يموت المعنى وتنتصر الأنانية.
سامي: ربما كنا نحاول أن نفهم، لكننا ضللنا الطريق.
مدير المكتبة: الفهم لا يأتي من التنافس، بل من المشاركة. (ينظر نحو الرفوف) هذه الكتب تنتظر أن تُفتح لتُسمع، لا لتُستَخدم في المبارزات.
سماح: كأنك تلخّص رسالتي يا سيدي.
مدير المكتبة: (بابتسامة خفيفة) رسالتك؟
سماح: نعم، عنوانها أزمة الحوار في المجتمع المعاصر.
مدير المكتبة: جميل… اكتبي فيها، إن أخطر أزمات الحوار ليست في غياب اللغة، بل في غياب النية الصادقة للفهم.
(يصمت الجميع. الإضاءة تسقط على وجه المدير وهو يتقدم ببطء نحو الطاولة الوسطى)
مدير المكتبة: أنتم جيل يملك كل الكتب، لكنه يخاف من الاستماع. اقرؤوا لتتغيروا، لا لتنتصروا على بعضكم.
(ينحني قليلًا، يلتقط كتابًا سقط على الأرض، ينفخ غباره، ويضعه على الرف بعناية)
مدير المكتبة: (بصوت خافت) ما أقسى أن تملأ المكتبة بالكتب… وتخلو من الفهم.
(صمت تام. الإضاءة تبهت تدريجيًا. الجميع ينظر إلى الرفوف في صمتٍ طويلٍ مهيب.
ثم تخفت الأنوار شيئًا فشيئًا لتبقى بقعة ضوء صغيرة على كتاب مغلق في منتصف الطاولة)
(ظلام دامس. صمت ثقيل يخيّم على المسرح. ثم يبدأ ضوء خافت يتسلل من رفوف الكتب كأنها تتنفس. تتصاعد موسيقى غامضة هادئة، أقرب إلى أنين مكتوم.
تبدأ بعض الكتب بالتحرك ببطء، تُفتح أغلفتها، وتخرج منها أصوات بشرية عميقة، متهدجة، كأنها تأتي من زمنٍ بعيد)
صوت الكتاب الأول: (كتاب فلسفة) ألف عام وأنا على هذا الرفّ… ينتظرني عقل واحد فقط، عقل لا يأتي. كنت أعلّم الإنسان أن يسأل قبل أن يؤمن، وأن يفكر قبل أن يحكم، لكنهم… أغلقوا عيونهم وفتحوا شاشاتهم.
صوت الكتاب الثاني: (كتاب شعر) كنتُ أُنشد الجمال في الكلمات… أما اليوم، فيبحثون عن الأبراج، لا عن المعاني، عن الحظ لا عن الحلم، عن ما يقول الكوكب لا ما يقول العقل.
صوت الكتاب الثالث: (رواية قديمة) كنتُ أروي حكايات عن الحب والكرامة، عن الإنسان وهو يواجه مصيره، لكن القراء هجروني إلى كتب السوق، إلى قصصٍ تبيع الجسد وتغتال الروح.
صوت الكتاب الرابع: (كتاب علم) كنت أضيء العقل، أشرح الكون والذرة، أما الآن فيسألون عن طالعهم لا عن علمهم، عن الحسد لا عن المعرفة، عن الأبراج لا عن الأبصار.
(يتحوّل الضوء إلى لون أزرق بارد. تظهر سماح في عمق المسرح، تقف أمام الرفوف كأنها تستمع إلى أرواح الكتب. أميرة وسامي وكريم يقفون خلفها في صمتٍ)
سماح: (بصوتٍ متهدج) كم نحن قساة… كتب تنادي ولا يُجيبها أحد. كأن المعرفة صارت يتيمة، تبحث عن بيتها في عقولٍ مغلقة.
أميرة: ربما العالم تغيّر يا سماح… الناس تركض خلف أوهامها.
سامي: لكنّ الكتب لا تموت، إنها تصبر كما تصبر الحقيقة.
كريم: ستأتي لحظة يفتّش فيها الإنسان عن نفسه، فيجدها بين الصفحات القديمة.
(يظهر مدير المكتبة من بين الظلال، يسير بخطوات هادئة نحو رفٍ مضاء. يمد يده، يفتح كتابًا، فتنبعث منه إضاءة دافئة تملأ المكان)
مدير المكتبة: أنصتوا… الكتب لا تلعن قراءها، بل تنتظرهم. حتى الذين أخطأوا الطريق، يمكن أن يجدوا في صفحة واحدة خلاصهم.
(تتجمع الكتب في ضوء ذهبي، تُفتح صفحاتها وتصدر همهمة أشبه بصلاة)
الأصوات مجتمعة: اقرؤونا… لا تجعلونا رمادًا على الرفوف… نحن أنفاس من كتبوكم، وذاكرتكم التي تضيع بين الأبراج والإعلانات… اقرؤونا لنحيا بكم، وتحيو بنا.
(يسود الصمت. تتلاشى الأصوات تدريجيًا، تبقى سماح وحدها وسط الضوء، تحمل كتابًا وتفتحه على أول صفحة)
سماح: (تقرأ بصوت عالٍ) الحوار يبدأ من الكتاب… ومن لا يصغي إلى الحرف، لن يفهم الإنسان. (تغلق الكتاب ببطء. تسقط الإضاءة تدريجيًا حتى تنطفئ تمامًا، ثم يسطع نور أخير على لافتة في عمق المسرح مكتوب عليها)
أزمة الحوار ليست بين البشر فقط… بل بين الإنسان والكتاب
(المسرح مظلم تمامًا. يُسمع صوت تقليب صفحات متسارع، كأن أحدهم يقفز من كتاب إلى آخر دون توقف. ثم يسطع ضوء أبيض بارد في منتصف الخشبة، يظهر فيه شاب أنيق يحمل هاتفًا لوحيًا، يمرر بإصبعه بسرعة على الشاشة)
صوت الراوي: (من الظلال) كانوا يقرأون ليعيشوا ألف حياة… والآن يقرأون ليقتلوا دقيقة واحدة. كان في البدء الكتاب… ثم جاءت السرعة، فأكلت الحكاية… وباتت الكلمة تُختصر في ومضة، والروح في سطر، الإنسان الجديد… لا يقرأ ليعرف، بل ليظهر أنه قرأ. لا يعيش الكلمة، بل يستهلكها. كل شيء اختُصر… حتى الوعي!
(يدخل شاب يحمل هاتفًا بيده، يلتقط صورة للمكتبة ثم يغادر دون أن يفتح كتابًا)
سماح: (بحزن) حتى الكتب أصبحت غريبة في بيتها… كأنها أرواح منسية تنتظر قارئًا لا يأتي.
سامي: يبحثون عن الأبراج، وعن القصص الفاضحة… أما الفكر، فصار ثقيلاً على رؤوسهم الخفيفة!
سماح: (تنظر في الكتاب) كنت أظنّ أن الرواية حياة كاملة… لكنهم جعلوها ومضة،
(يدخل من الجهة الأخرى مدير المكتبة، يسير ببطء وهو يحدّق في الشاب بدهشة. من خلفه تتقدّم سماح وسامي وأميرة وكريم، يراقبون المشهد بصمت)
المدير: ماذا تقرأ يا بني؟
الشاب: (دون أن يرفع عينيه) أقرأ… منشورًا عن السعادة في ثلاثة أسطر، وبيت شعر في سطر واحد. أتابع مقطعًا يلخّص رواية في خمس ثوانٍ، وأعرف كل شيء دون أن أقرأ شيئًا.
سماح: وهل يكفيك ذلك؟
الشاب: يكفيني أن أفهم بسرعة… لا وقت للغوص، العمق يرهقني. كل شيء ومضة، والرواية ومضة، والقصة ومضة، والشعر ومضة، والمسرح ومضة… حتى الحياة ومضة تنطفئ قبل أن تُفهم.
(صمت ثقيل. الإضاءة تومض كأنها تعكس تسارع الزمن. يتقدّم المدير خطوة للأمام، صوته يخرج متهدجًا من الحزن)
المدير: يا لهذا الزمن الذي يقرأ بعينٍ مرتجفة ولا يصغي بقلبٍ واحد. صرنا نكتب لنُنسى بسرعة، ونقرأ لنمرّ لا لنفهم.
سامي: كأن الفكر صار وجبة سريعة، تُلتهم ولا تُهضم.
كريم: حتى الحلم اختُصر في ومضة عابرة على شاشة، لا في رواية من لحمٍ ودم.
أميرة: لكن… ربما هذا هو الإنسان الجديد، ابن السرعة، لا يحتمل الصبر ولا الهدوء.
سماح: (بصوتٍ عميق) الإنسان الجديد يركض خلف الضوء، ولا يدري أن المعنى يعيش في الظل.
(صوت الكتب القديمة يرتفع من الرفوف من جديد، لكن هذه المرة خافتًا، كأنه أنين بعيد)
أصوات الكتب: نحن بطيئون… لكننا خالدون. أنتم سريعون… لكنكم زائلون.
(يقترب الشاب من رفٍ مضاء، يتردد قليلًا، ثم يلمس كتابًا مغبرًا بيده. يفتحه ببطء. يسود الصمت. الإضاءة تهدأ وتغدو ذهبية. يبتسم المدير بخفة، كأنه يشهد ولادة جديدة)
المدير: (بهمس) حتى في زمن الومضات… ثمة من يبحث عن صفحةٍ واحدة… تضيء العمر كله.
(تتلاقى الأنوار على وجوه الجميع، تتلاشى تدريجيًا في ضوءٍ أبيض صافٍ)
(العبارة الأخيرة على شاشة المسرح: حتى في زمن الومضات… ثمة من يبحث عن صفحةٍ واحدة… تضيء العمر كله، قد تختصر الكلمة العالم، لكن لا شيء يختصر الفهم.)
(الإنارة تخفت تدريجيًا في أرجاء المكتبة، بينما تبقى بقعة ضوء صغيرة على الطاولة الوسطى. تتناثر الكتب المفتوحة على المقاعد وكأنها أُهملت على عجل. صوت أوراق تتقلب وحدها. أميرة تنظر حولها بدهشة، وسماح تكتب ملاحظاتها بسرعة على دفتر صغير)
مدير المكتبة: (يتنهد وهو يحمل بعض الكتب) كم كتابًا خرج ولم يعد… وكم عقلًا دخل ولم يقرأ! (يضحك بمرارة) صار الناس يطلبون ما يُقرأ بسرعة… كتابًا يُختصر في صفحة، وفكرة تُؤكل بالملعقة!
سامي: الناس في عجلةٍ من أمرهم… يريدون الحكمة كرسالة هاتفية، والعاطفة كإعلان تجاري.
كريم: (بابتسامة ساخرة) حتى الحلم اختصر في سطرٍ واحد. لم نعد نحلم طويلاً يا أصدقاء.
أسعد: (مترددًا وهو يغلق هاتفه) رواية في تغريدة… وشعر في ومضة… ومسرحية في تعليق (يضحك باضطراب) ربما أنا أيضًا كتبت روايتي… صفحة واحدة تكفي، أليس كذلك؟
أميرة: (تنظر إليه بحزن) صفحة واحدة… لكنها بلا روح. هل اختزلنا الروح أيضًا؟
سماح: (تنهض ببطء، تجمع أوراقها) لم تعد القراءة بحثًا عن المعنى… بل هروبًا من الصمت
(صمت طويل، يُسمع فيه صوت جهاز إنارة يطفأ تدريجيًا. تنطفئ الأنوار واحدة تلو الأخرى، حتى يبقى ضوء باهت فوق وجه سماح)
مدير المكتبة: (بصوت بعيد) حتى الكتب باتت تئنّ من الوحدة…
سماح: (ترفع رأسها نحو الجمهور، بنبرة حزينة وهادئة) ربما… نحن آخر من يقرأ. ولكن خوفي من يوم يأتي تناقش الرسائل والاطاريح بومضة.
(تُطفأ الإضاءة فجأة، فيظهر على الجدار الخلفي ضوء خافت يشبه ومضات متقطعة، تومض كنبضٍ يحتضر. تتداخل أصوات صفحات تُغلق، وضحكات بعيدة، وصدى همسات غير مفهومة. ثم صمتٌ تام)
ستار
2- انتخابات .. مسرحية عبثية ساخرة / محمد عبد الخضر الحسيناوي
إهداء
إلى أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأن صوتهم يُسمع،
إلى الذين يرفضون أن تُختزل إرادتهم في ورقة،
إلى الضمير الحيّ الذي يراقب، صامتًا، زيف الانتخابات،
وإلى الأرض التي تحفظ أصواتنا، حتى حين تُدفن في صناديق الصمت.
تدور أحداث المسرحية في قاعة انتخابية/مؤتمر متلفز/ساحة عامة، حيث يتجمّع المرشحون قبل يوم الاقتراع، يتحوّل المشهد إلى مهرجان صراخ، ووعود جوفاء، وخطابات عبثية، بينما المقاطعون يراقبون المشهد كمن يشاهد عرضًا كوميديًا سخيفًا في سيرك سياسي مع تصاعد الصراع تختلط اللغة السياسية بالدينية، وبالاستعراض الجسدي، وبالهتافات الفارغة، حتى يصبح الجميع أسرى العبث، وتنتهي المسرحية بانتخاب جميع الفاسدين رغم كل شيء، وسط صمت المقاطعين وضحك الجمهور.
الشخصيات في توزيع رمزي:
الفاسدون القدامى
سرمد – أيهم – كريم – سامح – رواء
يستخدمون الخطاب الوطني الزائف، يضحكون على الشعب، يتنافسون بالفساد
المصلحون الشباب
كامل – سلام – الهام – ولاء
يملكون حلمًا صادقًا، لكنهم يتحدثون بلغة مثالية لا تجد صدى
المتخوفون والمقاطِعون
سعاد – رحيم – هديل
يمثلون وعي الشعب، الخوف واليأس، يشاهدون العبث دون القدرة على التغيير
المكان: قاعة مناظرات انتخابية، تتوسطها منصة كتب عليها: “المناظرة الكبرى… من أجل التغيير!”
(خلف الستار يُسمع ضجيج، موسيقى دعائية وطنية، تصفيق مصطنع)
(يدخل المرشحون واحدًا تلو الآخر في مشهد استعراضي هزلي، كأنهم نجوم في برنامج مسابقات)
سرمد: (يعدل ربطة عنقه ويتبختر) ها أنا ذا… عائدٌ من عالم الموضة إلى عالم السياسة، لأن الوطن يحتاج إلى ستايل جديد! ها نحن، أيها المواطنون، على أعتاب التاريخ! الشعب اختارنا قبل أن يصوّت.
أيهم: (بغرور) الوطن بخير ما دام أبي في البرلمان، وأنا الوريث الشرعي للديمقراطية العائلية. أبي قال لي: الأرقام ليست لتسجيل الأصوات، بل لتسجيل الانتصارات مسبقًا!
كريم: (ينفث دخان سيجارته) منذ وُلد البرلمان وأنا نائب… ربما أنا من ولدت البرلمان! الانتخابات لعبة قديمة، المهم أن تعرف من يملك الممحاة.
سامح: (بصوت متعب) أنا مرشّح منذ أول جلسة لم تُعقد… وسأبقى إلى آخر جلسة لا تُعقد! وأنا سأستمر في الفوز، لأن الكرسي صار جزءًا من كياني.
رواء: (بابتسامة مغرية) كنت أرقص للفرح… واليوم أرقص للكرسي! المهم أن الجمهور يصفق. النساء سيصوّتن لي… أو على الأقل سيحببن صورتي في اللوحات الإعلانية!
(يدخل كامل وسلام والهام وولاء بخطوات حذرة، يحملون أوراق برامجهم الانتخابية)
كامل: نحن جئنا من الشارع، نحمل صوت الناس.
سلام: ونريد انتخابات نظيفة.
رواء: (ساخرة) النظافة لا تفوز يا حبيبي، الفوضى تفوز.
(ضحكات الفاسدين تتعالى، بينما تظهر سعاد وهديل ورحيم في الخلف، يتبادلون نظرات خيبة)
رحيم: التمثيلية بدأت. نحن مجرد كومبارس في مسرحيتهم.
هديل: والنهاية معروفة مسبقًا… الفاسد ينتخب الفاسد، والشعب يصفق للنتيجة.
(ينسحب الجميع يتوجهون للجهة المقابلة منصة انتخابية تتدلّى فوقها لافتة ضخمة مكتوب عليها بخط متراقص)
“صوتك… يغيّر حياتك!”
(بينما تظهر في أسفلها لوحة صغيرة تكاد لا تُرى)
“برعاية المفوضية العليا المستقلة جدًا!”
(تلمع الأنوار الكاشفة على وجوه المرشحين، بينما يصدر صوت مذيع آلي)
المذيع: أهلاً بكم في المناظرة الكبرى بين مرشحي الوطن… من أجل التغيير… التغيير… التغيير…
(يتكرر الصدى حتى يصبح سخيفًا، ثم ينطفئ الضوء تدريجيًا)
(يدخل سرمد، أيهم، كريم، سامح، رواء بخطوات استعراضية مبالغ بها، يلوّحون للجمهور الوهمي)
سرمد: (بثقة مفرطة) أعدكم أيها المواطنون أن أجعل البرلمان منصة أزياء… عفوًا، أعني منصة إصلاح! سأبدّل وجه السياسة… كما أبدّل وجهي كل صباح!
أيهم: (ينفخ صدره) الناس تريد من يعرف دهاليز البرلمان، وأنا وُلدت في دهاليزه! أبي كان نائبًا، وجدي نائبًا، وأنا نائب حتى إشعار آخر…
كريم: (يجلس على الكرسي وكأنه ملك) أنا النائب الأقدم، يُقال إن الدستور كتب على مقاسي. تغيّرت الحكومات، وبقيت أنا… كصخرة في نهرٍ من وعود.
سامح: (بلهجة شاكٍ) لم أفز يومًا، لكني لم أخسر! الترشيح عندي إدمان… كالهواء، لا أعيش بدونه.
رواء: (تتأرجح بخفة) أنا مرشحة القلوب! في الماضي كنت أرقص تحت الأضواء، واليوم أرقص فوقها. الكرسي لا يهم، المهم أن يكون الجمهور سعيدًا.
(تدخل المجموعة الثانية: كامل، سلام، إلهام، ولاء بملابس بسيطة، يحملون أوراقًا مهترئة)
كامل: (بحماسة) أيها السادة، كفى مسرحًا! نحن هنا لأن الوطن يختنق، والناس فقدت الثقة بكم.
سرمد: (بابتسامة باردة) جميل، شاب مثالي جديد… سيحتاج إلى دورة في الواقعية السياسية!
سلام: نحن لا نحتاج دورات، نحتاج ضمائر.
أيهم: (ضاحكًا) الضمير؟ هل هو حزبٌ جديد؟ من يقوده؟ ومن يموّله؟
إلهام: (بحزم) يقوده الناس… ويموّله الأمل.
رواء: (تضحك) الأمل لا يشتري أصواتًا، حبيبتي.
ولاء: ولا يبيع نفسه كما تفعلون أنتم.
كريم: (يضرب بيده على الطاولة) كفى رومانسية! السياسة ليست نزهة شعراء، بل تجارة ناجحة لمن يعرف السوق!
سلام: إذن أنتم تجار الوطن؟
سامح: (بابتسامة باردة) لا، نحن مستثمرون فيه… طويل الأمد.
كامل: بل أنتم ورثة الخراب.
سرمد: والخراب يحتاج من يُديره، ونحن الأكفأ!
(يعلو الجدال، الأصوات تتداخل حتى تصبح كجوقة عبثية، كلٌّ يصرخ بشعاراته الخاصة)
سرمد: التجديد في الشكل أولًا!
أيهم: الخبرة الموروثة ضمان الاستقرار!
رواء: الجمال حقّ ديمقراطي!
كريم: من أجل استمرار التجربة!
سامح: صوّتوا للتاريخ!
كامل: صوّتوا للتغيير!
سلام: صوّتوا للصدق!
إلهام: صوّتوا للنور!
ولاء: صوّتوا للمستقبل!
(يتحول المشهد إلى فوضى هذيانية، الأضواء تومض بسرعة، الشعارات تتداخل بمؤثرات صوتية صاخبة، حتى يظهر رحيم وهديل وسعاد في مقدمة المسرح، يراقبونهم كأنهم يشاهدون عرضًا تلفزيونيًا عبثيًا)
رحيم: انظري إليهم… يتقاتلون على كرسيٍ واحد، بينما الشعب بلا كراسٍ في بيته.
هديل: الصندوق سيضحك الليلة… سيُفرز الكذب في أكياس شفافة.
سعاد: (بخوف) أعرف النهاية… الدولة العمياء ستفوز دائمًا بالتزوير، حتى لو لم يصوّت لها أحد.
رحيم: بل سيصوّت لها الغائبون، والموتى، والأحياء الذين ناموا عن الحلم.
هديل: ومن لم يصوّت… يُحسب عليهم أيضًا!
(يعلو ضحك هستيري من الخلف، يمتزج بصوت مذيع الآلة مجددًا)
المذيع: شكراً لكم أيها المرشحون… انتهت المناظرة، وغدًا يبدأ التصويت… لكن النتيجة معروفة مسبقًا!
(تتجمّد الشخصيات، الأضواء تبهت تدريجيًا، بينما يظهر الصندوق الانتخابي في وسط المسرح يبتسم ابتسامة مضيئة ساخرة.)
(يتحول المكان الى سوق الديمقراطية وشراء الأصوات في أسواق المدينة)
(الساحة نفسها، لكن اللافتة تغيّرت. كانت بالأمس تقول: “صوتك يغيّر حياتك”
أما اليوم، فتقول بوقاحة: “صوتك… له سعر!”)
(الأضواء ملونة كأضواء ملهى، تتراقص على وجوه المرشحين الذين تحوّلوا إلى بائعين متجولين. كل واحد منهم يملك طاولة عليها لافتة دعائية وأكوام من النقود، والهدايا، والأكياس الصغيرة المليئة بالوعود يُسمع في الخلف موسيقى دعائية وطنية ممزوجة بإيقاع سوق شعبي وضحكات مصطنعة)
سرمد: (يضع نظارة شمسية ويمسك بمكبر صوت) يا جماهير الأمة… كل صوت بثلاث بطانيات وابتسامة مني شخصيًا! (يصفق لذاته) نحن لا نشتري الأصوات، بل نُدفئ القلوب!
رواء: (تقترب بخطوات راقصة) ولديّ عرض خاص للنساء فقط… من تصوّت لي، تحصل على بطاقة تجميل مجانية! (تلوّح بالكعب العالي أمام الجمهور) السياسة تحتاج أناقة، لا برامج.
أيهم: (يرفع هاتفه، يتحدث بثقة مصطنعة) أبي قال لي: الانتخابات مثل الشطرنج، والناخبون مجرد بيادق! (ينادي بصوت عالٍ) أين مصوّر الحملة؟ التقط لي صورة وأنا أتبرع بدموع التماسيح للفقراء!
كريم: (ينفث دخان سيجاره، يتحدث بملل) لقد وعدتُ الشعب بتغيير شامل… لكني نسيت ماذا كنت أغيّر في كل دورة. (ينادي أحدهم) أكتب في البرنامج: “تحسين الكهرباء”، إنها الكلمة السحرية التي تشتري كل العقول المنطفئة!
سامح: (يضع أمامه صندوقًا كبيرًا مكتوبًا عليه تاريخ الإنجازات) من يريد الماضي الجميل، فليصوّت لي. (يفتح الصندوق، يخرج منه عناكب وغبار) ها هو الماضي… أصيل مثل الفساد.
(يظهر من الطرف الآخر كامل وسلام والهام وولاء، يحملون لافتة يدوية تقول: نريد وطنًا لا مزادًا)
كامل: (بغضب) ما هذا؟ هل تحوّل الوطن إلى بازار؟
سرمد: (ضاحكًا) وهل كان يومًا غير ذلك؟
سلام: أنتم تقتلون المعنى بكل ورقة نقدية!
رواء: المعنى لا ينتخبنا يا عزيزي، الناس تنتخب من يُضحكها أو يُطعمها.
إلهام: بل الناس تضحك لتخفي ألمها…
أيهم: المهم أن تضحك، لا أن تفكر. التفكير خطأ انتخابي جسيم.
ولاء: وماذا عن العدالة؟ عن الضمير؟
كريم: نضعهما في البيان الختامي، ثم نرمي البيان في القمامة.
(يدخل رحيم وهديل وسعاد من خلف الجمهور، يحملون أكياسًا فارغة وأوراقًا قديمة)
رحيم: (ساخرًا) نحن هنا لنبيع ما تبقى من الأمل… من يشتري؟
(يرفع ورقة مهترئة مكتوب عليها حلم التغيير)
هديل: ضاع الحلم منذ أول مؤتمر صحفي.
سعاد: وما بقي سوى التزوير… والنتائج تُطبخ على نار الحزب.
سرمد: (يمسك صندوقًا صغيرًا) من قال تزوير؟ نحن نسميه تصحيح إرادة الشعب!
رواء: أو تجميل النتائج!
أيهم: أو حكمة الدولة!
سامح: أو ببساطة… نهاية اللعبة!
(تعلو أصوات الضحك والصفير، بينما تتحول الساحة إلى سيرك انتخابي، تُرمى فيه الأوراق النقدية مثل القصاصات الورقية، والمرشحون يرقصون على أنغام أغنية وطنية ساخرة)
“صوّت… صوّت… حتى لو ما تفهم ليش!”
(الأضواء تومض، الصندوق الانتخابي في الزاوية يلمع بضوء خافت، وكأنه يضحك في صمت)
هديل: (تهمس) حتى الصندوق… صار يستهزئ بنا.
رحيم: غدًا سيبتلع أصواتنا… ويعيد لنا الصدى.
سعاد: نعم، الصدى وحده لا يُزوّر.
(إظلام تدريجي، يُسمع صوت المذيع الآلي مجددًا، بنبرة ساخرة باردة)
“غدًا يوم الحسم… فصوّتوا بحريّةٍ تامة، كما عوّدناكم دائمًا!”
(إضاءة باهتة على مسرح شبه فارغ في الوسط يقف صندوق انتخابي كبير، مضاء بضوء غامق مائل إلى الأزرق الأوراق مبعثرة حوله، وشعار الحملة الانتخابية القديم مقلوب على وجهه الموسيقى خافتة، كأنها نبض ميت أو ساعة رملية تُفرغ آخر حبيباتها في الخلفية لافتة مهترئة كتب فيها)
“اليوم… يوم القرار!”
(تدخل الشخصيات تباعًا، بملابس فوضوية تدلّ على ليلة صاخبة وساعات بلا نوم)
سرمد: (يحمل حقيبة مليئة بالأوراق) ها قد جاء اليوم العظيم! اليوم نصنع التاريخ… أو نعيد تدويره، لا فرق.
أيهم: (يصفق لنفسه) اليوم نثبت للعالم أن الديمقراطية سلعة وطنية الصنع!
رواء: (تصلح مكياجها) أهم شيء الصورة… الفوز يحتاج لمعانًا في الكاميرا.
كريم: (يتثاءب) لقد مللتُ الفوز، أريد خسارة صغيرة… لتبدو اللعبة حقيقية.
سامح: لا تقل هذا، الفوز عادةٌ تُورَّث.
(يدخل كامل، سلام، إلهام، ولاء بخطوات متوترة)
كامل: نحن هنا لنشهد الحقيقة… فلتكن الصناديق نزيهة، ولو لمرة واحدة!
سرمد: يا بني، الصناديق لا تخون، بل تُقاد كأيّ موظفٍ صالح.
سلام: كلامك عارٍ من المنطق!
أيهم: بل المنطق عارٍ من السياسة.
إلهام: الصندوق لا يعرف الحزبية، إنه ضمير الناس.
رواء: (تضحك بخفة) إذن فضمير الناس بلا صوت، لأننا لم نسمعه يومًا.
ولاء: ربما صمته احتجاج. كأننا نصوّت داخل مرآة…
كريم: أو خوف… والخائف لا ينتخب إلا من يخيفه أكثر.
(فجأة تومض الأضواء، يصدر من الصندوق ضوء قوي وصوت عميق مبحوح كصدى من عالم آخر)
الصندوق: (بصوت ساخر غامض) ها أنتم من جديد… جئتم تملؤونني بالأكاذيب. في كل دورةٍ تأتون مثقلين بالوعود… وتخرجون مثقلين بالسرقات.
(الجميع يتراجع بخوف ودهشة)
سرمد: ماذا… من الذي يتكلّم؟
الصندوق: أنا من تضعون فيه أحلام الشعب وتغلقون الغطاء عليها. أنا شاهد على خيانتكم… ودفتر أسراركم.
أيهم: (مستفز) ومن سمح لك بالكلام؟ أنت مجرد خشب وحديد!
الصندوق: بل أنتم الخشب، وأنا الصوت المكمّم في داخلكم!
رواء: (تصفق) عظيم! حتى الصندوق صار ممثلاً! هو يحفظ دوره جيدًا؟
الصندوق: (بغضب) أنتم حولتم المسرح إلى سوق، والسياسة إلى رقصة، والضمير إلى مكياج رخيص!
كريم: اهدأ أيها الصندوق، لا أحد يستمع للمنبوذين.
الصندوق: وأنا أُصغي لكلّ ما تخفون. كل ورقةٍ تدخلني تهمس باسمي: “تزوير، تزوير…”
سامح: (يرتجف) صوت الصندوق… يشبه ضميرنا لو نُطق!
كامل: أجل، لكنه ضمير منفى، لا يُسمع إلا في الظلام.
الصندوق: لقد شبعتُ من وعودكم. في دوراتكم السابقة ملأتموني بدموع الأرامل، وابتسامات المنافقين، وأسماء الموتى!
رحيم: (يظهر من الخلف، يصفّق ببطء) أحسنت أيها الصندوق… كنت الوحيد الذي لم يزوّر نفسه.
هديل: تكلم أيها الصندوق، قل لهم إنّنا لا نصوّت لأننا تعبنا من التمثيل.
سعاد: نحن لا نقاطع الوطن، بل نقاطع أكاذيبهم باسمه.
الصندوق: أنا أسمعكم، ولكن أصواتكم لا تصل. فوقي جبال من الأوراق الكاذبة… تحتها دفنوا الحلم، وكتبوا على غطائي: “الشعب قرّر!”
إلهام: (بصوت متهدّج) وهل يمكن أن ينهض الحلم من تحت أوراق الكذب؟
الصندوق: الحلم لا يموت… لكنه يغيّر مكانه. قد يخرج من هنا، أو من هناك، أو من قلب طفلٍ لا يعرف بعد معنى الانتخابات.
كامل: إذن فالأمل ليس فينا، بل فيمن لم يولد بعد.
الصندوق: ربما… أو فيمن يجرؤ على كسر الصندوق نفسه.
(يصمت الجميع، الصندوق يضيء بضوءٍ أحمر متصاعد، كأنه يحترق من الداخل)
سلام: (بصوت خافت) هل نكسره؟
سرمد: (خائف) لا… لا تلمسوه! هذا الصندوق… هو كل ما يربطنا بالكرسي!
رحيم: (بابتسامة حزينة) وهذا هو مأساة البلاد… أنّ الحرية لا تأتي إلا إذا تحطّم الصندوق المقدّس.
(يعلو صوت الصندوق، متحولاً إلى جوقة صاخبة من الأصوات البشرية: صرخات، وعود انتخابية، شعارات وطنية، ضحك، بكاء… تمتزج كلها لتصبح ضجيجًا واحدًا من العبث السياسي)
الصندوق: (بصوت متداخل) صوّتوا… صوّتوا… فالفائز دائمًا هو الخسران.
(تخفت الأضواء تدريجيًا، الشخصيات تتراجع ببطء، الصندوق يلمع لحظة أخيرة ثم ينطفئ كشمعة اختنقت في العتمة)
(إضاءة متقطعة. موسيقى وطنية صاخبة. شاشة ضخمة تُعلن: يوم الانتخابات العظيم صوت المذيع من مكبرات الصوت: نداءات حماسية، شعارات وطنية، هتافات مزيفة. على المسرح طاولة طويلة عليها صناديق اقتراع شفافة مملوءة بأوراق بيضاء. يُسمع في الخلفية صوت جماهيري مسجّل: “نعم… نعم… ننتخب)
سرمد: (يرتدي بدلة فاخرة ويحمل بطاقة شخصية مهمة جدا) ها نحن نصنع التاريخ! الشعب كله اختارنا حتى قبل أن يصوّت.
أيهم: (يضحك) أبي قال: النتائج لا تُصنع في الصندوق، بل في المكتب المكيّف!
كريم: (ببرود) الانتخابات لعبة قديمة يا أولاد، المهم أن تعرف من يملك الممحاة.
سامح: المهم ألا يُمحى اسمي… فقد تعبت وأنا أرشّح منذ القرن الماضي!
رواء: (تتأمل الكاميرا بابتسامة مصطنعة) أحبّ وطني، وأؤمن أن صوتي الجميل سيصلح البرلمان. (تغمز) أو على الأقل يُصلح ميكروفونه!
(يدخل كامل وسلام والهام وولاء بملابس بسيطة، وجوههم متوترة)
كامل: أين المراقبون الدوليون؟ أين القوائم؟ لماذا كل الصناديق ممتلئة قبل الفتح؟
سلام: (ينظر حوله بدهشة) حتى الحبر الانتخابي مغشوش… يُمحى بالماء!
الهام: نحن نؤمن بالتغيير، لكن يبدو أن الصندوق لا يؤمن إلا بالمزورين.
ولاء: (بحزن) كأننا نصوّت داخل مرآة… كل الأصوات تعود إلينا صدىً بلا أثر.
(تضحك المجموعة الفاسدة بصوت واحد ساخر، ثم يدورون حول الصندوق كأنهم يقدّمون عرضًا طقوسيًا)
سرمد: (يرفع يده كمخرج مسرحي) أيتها الديمقراطية… هلمي إلينا!
(يضع ورقة في الصندوق ثم ينحني كما لو أنه أدّى صلاة)
أيهم: ها قد فزنا سلفًا. الشعب يحبنا… لأننا نعرف كيف نحبه على الورق!
كريم: (يضحك وهو يرمي رزمة أوراق في الصندوق) صوتٌ لنا وصوتٌ للكرسي… وصوتٌ لضمير الشعب الغائب. خضت كل الانتخابات، ولم أفشل أبدًا… حتى لو ضحك الشعب علينا!
سامح: أما أنا، فسأمنح نفسي كل الأصوات التي لم تولد بعد! الديمقراطية عندنا ليست سوى حفل صاخب من الشعارات.
(تضيء الصناديق فجأة بضوء أحمر، ويُسمع صوت غريب آتٍ منها — صوت الصندوق نفسه، مزيج من الذكاء الاصطناعي والصرخة البشرية)
صوت الصندوق: أنا الصندوق… لم أعد أفرّق بين الصوت والورقة، بين الحبر والدم، بين الناخب والمنتخب! كلّهم يدخلونني بأقنعة… ويخرجون بألقاب.
(يصمت الجميع لحظة دهشة، ثم يعودون للضحك كأنهم لم يسمعوا شيئًا)
رحيم: (يدخل مع هديل وسعاد من بين الجمهور) انظروا… حتى الصندوق يختنق من الكذب!
هديل: أوراق بلا أسماء، وأسماء بلا وجوه، ووجوه بلا خجل.
سعاد: (بصوت خافت) كنت خائفة من الترشّح… الآن أخاف من التصويت نفسه.
سرمد: (يصفّق ساخرًا) دعوا المقاطعين يتكلّمون! الديمقراطية تسمح لهم بالصراخ، لا بالتأثير: الفوز مضمون، الكتل الكبيرة تضمن النتائج مهما قال الشعب!
أيهم: الصندوق قال كلمته… ونحن من كتبها له! نعم، السلطة لا تُشترط بالعدالة، بل بالتحالفات والمال.
(صوت المذيع يعلو فجأة: (أُغلقت الصناديق… النتائج بعد لحظات أضواء ملونة، موسيقى نصر، ألعاب نارية رقمية على الشاشة)
المذيع: (من مكبر الصوت) الفائزون بالانتخابات: سرمد، أيهم، كريم، سامح، ورواء!
(تصفيق مسجّل، بينما الصندوق يُصدر أنينًا خافتًا كأنه يبكي)
كامل: (يرفع صوته وسط الضجيج) لكننا لم نصوّت بعد! أليس من المفترض أن تمثلوا الشعب؟ أيها النواب السابقون.
رواء: نحن الشعب، أيها الشباب… الشعب الذي يعرف كيف يبتسم للكاميرا!
رحيم: (يصرخ) كل هذا مجرد مسرحية! أنت تصنعون الفوز بلا أصوات!
سعاد: وأصواتنا؟ مجرد أوراق بيضاء يُرمى بها في صناديق الظل!
المذيع: (يتابع ببرود) وهذا دليل على ثقة الشعب المسبقة! أيها المواطنون الشرفاء! ها نحن نحتفل بانتصار الديمقراطية، بفوز الشفافية الساحقة على الشكوك، وبصوت الشعب الذي قال كلمته — وإن لم يتكلم!
(تدخل فرقة راقصة، تحمل صناديق اقتراع فارغة وتدور بها كأنها أكاليل نصر. يتقدم سرمد بخطوات واثقة، مرتديًا وشاحًا عليه شعار الحزب الفائز)
سرمد: (يخاطب الجمهور) شكراً لكم على أصواتكم… حتى أولئك الذين لم يصوّتوا، فقد صوّتتُ عنهم حبًّا بالوطن!
أيهم: (يرفع كأسًا) إلى والدي العظيم، الذي أسّس الديمقراطية الوراثية… أطال الله عمره في السلطة!
كريم: (ينفث دخان سيجاره بثقة) البرلمان سيُعاد تشكيله… بنفس الأعضاء، لأننا لا نؤمن بالبتر بل بالتدوير.
سامح: (يضحك بجنون) وأنا… سأعيد ترشيح نفسي منذ الآن! فالفوز عادة، والكرسي عبادة!
رواء: (بصوت ناعم وهي ترقص بخفة) أهدي فوزي لكل من صدّقني حين قلت صوتوا للجمال من أجل الجمال!
(تتداخل ضحكات الجمهور المسجّل مع تصفيق مزيف، بينما تظهر في الخلف كامل، سلام، الهام، ولاء متجمدين في الظل، وجوههم متعبة، نظراتهم فارغة)
كامل: كأننا لم نكن… كل ما فعلناه كان تمثيلاً في مسرح بلا جمهور.
سلام: لقد انتصروا… لكن على من؟ على الحقيقة؟ أم على أنفسهم؟
الهام: ربما لا نحتاج انتخابات جديدة، بل وعياً جديدًا.
ولاء: (بحزن) كأن الصندوق التهم أصواتنا وهضمها بلا أثر.
(يدخل رحيم وهديل وسعاد من بين الجمهور، يرفعون لافتة مكتوب عليها: لا انتخابات في مقبرة الوعي)
رحيم: (بغضب مكتوم) ها هو العيد الوطني للعبث! كل أربع سنوات يُعاد دفن الأمل، في احتفال رسمي.
هديل: والصندوق لم يعد صندوق اقتراع… بل تابوت الحقيقة.
سعاد: حتى الخوف صار يضحك، من كثرة ما اعتاد الخسارة.
(تخفت الموسيقى فجأة. يُضاء الكرسي الوحيد في منتصف المسرح، كرسي فخم عليه علم الوطن. يتوقف الجميع أمامه بخشوع غريب، كأنهم أمام صنم مقدّس)
سرمد: (بصوت مهيب) أيها الكرسي العظيم… بك نبدأ وبك ننتهي. نحن مرشحوك، نحن عبيدك، نحن ضحاياك وسادتك.
أيهم: احكم بيننا بالعدل… أو بالعادة. فكل الطرق تؤدي إليك!
كريم: (يضع يده على الكرسي) من يجلس عليه لا يقوم إلا محمولاً!
(ضحكات هستيرية تعمّ المكان، تتمازج مع صراخ المقاطعين وبكاء الصندوق. تتداخل الأصوات كلها حتى تتحوّل إلى ضجيج واحد، ضحك، تصفيق، نباح، تصفير، أصوات أوراق تحترق. ثم… صمت تام)
(إظلام تدريجي، بينما يُسمع صوت خافت لإلهام)
الهام: ربما التغيير ليس في الصندوق… بل فيمن يرفض أن يضع الورقة.
(يتحول المسرح الى محكمة صورية تتكشّف الأكاذيب، وتتحوّل القاعة الانتخابية إلى محكمة عبثية كبرى، يُحاكم فيها المرشحون، والمقاطعون، بل وحتى الصندوق نفسه، الجو كابوسي، هذياني، مشحون بالسخرية والفزع، يفضح زيف الديمقراطية والتزوير المستتر خلف الشعارات، اللافتة القديمة صوتك يغيّر حياتك قد استبدلت بأخرى تقول: الحكم باسم الشعب… الذي لم يُستشر، في المنتصف يجلس الصندوق على منصة القضاة، وقد أصبح أكبر حجمًا، مضاءً بضوء أبيض باهر كأنه إله البيروقراطية. أمامه صفوف من الكراسي يجلس عليها المرشحون والمواطنون المقاطعون.)
يُسمع في الخلفية صوت مذيع آلي بارد: نعلن افتتاح جلسة المحكمة العليا للانتخابات… حيث يحاكم الشعب نفسه بتهمة الغفلة المستمرة.
الصندوق: (بصوت مهيب وساخر) قفوا جميعًا! المحكمة منعقدة… القضية: الوطن ضد الحقيقة. المتهمون: أنتم جميعًا… بلا استثناء.
(يصمت الجميع، الأضواء تتحوّل إلى لون باهت)
سرمد: سيدي القاضي الصندوق، نحن فقط نفذنا إرادة الشعب.
الصندوق: بل نفذتم إرادة الأحزاب، وسمّيتموها إرادة الشعب!
أيهم: لقد فزنا بطريقة شرعية تمامًا، هناك شهود وصور وإعلانات!
الصندوق: نعم… صوركم كانت أكثر من أصواتكم، وإعلاناتكم كانت تصرخ في الفراغ. الشهود صوّتوا للجميع… ثم ماتوا قبل إعلان النتائج!
رواء: لكن النساء أحببن حملتي، كنّ يصوّتن لي من قلوبهن!
الصندوق: (ساخرًا) بل صوّتن لك من تحت ضغط حاجتهن… البطاقة التموينية كانت أقوى من القناعة.
كريم: كفّ عن الوعظ، يا صندوق! هذه هي الديمقراطية، والنتيجة تحسمها الأرقام.
الصندوق: الأرقام؟ الأرقام عندي تشهد عليكم مليون صوت بلا اسم، ألف صندوق بلا ختم، وأصواتٌ أُعيد فرزها حتى صارت مطيعة مثل كلبٍ أليف.
سامح: (يضحك) كل انتخابات فيها شوائب بسيطة… المهم أن السفينة لم تغرق! شتردون مدراء عامين انا اعينكم بأرخص سعر بعد شتردون
رحيم: (يصرخ) بل غرقت منذ الدورة الأولى! أنتم تغرقوننا بالشعارات ثم تبيعون لنا قوارب ورقية!
هديل: كل أصواتنا تذوب في حبركم الأسود.
سعاد: وكل من يحاول أن يكون نزيهًا يُقصى بتهمة قلة الخبرة او ضد الديمقراطية.
إلهام: (بحزن) أليست الانتخابات طريقًا للتغيير؟
الصندوق: كانت كذلك، قبل أن تكتشف الأحزاب طريقًا مختصرًا إليها: الزر الأخضر في غرفة العدّ الإلكترونية!
ولاء: إذن فالتزوير هو الفائز الأبدي.
الصندوق: تمامًا، فالتزوير ليس جريمة، بل طقس وطني، يُمارس بخشوع بعد كل اقتراع.
(تُطفأ الأنوار فجأة، يُسمع صوت همهمات وصدى أجهزة حاسوب، وضحكات مكتومة. تتحول الإضاءة إلى حمراء، ويظهر ظلّ كبير على الجدار يمثل “الدولة العمياء” – كيان بلا ملامح، نصفه بشري ونصفه آلة)
الظلّ: (بصوت مشوَّه) أنا الدولة التي لا ترى… لكنها تعرف من يفوز! أنا اليد التي تحرّك الصناديق والأقلام، أنا البرنامج الإلكتروني الذي يختار أسماءكم دون أن يقرأها أحد.
الصندوق: (يتراجع ضوءه) مولاي… أنت من صنعني، وأنت من شوّهني.
الظلّ: أجل، صنعتك لتحتوي أصواتهم، لا لتردّها! أنت آلة طاعة، لا مرآة عدل.
كامل: (يصرخ) هذه ليست انتخابات! إنها مسرحية تُعاد كل أربع سنوات بنفس الممثلين!
سلام: وأدوارنا محفوظة سلفًا المرشح الشريف يُصفّق له الجمهور، ثم يخسر في الصمت. والفاسد يُصفّق لنفسه، ثم يفوز بالتصفيق الجماعي!
إلهام: هل هناك أمل في إصلاح اللعبة؟
الظلّ: الأمل مرفوض من النظام! إنه يربك النتائج.
رحيم: إذن نحن نحاكم بلا قاضٍ، ونصوّت بلا اختيار.
الصندوق: تمامًا… فكل شيءٍ محسوم منذ البداية. حتى أنفاسكم لها نصيب في الإحصاءات الرسمية. وعقابا لهذا التحدي نصدر قرارا على كل مواطن يراجع دوائرنا ان يجلب معه ما يؤيد تسديده لكل الضرائب المفروضة وغير المفروضة.
(تبدأ الأصوات تتداخل من جديد: تصفيق جماعي، أصوات تصويت إلكتروني، شعارات وطنية، موسيقى النشيد الوطني تتداخل مع ضحكات مريرة)
رواء: (تصرخ) من فاز؟ قولوا لنا!
الصندوق: (يضحك) الجميع فاز… والجميع خسر. الفاسدون فازوا بالمناصب، والشعب فاز بخيبته! قلناها ونعيدها وسنعيدها.
أيهم: لكن لا يمكن أن تنتهي الانتخابات بلا فائز حقيقي!
الصندوق: بل يمكن، فالنظام اكتفى بالوهم! الوهم أرخص، أطوع، وأجمل في الصورة التلفزيونية.
ولاء: (بصوت خافت) إذن… هل هناك وطن بعد اليوم؟
الظلّ: الوطن؟ مجرد شعار يُعاد طباعته كل موسم انتخابي.
ولاء: هذا بالنسبة لكم، اما نحن هو الحياة والتاريخ.
(يعمّ الصمت، يسقط الضوء الأخير على كامل الذي يقف وحيدًا، يحدّق بالصندوق)
كامل: لقد قال الصندوق إنّ الحلم يغيّر مكانه… ربما آن الأوان لنكسر الغطاء، لا لنملأه.
(يتقدّم نحو الصندوق بخطى بطيئة، يمدّ يده، فيومض الضوء بعنف، وتنطلق من الصندوق أصوات الصرخات والشعارات السابقة كلها، مختلطة ببكاء طفلٍ بعيد وصوت أمّ تقول: “صوّت كما تشاء، النتيجة واحدة)
كامل: (يصرخ) كفى أكاذيب! نريد أن نختار لا أن يختار لنا!
(الصندوق يهتز، يسقط غطاؤه، تتطاير الأوراق في الهواء كأسراب طيور رمادية. المرشحون والمواطنون يركضون في دوامة الضوء والدخان، والظلّ يتلاشى)
الصندوق: (بصوتٍ واهنٍ، كأنه يحتضر) حين سقط غطائي… وُلد السؤال. فهل تملكون الشجاعة لتفتحوا غيري؟
(كامل، سلام، إلهام، ولاء متجمدون في الظل)
رحيم، هديل، سعاد: ها هو العيد الوطني للعبث! كل أربع سنوات يُعاد دفن الأمل…
(الكرسي الوحيد في المنتصف، الجميع ينحني بخشوع أمامه)
سرمد: أيها الكرسي العظيم… بك نبدأ وبك ننتهي.
الصندوق: أيها الناس… لقد امتلأت بالكذب… أتركوني أفرغ نفسي من الأوراق.
(تسقط الأوراق البيضاء، ضوء خافت على الكرسي)
(ظلام تام، همس الريح، صوت بعيد من الأرض)
الصوت الأول: (الأرض) أنا الأرض… الشاهدة على الأصوات التي سقطت في الطين.
الصوت الثاني: (الشعب) كنا نحلم بصوت يغيّر، فإذا بنا صدى بلا أثر.
الصوت الثالث: (الضمير) كنت في الصندوق، مختنقًا بالحبر الجاف… كل حرفٍ كان سكينًا، وكل وعدٍ كان مقبرة.
(الهام، ولاء، سلام يحملون شموعًا صغيرة)
(تتقدّم سعاد بخطى مترددة، تنظر إلى الجمهور مباشرة، كأنها تخاطبهم خارج النص)
سعاد: هل نعيد المشهد؟ أم نكسر المسرح؟ أم نخرج جميعًا… من الدور الذي كتبوه لنا؟
(يُسمع صوت الجماهير المسجلة من جديد: “نعم… نعم… ننتخب لكن الأصوات هذه المرة تتشوه، تختلط بالبكاء والضحك، تتحول إلى ضوضاء بلا معنى يتقدّم رحيم بخطى بطيئة نحو مقدمة المسرح، يرفع ورقة بيضاء)
رحيم: هذه ورقة بيضاء… لا اسم فيها ولا شعار. صوتي الوحيد الصادق… صوتي الذي لا يُحسب… ولا يُزوَّر.
(يضع الورقة على الأرض، ثم يخرج بهدوء)
الهام: ربما التغيير لا يأتي بصندوق، بل بإنسان يرفض أن يُغلق عليه.
ولاء: ربما الصمت ثورة… حين يصبح الكلام دعاية.
(تضع الورقة على الأرض، تتساقط أوراق بيضاء من الأعلى)
جميع الشخصيات: (بصوت جماعي) نحن الأصوات التي لم تُسمع… نحن الأصوات التي خُنقت باسم الوطن… لكننا سنعود، حين يتعب الكذب من الوقوف، وحين يسقط الكرسي من تلقاء نفسه.
(نور باهت على الورقة البيضاء، إظلام تدريجي)
ستار
(إظلام تام. يُسمع في النهاية صوت راوي خافت: وفي الدورة القادمة… سيترشح الجميع من جديد.)
النهاية