الاختزال تقنية فنية وجمالية تمثل مهارة في تكثيف العمل الفني وتحريره من التفاصيل الثانوية، لتقديمه في صورة أكثر تركيزًا وبلاغة. هو تخلّص من الحشو والتفريعات، وإعادة بناء للخط الدرامي في البنية الفنية؛ ليتيح للمتلقي حرية التأمل والتأويل وصولًا إلى المعنى المسكوت عنه.
يُستخدم الاختزال أيضًا لإعادة تشكيل العلاقات بين الشخصيات، وللعب بالزمن والمكان عبر تحويل أحداث زمن ممتد إلى لحظات افتراضية خاطفة. قد يتجسد هذا في كلمة، أو إشارة، أو في تحوّلٍ رمزيٍّ يُغني عن المشهد بأكمله. وهو بذلك يمنح العرض قدرته على التكثيف والتجريد، عبر التورية، والتناص، والاستعارة، والإحلال المعنوي محل المادي، بما يثري الدلالات الدرامية والجمالية ويُعمّق الأثر الرمزي.
الاختزال لا يعني الفقر، بل الثراء المقتصد، فهو يتيح للنص أو العرض أن يستوعب أبعادًا رمزية وفكرية متعددة، وأن يُشرك الجمهور في استكمال المعنى، إذ لا يكتمل المسرح دون فعل التلقي.
الاختزال والفرجة
الاختزال أداة لتكثيف الفرجة، والفرجة هي الانفراج النفسي الذي يسبق الإقناع ويتوجه إليه. فالعرض المسرحي – خاصة في فضاءات الشارع – يستهدف التأثير لا الإيضاح، والدهشة لا التلقين. غير أن هذا التأثير يختلف من متلقٍ إلى آخر، تبعًا لزمن الفرجة ومصادفتها، وهو ما يجعل الاختزال في مسرح الشارع ضرورة فنية وسياقية في آن واحد.
فالاختزال هنا مزدوج: أحدهما اختياري، يخص رؤية المخرج وأسلوبه، والآخر إجباري تمليه طبيعة المكان والفرجة العارضة والجمهور العابر. ذلك أن إيقاع الشارع لا يتيح امتدادًا زمنيا مطلقًا، بل يفرض على العرض أن يكون مقتضبًا، مكثفًا، صادمًا، قادراً على أسر العين والوجدان في لحظة مفاجأة.
الفرجة في الشارع صدمة ودهشة
فرجة الشارع تقوم على المفاجأة، على فعل يهبط بلا إعلان، فيصطدم بجمهور المكان، فيتوقف المارة مشدودين إلى غريزة التعرف على ما يجري، بين من ينجذب فيشارك، ومن يكتفي بومضة، ومن يختزل حضوره إلى لحظة ضرورة. إن الانصراف الفجائي ذاته يصبح فعل اختزال قسري للفرجة.
مورفولوجيا الاختزال في التشكيل
في عروض مسرح الشارع والمسرح في الصحراء، تتجلى فنية الاختزال في الاقتصاد التشكيلي: ديكور قليل متحوّل، وأدوات بسيطة متعددة الوظائف. قطعة واحدة قد تكون سلّمًا وكرسيًا في آن، يتحقق بها التحول المورفولوجي بين الشكل والوظيفة. وكذلك الأزياء، إذ تُصمم تحويليًا بحيث تتبدل ألوانها ووظائفها بحركة ممثل، فيتحول الأخضر إلى الأحمر، والعباءة إلى رداء إمبراطور، في مشهد من الدهشة البصرية والاقتصاد التعبيري.
الاختزال في الأداء التمثيلي
تعمل مورفولوجيا الاختزال في الأداء على دمج الأدوار واختصار عدد الممثلين، فيؤدي ممثل واحد شخصيتين أو أكثر بأسلوب الأسلبة، مع توظيف التحول في الصوت والحركة والملامح. وهكذا يُفعّل مبدأ “التمثيل داخل التمثيل” في مشهدية الشارع حيث الأداء المتحول أحد مفاتيح الإقناع.
الاختزال الصوتي والموسيقي
يحل الصوت البشري محل الموسيقى المسجلة، والإيقاعات البدنية محل الآلات: دقات الأقدام، تصفيق الأكف، تنغيم الأصوات، لتشكيل إيقاع درامي وجمالي نابض بالبساطة المبدعة. إنها مورفولوجيا صوتية تنبع من الجسد لا من الآلة.
الاختزال الرمزي
وفي بُعده الرمزي، يتحول اللون أو الشيء إلى دلالة جديدة، فالأسود قد يصبح لون الفرح، والعصا تتحول من أداة إلى رمز للفروسية أو الرحلة أو السلطة. كذلك يُختزل النوع الإنساني ذاته في أدوار يتحول فيها الرجل إلى امرأة أو العكس، في كوميديا المفارقة أو الفارس، دلالة على عبثية القناع وتعدد الهويات.
مورفولوجيا الاختزال في عروض مسرح الشارع هي فلسفة فنية قبل أن تكون تقنية: اقتصاد في الشكل وغنى في الدلالة، تكثيف في الزمن والمكان، ودهشة في الحضور والغياب. إنها جوهر مسرح يخرج إلى الناس بلا حواجز، يدهشهم، ويشاركهم، ويترك لهم حرية التأويل والاكتمال. فالاختزال ليس تقليصًا، بل توسيع للمعنى في مساحة أصغر من الزمن والمكان، وبذلك يتحقق شرط مسرح الشارع: أن يكون مفاجئًا، حرًّا، ومكثفًا كالحياة ذاتها.