,
حاتم عوده
مع اطلالة كل مهرجان مسرحي عربي كبير، تعود الى الواجهة ظاهرة تستحق منا التوقف والمراجعة، وهي ظاهرة تكرار العروض ذاتها من مهرجان الى اخر. فكم من مرة شاهدنا العمل المسرحي نفسه في ايام قرطاج ثم في مهرجان القاهرة التجريبي ثم في مهرجان بغداد الدولي للمسرح او مهرجان المسرح العربي ؟ قد يبدو هذا للوهلة الاولى امرا ايجابيا، يشير الى جودة هذه العروض واستحقاقها للعرض في تلكم المهرجانات ، ولكن عند التامل، نكتشف ان هذه الظاهرة تحمل في طياتها اشكاليات عميقة
ان هذا التكرار، في غياب تنسيق استراتيجي حقيقي بين ادارات هذه المهرجانات ، يشكل هدرا للطاقات والامكانيات . فهو يحرم الجمهور في كل بلد من فرصة التعرف على تنوع وثراء المشهد المسرحي العربي بكل الوانه. بدلا من ان تكون المهرجانات نوافذ تطل على ابداعات مختلفة، تتحول الى فضاءات تعرض نفس الوجوه ونفس التجارب، مما يخلق حالة من الرتابة ويحد من فرص التلاقح الفكري والجمالي
كما ان هذا التكرار يحرم مئات الفرق والمبدعين الشباب من فرصتهم في الظهور والمنافسة على منصات كبيرة. فالميزانيات المخصصة للعروض محدودة، وعندما تستوعب العروض المعروفة او المكررة جزءا كبيرا منها، فان ذلك يحجب عروضا جديدة قد تكون اكثر جراة وابتكارا، وتحتاج الى فرصة لاثبات وجودها. انه باختصار، اعادة انتاج لنجومية محدودة على حساب تنمية حقيقية للمشهد باكمله
ولكن، كيف لنا ان نتجاوز هذه الاشكالية؟
الحل الامثل يكمن في بناء شبكة تعاون وتنسيق عربية على مستوى ادارة المهرجانات الكبرى. ليس الهدف هو اقصاء العروض المتميزة، بل تنظيم مشاركاتها وخلق نظام تداول عادل يضمن تنوعا في البرمجة. يمكن، على سبيل المثال، ان يتخصص كل مهرجان في استضافة نوع معين من العروض (التجريبية، الاجتماعية، الكوميدية، عروض الشباب) او ان يتم تقسيم العروض على المهرجانات بحيث لا يتكرر العرض الواحد في اكثر من مهرجانين او ثلاثة في موسم واحد
الامر يتطلب ارادة سياسية وفنية، وخلق اطار مؤسسي عربي تحت مظلة تشكيل معين يقترحه مديرو المهرجانات ، يعمل على رسم خريطة مسرحية عربية. او ان اطلاق منصة الكترونية موحدة يمكن ان تكون اداة فعالة لتسجيل العروض وتتبع مشاركاتها وتقييمها، مما يسهل عملية التخطيط المشترك
علاوة على ذلك، يجب تشجيع تبادل الخبرات الادارية بين المهرجانات. فاجتماع مديري المهرجانات العربية بشكل دوري لمناقشة البرمجة والتحديات المشتركة، سيساهم في تجنب التكرار اضافة الى رفع مستوى التنظيم والرؤية الفنية
مهرجان ايام قرطاج المسرحية المنعقد حاليا ، بعراقته ومكانته الراسخة، مدعو اليوم لقيادة هذه المبادرة. ان يكون رائدا في الدعوة الى تكامل عربي مسرحي حقيقي. نحن امام فرصة ذهبية لجعل مهرجاناتنا محطات متكاملة ومتنوعة في رحلة العرض المسرحي العربي، وليس دورات لمهرجانات مكررة تقدم نفس المنتج
لنعمل معا على تحويل هذه المهرجانات من جزر منعزلة تكرر نفسها، الى حلقات متصلة في سلسلة مزدهرة تثري المشهد المسرحي العربي، وتقدم للجمهور في كل بلد عربي باقة متنوعة من الابداعات، وتفتح الافاق امام كل المبدعين. ان الاوان لكي نتحول من ثقافة التكرار الى استراتيجية التكامل.