“من رحم الأسطورة انبثقت طنجيتا نوس .. الكتابة عن مدينة”طنجة”مسرحيا “

د. حسن المنيعي

بداية، يمكن التأكيد على أن مسرحية “طنجيتانوس” تشكل نقطة تحول في مسار الكتابة الدرامية لدى الزبير بن بوشتي، وذلك لتميز أسلوبها عن الكتابات السابقة، واندراج موضوعاتها في مجال الأسطورة، التي شكلت في تاريخ المسرح اليوناني تراثا ضخما اعترفت الشعوب بقيمته العالمية بعد أن تعاملت مع “تراجيدياته” التي أبدعها شعراء كبار أمثال سفوكليس، ويوريبد، وإسخيلوس، ثم أعاد كتابتها فيما بعد، وعلى مر العصور، مسرحيون لاحقون، كل من وجهة نظره الخاصة.

د.حسن المنيعي

لكن ما يجب الإشارة إليه : هو أن هذه المسرحية تعد في نظري تجسيدا فعليا للمشروع الذي يسعى الزبير بن بوشتى إلى تحقيقه : ألا وهو الكتابة عن مدينة “طنجة” وفضاءاتها، وتخليدها في إنتاجات أدبية كما فعل مثلا في كتابيه “مقهى الحافة” و”حوار مع محمد شكري”، وكما فعل على الخصوص في مسرحياته التالية : “يا موجة غني”، “للا جميلة”، “النار الحمرا”، “زنقة شكسبير”، “أقدام بيضاء”.

ومهما كانت موضوعات هذه الأعمال المسرحية متفاوتة فيما بينها على مستوى المعالجة الفكرية والفنية، فإن ما يجمع بينها هو صوت المبدع الزبير بن بوشتى العاشق لمدينته، والمهووس بحاضرها وكذا بماضيها الذي نقف على بعده الأسطوري في رائعته “طنجيتانوس”.

من المعروف أن طنجة تشكل مادة ثرية وممتعة في مسار تاريخ منطقة البحر الأبيض المتوسط، كما تؤشر إلى ذلك المحكيات الشفوية أو المكتوبة بمختلف مرجعياتها (أمازيغية، عربية، يونانية، فنيقية، رومانية… إلخ). في هذا السياق، يحكى أن سفينة سيدنا نوح عليه السلام انجرفت، بعد الطوفان، إلى الشاطئ في انتظار العثور على الأرض اليابسة. وذات يوم، عادت يمامة لتحط فوق جسر السفينة، وحينما لاحظ بعض ركابها أنها تحمل طينا في رجليها صاحوا قائلين : “الطين جاء” (أي الأرض في الأفق).

وإذا كانت هذه الحكاية تعد إحدى بواعث التسمية التي ارتبطت بمدينة طنجة، فقد وردت الإشارة إليها في المسرحية وذلك في “الإضاءة الرابعة”، وتحديدا في الحوار التالي الذي جرى بين طنجيس (متنكرة في لبدة الأسد النيمي) وأنطيوس زوجها :

“- الأسد النيمـي   :   أنطيوس إلهي الذي أقام مدينة

بين منقار يمامة انبجست طينا

كما لو كان رسالة من السماء

غداة الطوفان

رمت اليمامة طينها في الماء

فهتفت الأقوام والبحر والأمواج

الطين جاء، الطين جاء، الطين جاء

– أنطيــوس        : صارت طينجا

– الأسد النيمي    : من رحم الأسطورة انبثقت طينجا

الزبير بن بوشتي

– أنطيــوس        : اسميتها طنجيس تيمنا باسم زوجتي”.

وفي محكي آخر، يرى “أفلاطون” أن جهة طنجة وكذا إقليم ليبيا كانا يشكلان منطقة نفوذ بالنسبة للعملاق “أنطيوس” Antée. وحسب ما ورد في الميتلوجيا الإغريقية، فإن أنطيوس هو ابن “بوسيدون” Poseidon إله البحر، وغايا Gaea (أم الكون والأرض والسماء). وقد كان هذا العملاق يهاجم المسافرين ويغتالهم ليبني من جماجمهم معبدا يقدمه هدية لوالده. وقد أطلق اسم زوجته “طنجة” Tinja على منطقة نفوذه التي تشمل حدائق الهسبريديين Hesperides المشهورة بفواكهها الذهبية، والتي تمتد من سبتة الحالية Ceuta إلى اللكسوس (نواحي مدينة العرائش). وتعد سرقة الفواكه الذهبية إحدى الأشغال الإثنتي عشر التي أنجزها هرقل Hercule البطل الإغريقي الشعبي الذي كان نصف إله، نظرا لأن أمه ألكمين Alcmène كانت من البشر، على عكس والده زيوس Zeus الذي كان إلها حقيقيا.

وفي سياق الحديث عن هذه البطولة الأخيرة لهرقل، تشير الأسطورة إلى أن الفواكه الذهبية كانت تحرسها الهسبريديات رفقة التنين “لادون” Ladon ذي المائة رأس. وقد أمكن لهرقل أن يستولي على هذه الفواكه العجيبة عن طريق الحيلة وذلك عندما بعث بـ”أطلس Atlas”     ليحارب”لادون” مكانه. وحينما وصل هرقل إلى منطقة نفوذ “أنطيوس”، واجه تحديا قويا من طرف خصمه، ودخل معه في معركة جسدية كان هرقل يحاول خلالها التغلب عليه وذلك بمحاولة رفعه أعلى من الأرض. لكن أنطيوس كان يسترجع قوته كلما ترسخت قدماه في الأرض (أي كلما توطدت علاقته بأمه غايا”). وفي الأخير، أمكن لهرقل أن يحقق هدفه، وأن يقوم بخنقه والاستيلاء على مملكته وزوجته التي أنجبت له إبنا سمي سفوكس Saphox. وهو الذي أسس، كما تقول الأسطورة، مدينة أطلق عليها تسمية “طنجيس” تكريما لأمه.

* * *

لقد كان من اللازم الوقوف على هذه المعلومات التاريخية للتأكيد على أن “الزبير بن بوشتى” قد اطلع على تفاصيلها، وعمل على هضمها قبل كتابة عمله واختيار شكله الفني، الذي يرتكز أساسا على معمار نصي يتميز –وكما هو الشأن في جل أعماله المسرحية- بالوضوح الفكري، ويخول له نهج كتابة جديدة تعلن عن حداثتها من خلال تقنية “الإضاءات” التي تشكل عبارة عن وصلات مشهدية أو متواليات حكائية/سردية تحمل كل منها عنوانها الخاص، وتساهم جميعها في تأسيس “منطق الحدث” وأبعاده الدرامية من خلال التكامل فيما بينها.

ولبلورة هذا الحدث، حرص الزبير بن بوشتى على تأطيره في فضاءين : فضاء مغارة هرقل، وفضاء حديقة الهسبريديين. إن تجاور هذين الفضاءين هو الذي خول له تحقيق “فعل التمسرح”، وإلغاء الحواجز بين الشخوص، كما ساعدهتحقيق على  التقارب واللقاء بينها، وكذا إبراز حالاتها النفسية. وكما نلاحظ ذلك في الإضاءة الأولى “ضفائرها حكاية”، فإنه يقدم لنا من خلالها المدخل العام للحدث : أي التعريف بقصة هرقل وكيفية اندراجه في مسار التاريخ الأسطوري، والانتصارات التي حققها أو التي عرفت بأشغاله الاثنتي عشر.

لكن الابتكار الجديد في هذه القصة هو أن الزبير بن بوشتى لا يجعل هرقل يحقق آخر حلقة من أشغاله التي تحكي عن القضاء بيديه (لا بالسلاح) على الكلب سربير Cerbere ذي الرؤوس الثلاثة. وبالتالي، فإن تحقيق هذه البطولة أصبح رهينا بالسلاح الفتاك الذي سيخترعه له خصمه أنطيوس، الذي يقيم أسيرا في المغارة بعيدا عن زوجته طنجيس التي تظهر رفقة ديجانير Déjanire (زوجة هرقل) في حديقة الهسبريديين وهما يعيشان في جو من التفاهم. إلا أن هذا التفاهم سيتحول إلى كراهية بالنسبة لديجانير، وذلك عندما علمت أن طنجيس تحمل في بطنها جنينا هو ثمرة علاقة جنسية قسرية بينها وبين هرقل، أو إذا شئنا ثمرة خيانة زوجها. وهكذا نجدها تتأجج غضبا وتدين هرقل قائلة:

“إلى المغارة أنا ذاهبة. سأقف بنفسي على خيانته العظمى. لن أصمت ! سوف أعلنها للكون فضيحة تبكي الملائكة والشياطين، وتجعل أب الآلهة زيوس يندب حظه في ابنه هرقل وفي ذرية تأتيه من السبايا”. (الإضاءة العاشرة).

هذا، وإذا عدنا إلى العلاقة الأولى بين المرأتين، فقد ركز عليها الكاتب عبر سرد أشغال هرقل وذلك بطريقة طريفة : وهي تحقيق مزيج عجيب بين الحكي المسرحي والواقع الأسطوري الذي نطلع من خلاله على تلك الأشغال وقد أصبحت متجسدة (مؤرخة) في الجدائل التي تنساب متلاحقة من شعر ديجانير، وتعمل طنجيس على ضفرها الواحدة تلو الأخرى، باستثناء البطولة الأخيرة التي تنتظر تحققها عبر السلاح الذي سيخترعه أنطيوس.

* * *

بعد الوقوف على قصة هرقل مدخلا رئيسا، تعمل المسرحية على بناء أحداث هامة نطلع من خلالها على هزيمة أنطيوس من لدن هرقل، وكذا على حبه العميق لطنجيس وفراقهما المرير، ومع ذلك، فإنهما يتحدان في متخيل الكاتب عبر “حب صوفي” يجعلهما “روحين يحلان في بدن واحد”. إلا أن مصيرهما يظل بيد هرقل الذي احتل مملكتهما. وهذا يعني أن هذا المصير هو العنصر الفاعل في الحدث الرئيس الذي خضع لتركيبة درامية فذة تقوم على حوارات مسرحية جميلة تعكس عبر التكثيف هموم الشخصيات وتطور حالاتها النفسية.

وهكذا نعلم أن طنجيس تحن إلى رؤية زوجها الأسير، وأن ديجانير ستساعدها على تحقيق هذه الأمنية وذلك بإخفائها في لبدة الأسد النيمي لأنها تحبها، ولأنها تهفو هي أيضا إلى رؤية زوجها هرقل الذي سيعود قريبا. لقد تم هذا اللقاء في الإضاءة الرابعة (روحان في جسد) التي ندرك من خلال حوارها الشيق والمتأرجح بين الإيقاع المأسوي والكوميدي قصة حب صادق، وعزم أنطيوس على مقاومة هرقل والموت في أحضان زوجته.، وبقدر ما كشفت المسرحية عن هذا الحب، بقدر ما عمقت الحديث عن الهزيمة وتجاوزها عبر الانتقام.

“طنجيس : سيقتلك ويرمي بجثتك لأحصنته التي تجنحها لهب النار

أنطيوس : العبقرية لا تموت يا طنجيس

طنجيس : ومصيري

أنطيوس : تقصدين مصيرنا

طنجيس : سيستبيح جسدي / جسدك هذا الذي تستوطنه

أنطيوس : ولو !

طنجيس : إنك بعنادك تتخلى عن جسد بحجم وطن

أنطيوس : لن أساوم في عبقريتي، علمي سلاح لا يقايض

طنجيس : ما الجدوى من عبقرية إن لم تسخر في سبيل الحياة

أنطيوس : وما الجدوى في حياة تستكين في أحضان الهزيمة”.

من هنا، نرى أن أنطيوس لا يعترف بأي قيمة سوى الانتقام لكرامته. وهو يبدو بذلك بعيدا عن أبطال التراجيديا الإغريقية الذين يجسدون الشرط الإنساني في ارتباطه بالخطأ، أو يواجهون تشابك أحداث خارجية تؤدي بهم قدريا إلى كوارث. ورغم حضور أسماء آلهة في المسرحية، فإن دورها لا يتعدى مجرد التركيز على علاقتها بتاريخ القصة المعالجة. ومن ثم، يمكن القول بأن أنطيوس لم يرتكب خطيئة، وإنما فقد مملكته وزوجته، لذا فإن خلاصه الوحيد يكمن في السلاح الذي اخترعه لعدوه هرقل : أي الرمح، وخصوصا حربته المصنوعة من مادة سامة، والتي تحول دم من يصاب بها إلى مادة محرقة.

إن هذا الرمح هو الذي كان سبب موته أثناء مبارزته لهرقل في المغارة. وقبل أن ينصاع لمصيره الإنساني، طلب من ديجانير، وهي تحت وطأة الفجيعة، أن تخضل أعز لباس لدى هرقل (أي لبدة الأسد النيمي) بدمه، وأن تحثه على ارتدائه حتى “يلتهب قلبه حبا لها، ويعود إلى أحضانها كقط وديع :

“لملمي فجيعتك بدمي المراق

أهديتك إياه في إناء الانتقام

يأتيك هرقل على نعش المحبة

يسابق موته بموال الاحتضار

يا بياض الموت، أمهلني متسع الترياق

قبل موتي، أعلن دمي هدية للانتقام

أضخه جسد هرقل سما قاتلا”

الإضاءة الثالثة عشر

* * *

هكذا إذن، يمكن اعتبار مسرحية طنجيتانيوس عملا ذا نفس تراجيدي لكنه يعكس بعدا “إنسانويا” معاصرا إلى درجة أنه يمكن النظر إلى أنطيوس على أنه بطل من زمننا يجعل من العلم وسيلة للتخلص من هزيمته. وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد كما سبقت الإشارة إلى ذلك، على أن الهدف من كتابة هذا العمل هو “تخليد” مدينة طنجة عبر تاريخها الأسطوري. ومن ثم، فإذا كانت شخصيات المسرحية تنتمي جميعها إلى هذا التاريخ، فإنها قد ساهمت –من خلال “تحريكها” الذكي من لدن الكاتب- في بلورة فعل مسرحي تتأطر في ثناياه مواقف إنسانية خالدة هي في الحقيقة نتاج كتابة أدبية رفيعة تحتاج إلى دراسة مستقلة نظرا لارتكازها على عدة لغات تتأرجح بين القول اليومي البسيط، والقول الشعري الرشيق، والإشراقات الصوفية الباطنية، والتعبير البلاغي.

إن هذا التنوع يؤكد لنا على ثراء اللغة المسرحية لدى الزبير بن بوشتى، وعلى قدرته على التعامل مع اللغة العربية الفصيحة من منظور أدبي ومسرحي في نفس الوقت، وهذا ما يؤهل هذه المسرحية لتكون مادة بحث ودراسة في السلك الثانوي والجامعي، كما يؤهلها للمشاهدة فوق الركع وذلك في إطار “إنجاز مسرحي” دينامي متكامل، لأنها تستوفي شروط الكتابة الأدبية والدراماتورجية من خلال توفرها على تماسك حكائي بين أجزائها (إضاءاتها)، وعلى وحدة عضوية في المعالجة العامة للموضوع الذي خضع لنقلة درامية بلورت، بعمق وبشاعرية متناهية، انتقام أنطيوس ومأساة زوجته التي تحولت في الأخير إلى تمثال، كما بلورت موت هرقل وبعده ديناجير التي ظلت وفية لزوجها :

“فليتحد موتي بموت هرقل

ولتعش طنجيس ملكة لهذا الدمار

في انتظار الوريث المنتظر

القابع في بطن الفجيعة”

الإضاءة الأخيرة

وكما ألمحت إلى ذلك، فإن “سفوكس” هو الوريث الذي أسس مدينة طنجيس تكريما لأمه التي أحبت زوجها، ومع أنها انصاعت لجبروت هرقل “سيد المغاور و الأعمدة”، فإنها ظلت وفية لزوجها الذي لم يتخل عنها وهو في محنته :

“طنجيس : كن جسدا لروحي

أنطيوس : كوني روحا لجسدي… حتى وإن قتلوني مت فيك يا طنجيس”.

_______________________

مسرحية”طنجيتانوس”-منشورات “ومضة”،الرباط 2012

الزبيربن بوشتى:كاتب مسرحي وواضع حوارات أفلام،حصل على جوائز عديدة  على مستوى كتابة النصوص الدرامية.

Related posts

الايقاع في الكوريغرافيا

اختلاف  المنظومات الدلالية للاقتباس .. اشتغال بمعنى التحول الثقافي العربي

الدراماتورج في المسرح … قاسم محمد أنموذجا