منهج سوزوكي في تدريب الممثل – القسم الثالث

تاداشي سوزوكي .. “التقاليد والقوى الخلاّقة في المسرح” (*)

ترجمة علي كامل

مرّت الثقافة اليابانية بتحّولات بليغة بعد الحرب العالمية الثانية، وأوّد هنا مناقشة بعض تلك التحّولات وعواقبها. حين يجد البشر أنفسهم على علاقة مع الطبيعة أو مع العالم المحيط بهم فإنهم يستجيبون للحوافز الخارجية وفقاً لمدركاتهم الحسية. والمدركات الحسية تلك متأتية من مفهوم الحواس الخمس. أما القواعد التي تشترط تكيّف، أو تغيّر تلك الحوافز، فهي التي سأطلق عليها تسمية (الثقافة).
الثقافة تنشأ من القواعد التي تتراكم بمرور الوقت عند مجموعة من الناس كطرق لتنظيم الغرائز الحيوانية إزاء تلك الحوافز الخارجية، والعنصر الأساسي في هذه العملية هو حقيقة أنه ينبغي وجود ثقة مشتركة بتلك القواعد داخل كل مجموعة بشرية. بمعنى آخر، لا يمكن لتلك القواعد أن تقوم بوظيفتها عل أتم وجه ما لم تكن هناك ثقة متبادلة بها من قبل أعضاء تلك المجموعة.


انطلاقاً من وجهة النظر هذه، فإن الثقافة تكمن في الكيفية التي تُستخدم فيها الطاقة الحيوانية داخل تلك المجموعة، وفي الثقة المشتركة في كيفية التحّكم بتلك الطاقة. لذا فإننا نميل إلى أن ننظر إلى الثقافة وفقاً لتجليات تلك الاستجابات الشرطية. ومثال على ذلك الفنون والألعاب الرياضية والنشاط الجنسي وفن الطبخ، وما إلى ذلك. أما السبل التي تتباين فيها تلك التجليات
من مجموعة بشرية إلى أخرى، لاسيما بين المجموعات العرقية، فهي بالضبط ما نميل إلى تحديدها كحقائق ثقافية أو هي الثقافة ذاتها.
يمكن توصيف المجتمع المعاصر من خلال التركيز بقوة في نطاق الحواس الخمسة، على حاسة البصر، وعلى المعلومات أو التصورّات المكتسبة عبر تلك الحاسة. ويرافق ذلك التركيز تركيز آخر مغالى به بشأن القواعد الثقافية التي استندنا فيها على الإدراك البصري.

 
إن مصاعب ربط الثقافة بحاسة البصر هي أن الطريقة التي نستخدم فيها الإدراك البصري في المجتمع المعاصر لا تستند على الطاقة الحيوانية على وجه الحصر، فنحن اليوم نستخدم في كثير من الأحيان مصادر أخرى غير حيوانية للطاقة، كالكهرباء والبترول والطاقة النووية، لغرض خلق المجال البصري. وبسبب أن التصورات البصرية وقد تحولت إلى مثل هذه الأشكال الأخرى من الطاقة، نرى اليوم أن أنماط السلوك ونماذج الثقافة التي شيّدت على أساس تلك التصورات هي الأخرى آخذة في التغيير. فاذا نظرنا اليوم إلى أجهزة
الكمبيوتر مثلاً فستتضح لنا الصورة كاملة. فنحن اليوم نتواصل أكثر وأكثر عن طريق أجهزة الكمبيوتر وشبكاته التي تستخدم الطاقة غير الحيوانية. ففي نطاق من هذا النوع، يمكن لأمور كالصداقة مثلاً، التي كانت تستند على الصلة الحيوانية الحسية بين الناس، أن تُستبدل، بصلة أخرى غير حيوانية تماماً، بنطاق بصري بحت من خلال شيء كالبريد الإلكتروني مثلاً. والمجتمع الياباني غير مستثنى بالطبع من هذه التغييرات التي تحدث في العالم.  فالطريقة التي يجري فيها استخدام الطاقة غير الحيوانية في الثقافة اليابانية وكذلك القواعد التي تنبثق من تلك العملية، جميعها آخذة في التغيير. 
وأنا بوصفي فناناً مسرحياً أمارس عملاً يستند على الطاقة الحيوانية أو هو متجذر فيها أصلاً، مهتمٌّ على هذا النحو في بحث ودراسة هذه التغيرات في الحياة اليومية اليابانية لاسيما تلك المتعلقة بالثقافة اليابانية للجسد والتي تنشأ من تلك الحياة، طالما أن الحياة اليومية هي على صلات قوية بجميع تلك الحواس.
لقد ظهرت فنون الأداء اليابانية من ثقافة الجسد تلك، فبالتالي نجد أن فنون الأداء اليوم تمر بعملية تحوّل كامل. وفنون الأداء، في ميدان المسرح بوجه خاص، تتضمن نوعين من أشكال التعبير، هما: التعبير الجسدي والتعبير اللُغوي.

يعتقد الكثيرون أن النص المكتوب هو المصدر أو الأصل في المسرح، معتبرين أن عملية الخلق المسرحي هي بمثابة ترجمة النص المسرحي إلى زمان ومكان من خلال عنصر التمثيل. لكن، حين يتأمل المرء التأريخ بعمق، يصبح جلياً له أن التعبير الجسدي للممثلين القدامى ضمن تلك الفِرَق المتخصصة كان يحتل المرتبة الأولى في العرض، أما النص وتقاليد الأدب الدرامي فقد كانت بمثابة وسيلة لمنح المتفرج سبيلاً للوصول إلى أولئك
المؤدّين أو الممثلين. فالمسرحيات المكتوبة آنذاك لم تكن سوى معلومات تزوّد المتفرج بالأحداث التي تجري أثناء العرض المسرحي وليس العكس. لكن، حين دخلنا العصر الحديث، كان ثمة انفجاراً هائلاً بعدد من المؤلفين المسرحيين الكبار المثيرين للانتباه، وكان الكثير منهم قد أنجز نصوصاً مسرحية مميزة كانت إلى حد ما بمثابة نقلة ثقافية ولغوية في اليابان. لهذا كان من السهل جداً على الناس حينها رؤية تلك النصوص بوصفها المصدر الوحيد لفن المسرح، وأصبح المؤلفون المسرحيون معترفٌ باستقلاليتهم الكاملة عن العرض المسرحي، وبالتالي، فإن ما حصل هو أن أولئك الكُتّاب صار يُنظر إليهم على أنهم شخصيات تنتمي إلى عالم الأدب أكثر منه إلى عالم المسرح.
نسبياً، اليابانيون كانوا بمعزل عن إدراك أولوية الجانب الأدبي لفن المسرح وفنون الأداء الأخرى، لسبب بسيط وهو أن في اليابان كانت هناك مجاميع من الممثلين أو (المؤديّن) يستخدمون أجسادهم واصواتهم بطرق متخصصة جداً للأداء وبأساليب متميزة واستثنائية لمئات من السنين عبر أشكال درامية تقليدية أمثال “نـو” و “كابوكي”.
إن مشاهدة هؤلاء الناس على مر التأريخ وهم يمثلون وينشدون كان بمثابة شكل مقنع ونافذ المفعول كأحد وسائل التسلية، وهذا ما أفضى إلى وجود صلة بين اللغة ومفهومنا للعلاقة بين الكلمات المنطوقة وحركة الجسد، والذي جعل من الصعب الفصل بينهما إلى مجرد “أدب”
و “أداء”. وقد تمَّ الحفاظ على تلك العملية، إلى حد، ما منذ تأريخ نشأتها، وكان لها تأثير على الثقافة برمّتها، فضلاً عن تأثيرها على قواعد كيفية فهم العرض وكيفية إدراك الجسد في علاقته بالنص.
في الأزمنة الحديثة، ثمة عدد لا بأس به من الناس في داخل اليابان وخارجه وضعوا قدراً كبيراً من الأهمية على الفنون الأدائية اليابانية بوصفها خلاصات للثقافة اليابانية أو أمثلة مرموقة عن ماهية الثقافة اليابانية. غير أن تلك التقاليد، على كل حال، بدأت تتغير بشكل فائق وشديد تماماً في ستينيات القرن الماضي. وعند النظر إلى هذا التحول، ثمة عاملان حاسمان ينبغي أخذهما بنظر الاعتبار، الأول، هو التغير البارز جداً في طراز معمار البيوت اليابانية في ستينات القرن الماضي، حيث قامت الحكومة اليابانية في عام ١٩٥٥ ببناء مجمعات سكنية عامة من أجل تأمين مساكن للمواطنين منخفضة التكاليف. أما العامل الثاني، والذي ينبغي علينا أيضاً أخذه بنظر الاعتبار، فهو ما سميَّ بـ (ثورة تكنولوجيا المعلومات) في تسعينات القرن الماضي. وكان لهذين العاملين في الواقع تأثيراً عميقاً ليس في تسيير الحياة اليومية في اليابان فحسب، ولكن أيضاً تأثير بارز على الاحساس البدني لجسد الإنسان الياباني.
وكان من نتائج هذا التغير الذي طرأ على الاحساس البدني للجسد حدوث تغيير في التعبير اللغوي أيضاً، وذلك لأن الاثنان لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض. وهذا بدوره أدى إلى تحّول ليس فقط في التواصل البشري، إنما في علاقات الناس داخل المجتمع.
كان سكان المدن في اليابان عام ١٩٥٥، أي بعد مرور عقد على نهاية الحرب العالمية الثانية قد تجاوز سكان الريف، على المستوى الكمي، وكانت المرحلة آنذاك هي مرحلة نمو اقتصادي مدهش في اليابان، وأيضاً بدء التغييرات الفعلية في بنية المجتمع الياباني. وما سمّي بثورة الطاقة، حينها، حيث الانتقال من استخدام حطب الوقود والفحم إلى استخدام البترول والكهرباء، قد ظهرت في ذات الوقت كجزء من هذه العملية. وكانت النتيجة المنطقية لتلك التغييرات هي تدهور الصناعات الرئيسية التي كانت ترتكز على الطاقة الحيوانية المباشرة، كالزراعة وصيد الأسماك وزراعة ورعاية الغابات، وما إلى ذلك. لذا فقد بدأ معظم السكان العاملين في تلك الحقول بالنزوح إلى المدن، مما أدى إلى أن نسبة٧٠ بالمائة من عدد السكان أصبحوا يعيشون في داخل المدن، وهو ما اضطر الحكومة يومها إلى الشروع في بناء مجمعات وشقق سكنية تحتوي على مساكن صغيرة وضيقة للغاية كانت مساحة الواحدة منها بحدود 40 متراً مربعاً (أي حوالي ٤٠٠ قدم مربع) لاستيعاب ذلك العدد الهائل من النازحين، وقد حصل ذلك بالطبع في القسم الأكبر من البلاد بسبب قصف القنابل الأمريكية التي قوضت بيوت ما يقرب ٨٠ ./. من السكان حينها. وقد كانت كل واحدة من تلك الشقق الجديدة قد شيدت من الإسمنت وقسمت إلى غرف صغيرة جداً يتوزع فيها أفراد يعيش كل واحد منهم على حدة.
هذا التغيير في طراز المعمار كان له تأثير كبير على شكل العائلة اليابانية وبنيتها والذي عزز وعجّل من عملية التغيير الحاصلة في داخل بنية الأسرة اليابانية الواحدة التي كانت في السابق تتكون من وحدات عائلية كبيرة جداً تمتد إلى نحو ثلاثة أجيال، والتي كانت بمثابة القاعدة الأساسية لبنية الأسرة اليابانية آنذاك. وقد أحدث هذا الوضع تغييراً في الاحساس الجسدي (physical sensibility) الأساسي للإنسان الياباني.
كان ثمة سمة تميز البيت التقليدي الياباني وهو وجود فجوة أو كوة داخل الجدار في جزء ما من ذلك البيت تسمى “tokonoma” (**) وهناك سمة أخرى أيضاً لتلك البيوت هي أروقتها ومنصاتها المشيّدة أرضياتها بالخشب وتدعى .”roka” وكانت معظم الغرف في طراز البيوت اليابانية قبل الحرب العالمية الثانية تحتوي على أرضيات تدعى “tatami” وهو بساط أو حصير أو مفرش من القش، وفي الغرفة الأكثر أهمية من بين تلك الغرف (وهي عادة الغرفة التي كان يعيش فيها رب الأسرة أو العشيرة أو القبيلة، أو الغرفة التي يُتم فيها استقبال الضيوف) يمكن العثور على تلك الفجوة أو المنطقة المخصصة للـ .tokonoma 

لقد ظهرت هذه الميزة أولاً في حقبة “موروماتشي ” Muromachi ١٣٣٧ ـ ١٥٧٣، وكانت تدعى “أوشي ـ إيتا”oshi-ita.  وكانت تصنع من قطع خشبية مضغوطة، وقد تم العثور عليها فقط في مقامات الرهبان البوذيين، فهي مكان مقدس نوعاً ما، حيث كانت تُعلّق هناك لوحات الرسم ذي الدلالات الدينية، ويتم حرق البخور فيها أيضاً.
أما في حقبة “إيدو ” Edo (١٦٠٣ ـ ١٨٦٧ فقد استُبدلت تلك القطع الخشبية بأبسطة “تاتامي” tatami ، أما الـ “tokonoma” فقد أصبح مقاماً مخصصاً لجلوس الشخص الذي يمثل السلطة أمثال دايميو daimyo أو شوكَون .shogun  (**) أما في الحقبتين ميجي Meiji ١٨٦٨ ـ ١٩١٢ و تيشو Taisho ١٩١٢ ـ ١٩٢٦، فقد كان شائعاً آنذاك وجود توكونوما tokonoma حتى في بيوت العاديين من الناس والذي كان محظوراً من قبل. وقد كان قائد المجموعة، أو رب العائلة أو أي شخص يمتلك سلطة أو نفوذ يجلس عادة في الجهة المقابلة للـتوكونوما .tokonoma 

ما يُستشف من ذلك كله هو أنه لم تكن تخلو حتى بيوت عامة الناس في اليابان من آثار للسلطة الاستبدادية، لاسيما السلطة الدينية والتي كانت قد شيّدت في صلب بيوتهم تلك.
لقد كان هذا في الواقع سمة من سمات فن العمارة حيث كانت الغرف في البيوت اليابانية آنذاك تتضمن تنظيماً تراتبياً ضمن المكان نفسه، وهذه السمة تعكس بالطبع نمط حياة الإقطاعيين اليابان ما قبل اليابان المعاصرة.
إن تأثير توكونوما Tokonoma على الحس الجسدي الياباني كان من شأنه ابتكار الحيز (space)  الذي يتضمن مركزاً .(center) الحيز الذي يمثل نقطة الانطلاق أو السُلّم التراتبي. أي، بمعنى آخر، النظام الطبقي، ضمن نطاق بنية الحيز نفسه. فالشخص الذي يجلس وخلفه توكونوما ينبغي أن يكون مُدرِكاً باستمرار لموقعه الهرمي ومُدرِكاً الطريقة التي ينبغي على الموجودين في الغرفة الالتزام به بوصفه شخصية ذو نفوذ وأهمية وسلطة. ليس هذا فحسب، إنما الأكثر من ذلك، هو أنه حتى عندما يكون الشخص وحيداً في الغرفة ومن دون وجود تلك الشخصية الممثلة لتلك لسلطة، ينبغي أن يكون لديه إحساس ووعي ماديٌان بجسد تلك الشخصية. وهذا الإحساس والوعي متجذر في علاقة السلطة السياسية بالشخص الذي يتمتع بتلك السلطة، والذي يُفضي إلى خلق احساس جسدي مرهف ومُدرَّب. بل إن الغرفة ذاتها تتطلب وعياً جسدياً مشابهاً للتمثيل وما يمارسه الممثل أثناء العرض.
إن الحيز (space) الذي يجري فيه العرض في المسرح الياباني التقليدي يتضمن أيضاً بنية مركزية أو تراتبية. ففي مسارح “نـو” توجد هناك مقاعد خاصة يجلس عليها shogun الشخص الذي يُمثّل السلطة هو والإله أحدهما إلى جنب الآخر. أما في مسارح “كابوكي“، فهناك برج يدعى yagura يحتل موقعاً فوق مدخل المسرح تماماً، وهو بمثابة طريق لدخول الإله ونزوله إلى داخل خشبة المسرح. أما ما يقوم به الممثلين من حركات وما ينطقوه من كلمات على خشبة المسرح فينبغي أن تكون موجهّة بهذا المعنى نحو ذلك المركز البارز. فالجمهور يشاهد الممثلين في صلة مع ذلك المركز، وهذا ما يدركه المتفرج بالنتيجة بوصفه تمثيلاً أو أداءً.
ففي مسرحيات محددة في مسرح “نو” و “كابوكي” هناك مواضع ينبغي على المُمثّل (المؤّدي) أن يتقدم صوب مركز المسرح وينحني باتجاه الحيز (space) ومن السهل جداً بالطبع إساءة فهم تلك الانحناءة من أنها مكرَّسة للجمهور. ولكن هذه ليست هي المسألة الأساسية. المسألة الجوهرية هي أن الممثلين في الواقع بفعلهم هذا إنما يعبرون عن شكرهم لمركز ذلك الحيز، أي شكرهم للإله.
وقد أصبحت إساءة فهم تلك الانحناءة أمراً شائعاً وسط عدد من الأجيال الشابة من اليابانيين اليوم، من أنها مكرَّسة للجمهور لسبب بسيط، حسب ظنهم، وهو أن الجمهور هو من يشتري تذاكر العرض ويدفع ثمنها. وثمة خطأ شائع آخر هو أن الجمهور كان يؤازر الممثلين بنفس الطريقة التي كان يؤازر بها الآلهة، وهذا ربما هو خطأ شائع أو مقبول.
ويمكن تأويل المسرح الإغريقي القديم بنفس الطريقة نظراً لأن بعض المسارح الإغريقية كانت تحتوي على مقاعد خاصة تُحجز للكاهن ديونيزوس، وإن العروض بدون شك كانت بهذا المعنى تتمحور باتجاه ذلك الموقع في المسرح.
دعونا الآن نتأمل بإيجاز تأريخ نشوء وتطور الجسد المسرحي (Theatrical body) أو محور التركيز المسرحي .(theatrical focus) فلو بدأنا بالمسرح القديم، كما ناقشناه تواً، حيث يتشكل الحيز (space) عبر الإحساس القوي بالمركز (center)، وعبر علاقة الممثلين الأساسية بذلك المركز، نجد أن حركتهم وفق ذلك تصبح عمودية أو رأسية إلى حد ما: أي أنها تتحدIد بين مؤخرة المسرح ومقدمته، فهم يتحركون نحو مركز الحيز (space) وبعيداً عنه. وهذا التموضع يصبح المدخل الأساسي لتلك الحركة والعلاقة الأساسية في ذلك الحيز. 
أما في عصرنا الحديث ومع مؤلفين مسرحيين مثل تشيخوف وإبسن، فلم نعد نشعر بالقلق بوجهة نظر الآلهة أو الملوك بشأن المواضع التي كانوا يتخذونها في الغرفة. فنحن اليوم نتعامل في المقام الأول مع الممثل الآخر أو بالأحرى الشخصية الأخرى في المسرحية. ونتيجة لذلك، تنحّى المدخل الأساسي جانباً وأصبحت الحركة الآن متجهة من اليسار إلى اليمين في العلاقة مع الشخص الآخر.
فلو انتقلنا إلى أسلوب مؤلّفٍ مثل صموئيل بيكيت، فسنجد أنَّ حتى الشخص الآخر يمكن أن يختفي فجأة ويتلاشى تماماً. ويمكن أن تسمع صوتاً ما، مثلاً، يكن بديلاً عن وجوده المادي على خشبة المسرح. حينها لم تعد بحاجة حتى إلى الجسد، وتصبح الذات أو الروح هي المركز (focus) الذي يقوم الممثل بتوجيه الفعل نحوه.
بتعبير بسيط، لو اخذنا هذا المركز الذي كان قائماً بين الممثل والإله، وهو أمر ذو شأن كوني، ثم قمنا بتقديم ذلك على طريقة بيكيت، عندئذ سيكون كل شيء موجهّاً إلى داخل الذات. بمعنى آخر، أن المركز سينهار تماماً ويتجه الاهتمام كله هذه المرة نحو الداخل أي إلى (الذات).
تعيش العائلة اليابانية اليوم في غرف اسمنتية صغيرة وهذا أفضى بدوره إلى فقدان الإحساس بحرية الدخول إلى الغرفة أو الإحساس بمركزية (centrality) الغرفة. وفي الأماكن التي كانت تحتلها الـتوكونوما tokonoma في الماضي نجد اليوم أن جهاز التلفزيون قد حلَّ بدلها. أما الموضع المَهيب داخل الغرفة (وهو المكان الذي كانت تحتله الشخصية صاحبة النفوذ في المنزل، أو الرجل الأكبر سناً في العائلة)، فقد أصبح المكان الأفضل لمشاهدة التلفزيون والذي يجلس فيه عادة الشخص الأقل منزلة. وبما أن جهاز
التلفزيون صار الآن يحتل مكان الشخصية الأعلى مرتبة، فقد أصبح الوضع على العكس تماماً. وهذا الأمر من وجهة نظر البعض يمثل نجاح عملية التحول الديموقراطية في اليابان!.


السمة الأخرى التي تُميّز البيت الياباني التقليدي، والتي أقصتها وأزالتها تلك المجمعات السكنية المشتركة العامة، هي الـ roka أو الأروقة. فقد كان طراز البيوت التقليدية يتكون من ممرات أو دهاليز طويلة مكسوة بألواح خشبية عادة، وكانت تلك الممرات تقع ما بين الغرف، وهي شبيهة جداً بالأروقة الغربية اليوم. وكانت هناك أيضاً أنواع خاصة من تلك الممرات تمتد بين الغرف والحديقة، تقع في الطرف الخارجي للبيت، شي ما يشبه الشرفة الغربية أو الفناء، والتي تشكّل حيزاً ما بين الطبيعة والجزء الداخلي من البيت.
ومن شأن هذه الأروقة (roka) أن تفضي عادة، في كلا الحالتين، بعمق إلى الجزء الخلفي من البيت، المكان الذي يرتبط بغرف خاصة (وهي غرف مخصصة للمناسبات الخاصة، غرف لإقامة الضيوف أو الشخصيات الهامة).
إن السير على خشب تلك الأروقة كان يستلزم من الشخص أو من الجسد، التركيز الذي هو على غرار التركيز الذي يحتاجه الممثل عند ممارسته التمرينات في مسرح “نو“، أثناء سيره على هاشيگاكاري hashigakari (****)، أو هاناميتشي hanamichi (*****)، وطراز الرواق هذا يكون مصنوعاً من الخشب وذا ملمس ناعم جداً، لذا فهو يكون زلقاً عادة، لاسيما حين يكون المرء مرتدياً جوارب، فمن السهل جداً أن يتزحلق ويسقط على الأرض، لذا فليس بإمكانه في هذه الحال أن يمشي أو يتنقل بسرعة. أما القواطع  (partitions)  التي تتوسط الصالة والغرف، فهي عادة ما تكون مصنوعة من ورق الجدران أو ورق الأبواب، وتقع في الجانب الآخر حيث يمكن للمرء أن ينام، أو يقوم بتسلية الضيوف أو يجلس للتأمل والتفكير. وبما أن ثمة أناساً آخرين يقيمون معك في المكان (space)  فإن الاحساس الجسدي (physical sensibility) الذي يتولّد عند الشخص الذي يقيم في مكان كهذا هو من يجيز له التنقل على تلك الأروقة بهدوء كامل وبشكل غير مقحم. هنا ينبغي على المرء بوجه خاص أن يُنمّي لديه الإدراك الدقيق لكيفية استخدام القسم السفلي من الجسم الذي يسمح له في السير مع الحفاظ على مركز الثقل من التحرك صعوداً ونزولاً بدرجة ثابتة ومستمرة، والركوع دون أن ترتطم الركبة بالأرض. وهكذا بوسع
المرء أن يحيا ويعمل في بيئة كهذه ويحس بالآخرين الذين معه في المكان وفي ذات الوقت يشعر بإحساسهم نحوه. وبالتالي، فالجميع في الواقع يعيشون في المكان معاً، ووجود الآخرين هو واقع ثابت في نطاق المكان الذي يعيشون فيه. وقد أفضى ذلك إلى الحالة التالية مثلاً: إذا انطفأت الإضاءة فجأة في مسرحية من مسرحيات “نو” فليس بالضرورة أن ينسحب معظم الممثلين من خشبة المسرح. لكن، من جانب آخر، يمكن لأغلب المؤدين (الممثلين) الآخرين أن يوقفوا العرض خشية سقوطهم على الأرض، فيما إذا ما انطفأ الضوء فجأة.

الممثلون في مسرح “نو” يتمتعون بإحساس متطور في علاقتهم بالأرض (floor) وإدراك دقيق بالحيز (space) الذي يكون عادة مُشّفراً في أجسادهم بالضرورة.


إن أساس الأحاسيس الجسدية (physical sensibilities) التي تساعد فنون العرض اليابانية قائم في أسلوب الحياة الناتج عن طراز فن عمارة البيوت. فالناس، تبعاً لـ tokonoma  و roka ، كانوا يتلقون التدريبات الأساسية للممثل منذ لحظات نشأتهم في بيوتهم. وقد اتخذ مسرح “نو” و”كابوكي” تلك القاعدة أساساً ثابتاً له والتي هي بمستطاع المرء الحصول عليها في المنزل وتعميقها من خلال التمرين، فقد اتخذ الناس تلك القاعدة في العلاقة بفضاء (space) المسرح الذي أُنشئ خصيصاً للتمثيل وللمختصين بالتعبير الجسدي.

في قرننا الـحادي والعشرين أصبح من الصعب جداً العيش في البيوت اليابانية التقليدية بسبب ارتفاع أسعارها، لذا فمن النادر أن يجد الممثلون الشباب الفرصة لأن ينمو ويترعرعوا في بيوت كهذه. لذلك، ومن أجل أن تصبح هذه الأحاسيس الجسدية الأساسية ذاتها جزءاً من مبادئ الممثل فقد اضطررنا إلى التوصل إلى قرائن يستطيع فيها الممثلون أن يتدربوا بوعي عبر تلك الأحاسيس.
إن التحدث باللغة اليابانية، لاسيما التحدث بها في محافل عامة، يتطلب تقنية تنفس تسمى (التنفس البطني). وهذه ليست صفة خاصة بالإنسان الياباني، إنما هي ميزة خاصة باللغة، وهي تتطلب التنفس عميقاً من المنطقة البطنية ما تحت الحجاب الحاجز لغرض ادخال الهواء عميقاً إلى البطن من دون تدّخل الكتفين أو الصدر.
لُغوياً، يستلزم بناء الجملة اليابانية أن يكون موقع الكلمات التي تشير إلى القصد في نهاية الجملة تماماً. هذا يعني أن الطريقة التي يتحكم فيها المرء بتنفسه حين يتحدث اليابانية ينبغي أن تكون منظمة بعناية جداً لكي تسمح له أن يتنفس بشكل كاف للتعبير عن قصده بوضوح وقوة في نهاية الجملة الطويلة. ووفقاً لذلك، يصبح تحكّم المرء في طريقة تنفسه حين يتحدث اليابانية، هو أمر مهم جداً. بل أن اللغة والتفكير اليابانيين ذاتهما مليئان بالإشارات إلى (عملية التنفس) بوصفها جزءاً أساسياً من الحياة الروحية والسيكولوجية للإنسان. فحين
نتحدث عن شخص ما قد توفي مثلاً، ينبغي ألا نقول إن قلبه قد توقف، إنما علينا بالأحرى القول إنه لفظ أنفاسه الأخيرة.
إن إيجاد تجاوب أو توافق مع شخص ما، أو إقامة علاقة صداقة أو تزامن معه يُعزى كله إلى أنك وأياه ينبغي أن تكونا في حالة “تطابق في عملية التنفس” أي أنكما “تتنفسان معاً”. وكان يجري تدريس هذه التقنية للإنسان الياباني بشكل غير مقصود عبر سمة معمارية أخرى للبيت الياباني التقليدي وهي دورة المياه اليابانية التقليدية.
لقد عانى ممثلوا مسرح “نو” و”كابوكي” وكذلك المؤدون التقليديون القدامى في مرحلة ما بعد نهاية الحرب أوقاتاً صعبة، فلم ينعموا بدعم كاف وكانت ثمة فرصاً قليلة جداً للتمثيل (الأداء). لكن لحسن الحظ كان هناك مُنتج ـ مخرج اسمه تاكيشي تيتسوجي Takeshi Tetsuji   الذي قام بمساعدة مالية كبيرة لأولئك المؤدين فضلاً عن توفيره فرص عروض رائعة لهم. (******)
قال لي تاكيشي تيتسوجي مرة إن الذي قوَّضَ الثقافة اليابانية التقليدية ليس الاحتلال الأميركي ولا الثقافة الأميركية (لابد من التذكير هنا أن مسرح كابوكي قد تعرَّض للنقد مباشرة بعد الاحتلال على أنه مسرح اقطاعي وكانت العروض قد تمَّ منعها لفترة من الزمن) إنما هو تعميم طراز دورات المياه الغربية التي جلبها الأميركيون معهم!.
نظرية تاكيشي تيتسوجي في الواقع قائمة على حقيقة أن ليس ثمة صلة بين الجسد والبورسلين (مادة الخزف) في طراز دورات المياه اليابانية، لأن ذلك يتطلب من المرء أن يجلس القرفصاء في هكذا نوع من الأحواض. فحين يجلس المرء القرفصاء يخفض وركه، وبهذه الطريقة، تعلّم اليابانيون كيف يضعوا قوة جسدهم في القسم السفلي منه بطريقة محددة ضرورية من أجل الضغط على الأمعاء الغليظة لإخراج الغائط. فإذا جلس المرء في طراز دورات مياه كهذه لفترة طويلة فإن سيقانه ستكون في حالة سبات.
والجلوس لفترة طويلة على نحو خاص ليس مريحاً، لذا على المرء أن يتعلم مراعاة ما يقوم به بسرعة كبيرة. وهذا يتطلب تحكّماً خاصاً بالتنفس وعضلات الجزء السفلي من الجسم التي تقوم بتنظيم عملية التنفس.
إن دورات المياه الغربية هي السائدة اليوم في اليابان، أما القدرة الفيزيائية لتركيز الطاقة في القسم السفلي من الجسم فقد فُقدت تماماً، ويمكن للمرء في وضع كهذا الجلوس هناك لأطول فترة ممكنة.
لقد أصبح من الصعب جداً إيجاد دورات المياه التقليدية، ويمكن للمرء القول إن تحكٌم الياباني بتنفسه قد فُقد هو الآخر كنتيجة لهذا التغيير. وهذه النظرية أو هذا الاعتقاد يستحق التقدير حتى وإن وجُدت فيه بعض الثغرات.
يمكننا رؤية أن زوال الـ tokonoma والـ roka وطراز دورات المياه اليابانية القديمة، كان له أثره التحويلي على الأحاسيس الجسدية (physical sensibilities) الأساسية للأشخاص الذين يدخلون ميدان فنون الأداء اليابانية.

لو نظرنا إلى الممثلين في مسرح “نو” و”كابوكي” وبقية فناني الأداء الياباني التقليدي لرأينا أن ثمة أحاسيس جسدية محددة لها أهمية عظمى بالنسبة لهؤلاء المؤدين. القوة أو الضعف، السطحية أو العمق، وتوقيت التنفس، كلها أمور مهمة وأساسية للغاية. حساسية الأقدام وعلاقتها بالأرض أو حاسة لمس القدمين الأرض، جنباً إلى جنب مع قدرة الثبات في مركز ثقل الجسم، عند الانتقال أو التحرك أفقياً عبر المكان، تعتبر كلها أحاسيس رئيسية بالنسبة للمّؤدي.
إن فقدان السيطرة أو عدم التحكم بالإحساس الجسدي في هذه المناطق ينعكس أيضاً في أجزاء من اللغة ويُعزى عادةً إلى الجوانب النفسية. فإذا كنت على سبيل المثال مُرتبكاً هائجاً أو غاضباً أو فاقداً للتحكّم في نفسك، فإن التعبير معناه هو أنك في حالة غليان وتوتر متصاعد، أو أن صوتك بدأ يرتفع إلى درجة عالية، أو أنك أصبحت غير قادر على ضبط النفس بمعنى من المعاني.
إن هذه القدرات التعبيرية متأصلة في الإحساس الجسدي للتنفـس الصاعد إلى النصف الأعلى من الجسم، سيما حين تكون في وضع نفسي من تلك الأوضاع المذكورة أعلاه وتفقد التحكم في عملية تنفسك.
الأشخاص الذين لم يصلوا درجة النضج بعد والذين لا يمكن الوثوق بهم وغير المرتكزين (They don’t have their feet on the ground) ” أي، الذين لا تَمس أقدامهم الأرض”، (وهذا التعبير يوجد له تعبير مشابه بالإنكليزية)، إلا إن التعبير الياباني يؤكد على لمس القدم للأرض. أما تعبير (your hip is not set) فهو تعبير آخر يعني أن وركك غير مستقر، والمقصود به أن حياتك غير مستتبة بعد.
لذا فإن معيار ثبات واستقرار مركز ثقل الجسم وإحساس الأقدام بالأرض كانت سائدة بوضوح ضمن نطاق الإحساس الجسدي للإنسان الياباني.
هذه التعابير ظهرت في اللغة لأن هناك معايير مشتركة أو قيماً مشتركة بشأن التجارب والخبرات الجسدية. فثمة قوة بدنية قويمة وأخرى غير قويمة للجسد الياباني مصدرها التجارب المشتركة للعيش في البيت الياباني.
إن جزءاً كبيراً من القدرات التعبيرية المشتركة لفنون الأداء التقليدية اليابانية، التي تمت الإشادة بها في جميع أنحاء العالم، متأصل في هذه القيم المشتركة لقواعد القوة البدنية. غير إن هذه الأحاسيس تم تقويضها في ظروف اليابان الحالية وفقدت فنون الأداء تلك الصفات المميزة التي أوصلتها إلى الواجهة. لكن مع ذلك، ثمة فنون إثنية أخرى أنتجت بالفعل أعمالاً أكثر متعة وإثارة للاهتمام. ويجري اليوم تقويض الإحساس التعبيري الجسدي هذا من الثقافة نفسها في اليابان بشكل جذري.
إذا نظرنا اليوم إلى فنون الأداء والعروض التقليدية اليابانية، ولاسيما الممثلين الشباب، نجد أن من النادر جداً رؤية تلك العروض حتى في مسرح كابوكي، هناك حيث كان يتم التحكّم بالتنفس ودرجة الصوت والنبرة ببراعة. فمن النادر اليوم رؤية التحكّم باللغة أو الحركة الأفقية التي كانت تُنجَز في الماضي بنوع من المهارة (من دون ترنّح أو تمايل في الجزء العلوي من الجسد) والتي كانت مسألة مهمة بالطبع.
ما نراه اليوم هو أن ممثلوا مسرح كابوكي أصبحوا ملائمين أكثر للتمثيل في العروض الموسيقية التي تحدث في حالات كثيرة وتكون شيّقة للغاية بالطبع في بعض الحالات.
إن الشباب الذين يرتادون المسرح في اليابان اليوم هم على الأرجح لديهم شعوراً أنهم اصبحوا أكثر دراية بالثقافتين الإنكليزية والأميركية، وسيكون الأمر في الواقع ربما أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لهم لو أتى ممثلون أميركان وعرضوا مسرحيات كابوكي. أما ما يتعلق بالكمبيوتر والـهاتف الخلوي والتقنيات المشابهة الأخرى وتأثيرها على التغييرات التي طرأت على الشعور الياباني بالمكان والإحساس الجسدي، فلديَّ تجربة بهذا الشأن تتلخص بالشكل التالي:
قبل بضعة أعوام ذهبت إلى دورة مياه عمومية في طوكيو وسمعت صوتاً صادراً من أحد المراحيض لشخص غاضب يتكلم بصوت عال جداً من هاتفه الخلوي كما يبدو. لم أستطع رؤية ذلك الشخص، لكن يبدو من حديثه أنه موظف يعمل في شركة أوراق مالية أو في مصرف، وكان يتكلم كما يبدو مع شخص أقل مركزاً منه ملقياً عليه خطبة رنانة بشأن تعامله مع أحد الزبائن.
لقد أثارني ذلك المشهد وضاعف من فضولي ما دفعني إلى البقاء جالساً على مقعدي مصغياً له لبعض الوقت. أخيراً، بدأت اتساءل عما إذا كان هذا الشخص قد جاء إلى هنا لاستعمال المرحاض أم للجلوس فيه لإجراء مكالمة هاتفية؟
لو كان جرس الهاتف قد رنَّ أثناء قيامه بتلبية نداء الطبيعة (!) فهذا يمكن أن يعني أن الشخص كان عارياً من الخصر فما تحت أثناء تلك المحادثة.
لقد كان مستشيطاً ومثاراً قائلاً للشخص الذي يهاتفه بإنه يدير عملاً تجارياً عالمياً، وكان يمكن سماع صوته في كل أرجاء دورة المياه العمومية تلك. لكن يبدو أنه لم يكن منتبهاً أو مبالياً بما يحدث تماماً.
من وجهة نظر الثقافة اليابانية لسنوات قليلة مضت على الأقل، يعتبر سلوك كهذا هو بمثابة جنون مطلق. فهذا الشخص قد تجاهل جميع من معه في المكان فضلاً عن أنه قد أنفق الكثير من الوقت في المرحاض. عند ذاك بدأت أتساءل بشيء من الإثارة الساخرة عما لو تسنى لمثل هذا الشخص أن يكون معه جهاز كمبيوتر مثبَّت في حائط التواليت وإلى جانبه طاولة تحوي عُلب كوكاكولا ورقائق بطاطس مقلية، فمؤكد أن بوسعه الجلوس في التواليت والاتصال بكل أنحاء العالم عبر شبكة الإنترنيت وبنطاله منزوع حتى كاحليه.
أتذكَّر عندما كنت شاباً كنت أشعر بحرج شديد في التحدث مع الناس عبر الهاتف. لم يكن باستطاعتي الحكم على نوعية استجابتهم إزاء ما أقول عبر أصواتهم، ولم أكن أريد أن أسيء فهم ردود أفعالهم من خلال أصواتهم وطريقة لفظهم الكلمات فقط.
لقد أردت رؤية وجوههم والتحدث إليهم مباشرة وجهاً لوجه. لذلك، فحين يكون لديَّ أمر هام للحديث عنه مع شخص ما، كان ينبغي عليَّ دائماً التأكد من أنَّ المناقشة تجري مع وجود مادي للشخص الذي أتحدَّث معه لكي أستطيع رؤية وجهه.
سمعت مؤخراً شاباً يصّرح قائلاً: “لم نتمكن من حل المشكلة عن طريق البريد الإلكتروني لذا اضطررت إلى مواجهتهم من خلال الهاتف الخلوي”.
الآن، حتى التعبير الإنكليزي “To face them” أي، لمواجهتهم، هو تعبير يتضمن وجود جسدٍ، بل يفترض وجوداً مادياً لذلك الجسد. أما ما أراد هذا الشخص القيام به فهو ليس مواجهة الشخص الآخر وجهاً لوجه، إنما هو في الواقع مواجهة الهاتف الخلوي لا غير!
تقنياً، التحدث مع شخص ما بشكل مباشر يتطلّب وجوداً مادياً لجسد الآخر، لذا، ووفقاً لتصريح هذا الشخص، بإمكاننا رؤية مدى قدرة التقنيات الحديثة واستخدام الطاقة غير الحيوانية كوسيلة للاتصال على تغيير حتى اللغة اليابانية نفسها فيما يتعلق بالكيفية التي يتم فيها حدوث ذلك الاتصال.
لقد قمت بتدريس منهجي في تدريب الممثل خارج محيط الثقافة اليابانية وأخرجت القليل من الأعمال مستخدماً ممثلين أجانب.
الشيء الأكثر إثارة وتحفيزاً لي في تلك التجربة الخاصة هو العمل مع ممثلين يُتقنون تقاليدهم الخاصة بهم، ويتمتعون بإحساس في التحكم بتقاليد محددة أخرى غير التقاليد اليابانية.
ما يحدث في تلك العملية أنه حين يَحترم البعض اختلافات الآخر، أثناء عمل مشترك كهذا، يظهر في كثير من الأحيان عنصراً جديداً تماماً في العمل ليس له صلة بالتقاليد.
التقاليد هي بمثابة شيء يمدّكَ بخطوة نحو ابتكار شيء ما جديد، والتقاليد ليست بالشيء الذي يستلزم منا صيانته وحفظه، إنما هي الشيء الذي يزوّدنا بنقطة انطلاق لنتأهب نحو عملية الخلق والابتكار. والتقاليد تتغير بالطبع ويعاد خلقها ثانية من خلال الصراع والمجابهة المتواصلين مع الأنواع الأخرى من تلك التقاليد.
وحتى فيما يتعلق باليابان فمن السهل أن نفكّر مثلاً في أن التقاليد اليابانية والثقافة اليابانية قد تطورتا في إطار مجموعة إثنية متجانسة تعيش في اليابان. لكن ذلك ليس صحيحاً. فالتقاليد اليابانية والثقافة اليابانية في الواقع تطورتا فقط من خلال الاحتكاك بمخيلة الثقافات الأخرى.
وبما أن تقدم العولمة والاقتصاد ومنظومة الاتصالات كلها تلعب دوراً في خلق معيار موحّد لجميع أرجاء العالم، فإن الناس بدورهم سيواصلون حتماً دعم وتعزيز تلك التماهيات التي نشترك فيها نحن جميعاً كبشر. ليس هذا فحسب، إنما سيكون هناك في ذات الوقت وبشكل متواصل إعادة نظر في الفوارق الثقافية كالاختلافات في الدين، اللغة، القيم، وأنظمة الإدارة الحكومية.
سيسأل الناس بعضهم البعض عن هوية البلدان التي ينتمون إليها، وأيضاً عن هُويَّتهم كأشخاص. وهذا الأمر سيفضي بدون شك إلى معرفة وإدراك أهمية الثقافة والتقاليد.


الاتجاه الراهن في حالة مثل اليابان اليوم هو التخلي عن التفكير في هذا النوع من الهوية الوطنية فيما يتعلق بالتقاليد الثقافية. لقد أصبحت اليابان قوة عالمية بسبب الازدهار الاقتصادي، إلا أنها خسرت الموقف الروحي، للأسف الشديد، وعليها أن تواجه هذا النوع من الأسئلة بشكل جاد.
وكمحصّلة، عند تحديد تفرّد الثقافة الوطنية الخاصة بالمرء، يتذكر الناس دون تردد مظاهر الثقافة التي كانت قائمة قبل الحرب العالمية الثانية. فهم ليس بمقدورهم رؤية أو إدراك أن هذه الماهية آخذة في التغيير، كما بحثناه تواً، وأن العديد من الأشياء التي لا تزال مرئية وملموسة، هي مجرد إطار أو هيكل، الغرض منه إعادة خلق تلك الأشياء أو تشكيلها.


إن الثقافة اليابانية المعاصرة تميل نحو الرغبة في حاجتها إلى صيانة أو حفظ هذه الأشياء، في وقت هي بحاجة ضرورية لإعادة خلق تلك الأشياء. أظن أنه لا يزال ثمة كمية غنية من المواد يمكن من خلالها القيام بإعادة الخلق تلك، ولم يفت الوقت حقاً للبدء بذلك.


إن منهجي في تدريب الممثل المسمى بمنهج سوزوكي قد استُحدث كمحاولة للعثور على طرق لتلك المظاهر التقليدية اليابانية المتعلقة بفن العرض، لغرض أن تُستخدم بدلالة أكثر شمولية في المسرح المعاصر. إنها مجرد محاولة لتغيير ومواصلة التقاليد.
وأود أن أضيف في النهاية أن ثمة العديد من الأنشطة المسلّم والمعترف بها داخل وخارج اليابان، بوصفها تقاليد ثقافية يابانية سواء في الدين أو فنون العرض، قد تمت محاربتها والتضييق عليها من قبل السلطات السياسية، وفي بدء ظهورها كانت موضع ازدراء من قبل العامة. لقد رحل المؤسسون الأوائل لأشكال العرض العظيمة تلك وهم فقراء معدمون أو أُجبروا على التخلّي عن مساعيهم بالضد من رغباتهم. غير إن تلك الهزائم التي قاساها أولئك المؤسسين الأوائل العظام في حياتهم الدنيوية لم تكن سوى تجليات للصراع الروحي المتواصل من أجل تحقيق حرية الإنسان.
موضوعياً، لم تكن تلك المعركة مجرد صراع ضد السلطات أو جماهير ذلك الزمن، بقدر ما كانت معركة ضد أبدية الزمن. إن ما كان يسعى اليه اولئك الناس هو تأسيس أشكال أو أفكار من الحركة والنشاط في صلتها بالمكان (space) يمكن أن تتخطى الزمان ومواصلة الوجود حتى بعد موتهم.
إن الكثير مما يطلق عليه التقاليد اليابانية، بغض النظر عن الزمن أو البيئة التي ظهرت فيها، قد بقيت دون تغيير في الشكل من ناحية صلتها بالمكان (space) وذلك بسبب القيمة والأهمية الدائمة لتلك الأعمال المبكّرة في تحديد هذه الأمور الراسخة جداً في المكان. لذا، فحين ننظر إلى التقاليد، ينبغي علينا أن نكون حذرين للغاية فيما يتعلق برؤية المظاهر المرئية والملموسة للتقاليد المدعومة بالأعراف الروحية غير المرئية.
إن النظر إلى الأشكال الخارجية للتقاليد فقط بوصفها أشياءً نفيسة، هو أمر مُخالف للتقاليد الروحية اليابانية التي كانت في الحقيقة عبارة عن سلسلة من الصراعات طوال الزمن.
وهكذا يسعى العديد من الفنانين المسرحيين في جميع أنحاء العالم اليوم جاهدين إلى خلق سياقات يمكن فيها للتقاليد المتباينة والقيم وكذلك الناس من إقامة الصلات والتعايش في بيئة مؤاتية. وهذا هو تسويغ منطقي لوجود المسرح من الناحيتين الاجتماعية والثقافية، وهو أمر هام جداً ويستحق الحفاظ عليه. إلى هذا الحد أودُّ أن أطلب منكم أن تستأنفوا دعمكم للمسرح وفنون العرض، مادياً وروحياً على حد سواء.


هوامش بقلم المترجم

(*)

الترجمة الكاملة لنص محاضرته التي القاها في مركز دونالد كين للثقافة اليابانية. ومركز دونالد كين للثقافة اليابانية هو مؤسسة ثقافية تقع في اليابان وتهدف إلى تعزيز الفهم والتبادل الثقافي بين اليابان والعالم. وقد سمي المركز على اسم دونالد كين، وهو باحث ومترجم أمريكي مشهور بالترجمة والدراسات اليابانية. يهدف هذا المركز إلى تعزيز الدراسات والبحوث حول الثقافة اليابانية، ودعم الترجمة والنشر لأعمال الأدبية والثقافية اليابانية، وكذلك تنظيم الفعاليات الثقافية والمعارض والندوات، وتوفير الموارد والمعلومات حول الثقافة اليابانية للباحثين والطلاب والمهتمين، ويعتبر مصدراً هاماً للباحثين والمهتمين بالثقافة اليابانية، ويساهم في تعزيز التفاهم والتبادل الثقافي بين اليابان والعالم.

(**)

Tokonoma


توكونوما، هي أشبه بكوّة في جدار الغرفة اليابانية التقليدية وهي بحجم حصيرة (tatami) أو نصف حصيرة، وأعلى بخطوة من بقية أجزاء الغرفة وهو المكان المناسب لعرض اللفائف المعلقة (kakejiku) والزهور والأعمال الفنية الأخرى. لقد بدأت فكرة اعتبار التوكونوما مكاناً مقدساً من قبل الكهنة البوذيين، ويمنع المشي والجلوس فيها منعاً باتاً إلى يومنا هذا، وعادة ما يُعطى المقعد الأقرب منها للضيف الأكثر أهمية. والتوكونوما هي
واحدة من محاسن العمارة اليابانية والتي تُظهر الذائقة الرقيقة وبساطة الأناقة. وللأسف ليس الكثير من البيوت الحديثة تحتوي على التوكونوما اليوم.

(***)


daimyo


دايميو، المقطع الأول (داي) يعني كبير أو واسع و (ميو) تعني الأراضي الخاصة. وكلمة daimyo  هو اسم يطلق على الحكّام الإقطاعيون الذين حكموا اليابان من القرن العاشر وحتى أواسط القرن التاسع عشر. ويطلق لقب داي ميو أحياناً للإشارة إلى الشخصيات البارزة في القبيلة ويسمى داي ميو أحياناً (الرب).

shōgun


شوگون، منصب وراثي لقائد عسكري ياباني مارس حكماً مطلقاً حتى عام ١٨٦٧ تحت القيادة الأسمية للإمبراطور.
كلمة شوكَون حرفياً تعني (القائد العسكري) وهو في كثير من الأحيان أحد الحكام العسكريين الوراثيين اليابان من الفترة (١١٩٢ ـ ١٨٦٧). 
الشوكَون في هذه الفترة أو أوصياؤهم على العرش (١٢٠٣ ـ ١٣٣٣) كانوا بحكم الأمر الواقع حكام اليابان على الرغم من أن تعيينهم يتم شكلياً من قبل الإمبراطور.

(****)

hashigakari

هاشيگاكاري هو طريق مجسّر يمتد من خشبة المسرح إلى غرفة المرآة، تحيطه أشجار الصنوبر من أحد جوانبه أو من كلا الجانبين. أو هو ممر يمتد من الجزء الخلفي من المسرح ويفضي إلى الجزء الأيمن خارج المسرح.

(*****)
hanamichi

هاناميتشي هو قسم إضافي من المسرح عبارة عن ممر أو منصة مرتفعة طويلة تمتد من

المركز من الجزء الخلفي للمسرح من خلال الجمهور يستخدم عادة لدخول وخروج الممثلين

في مسرح “كابوكي”.

(******)

Takeshi Tetsuji  

١٩١٢ ـ ١٩٨٨

كاتب، منظّر، ناقد، ممثل، مخرج مسرحي في مسرح كابوكي، ومخرج سينمائي. بدأ نشاطه ما بين ١٩٤٥ ـ ١٩٨٧.

Related posts

مسرح ما بعد الدراما والجمهور العام: نحو توسيع آفاق التلقي

        الخطاب التداولي في المسرح

إشكالية التداول في أداء الممثل المسرحي