(قبو يكاد يكون معتماً وبارداً في نهايته سلم يقود الى باب يفضي الى الخارج مع نافذة صغيرة على الجدار الى جوار الباب بعض الطعام والشراب وضع على السلم. الملك رجل في الخمسين من عمره ملقى على السلم في حالة غيبوبة، الى جواره جلست مارة: وهي فتاة في الثلاثين من العمر، بعد مرور وقت، يستفيق الملك على إثر نوبة سعال المت به.)
الملك: (دون ان يلاحظ المكان) اشعرُ بالبرد.
(تنهض مارة وتلقي عليه ايزاراً من الصوف كانت تضعه عليها)
الملك: ما هذا المكانً الموحشُ؟ أين أنا ؟ لماذا انا ملقى على السلم بهذه الطريقةِ؟ أين الاخرون؟
مارة: لا أحدَ سِوايَ هنا يا مولاي، والجميع قد غادرك.
الملك: لمْ أفهم !
مارة: لا تَتَعجلْ، أمامَك مُتَسع من الوقتِ لتَفهمَ كلَ شيءٍ فقدْ يَطولُ مكوثُنا هنا.
الملك: ماذا تًقْصدين؟
مارة: لا تُرهِقْ نفسَك بالأَسئلةِ الاٌن، أمامُنا مُتَسعٌ من الوقتِ للإجابةِ عليها، خُذْ قِسطاً من الراحةِ فأنت بحاجةٍ اليها.
الملك: هنا في هذا المكان، (ينظر الى السلم) على هذا السلم القذر، ماذا حَلَ بفراشي وغرفةِ نَومي وأين خدمي وحاشيتي؟
مارة: نعم هنا، دونَ فراشكَ الوثير، وانا كلُ حاشيتِك منذ الان.
الملك: لم تكوني ابداً من حاشيتي بل أنتِ ……،
مارة: (تكمل جملته) راقصتُكَ، أعرفُ ذلك واعرفُ حدودي ايضا، كان ذلك قبل يومين.. ومن الان فصاعداً انا كل ما تملك.. بل ونحن شركاء.
الملك: لم افهم، أعيدي صياغةَ ما تقولين؟ كيفَ يكون ُذلك قبل يومين، وبماذا نحن شركاء ..؟
مارة: (بسخرية ، تنهض من مكانها وتدور في المكان) بحياتنا الجديدة.الا تُعجبك؟ أم أنك اعتدت على حياة منعمة تتبعُك فيها حاشيةً وفيالقَ من الجنود..؟
الملك: (بعصبية) كيف تتحدثين معي بهذه الطريقةِ (ينهض )، بل وتسخرينَ مني؟ هل نسيتِ من انت.؟؟
مارة: لم أنسَ ذلك، لكنها حياتُك الجديدةْ التي ستعتادُ عليها؟
الملك: (بعصبية) ايُ حياةٍ جديدةٍ التي سأعتادُ عليها؟ وما هذا المكان ُالموحشُ،، لماذا هو معتمٌ وباردٌ هكذا؟
مارة: انه بلاطُكَ الجديد عالمك الجديد بل قل لعله غاية ما يرجوه المرء عندما يتخلى عنه الجميع.
الملك: ويحك اتسخرين مني.؟؟
مارة: لا لم اسخر،، فقط اجَبتُكَ على سؤالكَ ليس إلا.
الملك: وهل ماتقوليه هو الجواب ؟
مارة: نعم يا هو الجوابُ بعَينهِ، وسأقولها لك للمرة الأخيرة وعليك أن تَفهمَ من الانَ فصاعداً ،،اَن هذا المكانَ الموحشِ والمعتمِ هو بلاطُك الجديد, وانا كلُ رعيتك او شريكتُكَ لك ان تختار بين ان اكون رعيتك او شريكتك ، او دعني أقول لك ، انا كلاهما، فالأمرُ لم يعُدْ مهماً.
الملك: وكيف يكون هذا؟ (ضاحكا) انتٍ كلَ رعيتي او شريكتي ،، وهذا بلاطي ، تكلمي، مَن الذي جاءَ بي الى هنا؟ وما هذهِ الملابسُ التي اَرتديها ، أينَ عرشي ؟
مارة: هو ذا عرشك يا مولاي (تشير الى السلم) إعتلِهْ ومرني بما تشاء.
الملك: سلم ٌقذرٌ وفي مكانٍ نتنٍ تدًعينَ إنهُ عَرشي، هل تهزئينَ بي أيتُها الحُثالة ؟
مارة: لا مفرْ، هي الحقيقيةُ يا مولاي.
الملك: الحقيقيةُ هي أن اكونَ على عرشي وفي بلاطي .
مارة: ليس كلَ الحقائقِ خالدةٌ، عليك ان تَتقبلَ ما يتغيرُ منها.
الملك: نعم ،عندما يكون هناك مبررٌ منطقيٌ لتغيرها، حينئذٍ سأتقبلُها صاغراً مطيعاً، أما والحالةُ هذه فلا يُمكِنُني تقبلُها لغيابِ المنطقِ فيها.
مارة: الكثير من الحقائقِ المتغيرةِ تكونُ مفروضةً علينا فلا حكمَ لنا بها، وما انتَ فيهِ هو مفروضٌ عليكَ وستقبلَهُ بإرادتكَ أو ،، مكرهاً.
الملك: (بعد فترة صمت) من الذي تجرأ ان يفرض ارادتَه على ارادتي.
مارة: لابد ان هناك من هو أقوى مِنك وقد …
الملك: (مقاطعا) اصمتي، كيفَ لكِ أن تتفوهي بمثلِ هذه التفاهات، هل خانكِ عقلُك، أم لوثةٌ من الجنونِ قد اصابتكِ ؟ هل نسيتِ ان ارادتي هي الاولى وانا الاقوى، وان كل ما دوني رعاع يرتعدون خوفا ولا يجرأون ان يتفوهوا بكلمةٍ اَمامي ، او يرفعون رؤوسهم وينظرون الى عيني.
مارة: كلامٌ سليم ، غَيرَ أنك لا تفرقَ بين اللحظة وما كان، وبين الان وما قبل، ثم انني لا احتاجُ الى لوثةٍ من الجنونِ لأُطلِعُك على ما يحدث، كلُ ما في الامرِ أنكَ لا تريدُ ان تصدقَ ما انتَ فيهٍ الان انظرْ حولَكَ وستعرفُ قيمةَ نفسِك.
الملك: ثمةَ شيءٌ لا اَفهمَهُ، حلقةً مفقودةً تُعيدُ الامورَ الى نِصابِها، (الملك ساهما يفكر في شيء ما. بعد قليل ) وجدتُها ، (ضاحكا):- ايتُها اللعينةُ الخبيثةُ تلكَ واحدةٌ من اللاعيبك ومزاحك، هي طريقتك التي اعتدتِ عليها في الاستحواذ عَليّ واستدراجي الى أحضانك ، أيُ غبيٍ انا، لِمَ لم افهم ذلكَ مُنذ الوهلةِ الاولى. هيا اذن ، إفعلي ما يحلو لك ودعينا ننتهي من هذا الامر, لاعود الى بلاطي ، لم لا ترقصين لعلي انسى وحشةَ هذا المكان ورائحتَه النتنة. (تتعالى الموسيقى تدريجيا ، تبداء مارة بالرقص مارة )
الملك : (يجلس على السلم يراقب مارة وهي ترقص ) ارقصي يا مارة ، ارقصي واجعلي يومي بهيجاً ، لقد سئمتُ رائحةَ هذا المكان ، هيا ارقصي.
(ترقص مارة بكثير من الحزن والحرقة بحركات تشبه الطقوس الافريقية بعد حين تنتهي مارة من رقصها )
الملك : اين شرابي ، لماذا لم تجلبي مَعكِ بعضَ الطعامِ وبعض َالخمرِ لانتشي به.
مارة : لستَ بحاجةٍ الى الخمر ، فاننا في سكرةٍ لن نستفيقَ منها ابداً .
الملك : نعم ربما ما تناولناهُ من الخمرِ قبل مجيئِنا الى هنا يكفي لنشوتنِا طوالَ اليوم ، اخبريني كيف جاءتكِ فكرةُ هذا المكان ؟ انا نفسي لا اعرفُ أن في المملكةِ مكاناً كهذا.
مارة : وهلْ انتَ متاكدٌ من انكَ تعرفُ مملكتَك جيداً؟
الملك : اجلْ ، اعرف كلً شيءٍ ، فانا اتابعُ واسمعُ وأرى و..
مارة : (مقاطعة) ولديكَ عيونٌ وآذانٌ في كلِ مكانِ تَتجسسُ لك خوفاً من المؤامرات،، ما تعرفهُ يا سيدي هو كيفَ تحافظَ على عرشِكَ فقط.
الملك :وماذا تريدينَ مني اكثرَ من ذلك ، ثم انا واحد يا مارة ، شخص واحد فقط.. لا استطيع ان أشطرَ نفسي الى المئاتِ مني ، بالتأكيد سألجأ الى من يُعيننَي على حُكمِ المملكة لأَطًلِعَ على احوالِ رَعيتي ولأَهتم بشئونِهم.
مارة : (ضاحكةً) شؤُون رعيتِك، يا لها من سخريةٍ ،انتَ لم ترَهم يوما لتتفقدَهم او تكونَ قريباً منهم.
الملك : اجلْ، كنتُ اراهم كلما خرجتُ الى الصيدِ اوالى الحرب.
مارة : وماذا كنتَ ترى؟
الملك : أُناساً يقفون على جانبي الطريق يهتفونَ بحياتي
مارة : وصدقًتَهم ؟
الملك : ولم لا أُصدقُهم ،أُناسٌ يحبونني ويهتفون بحياتي كيف لا أُصدقَهم .
مارة : وهل كنتَ ترى من كان يقفُ خلفَهم ؟
الملك : الحرس ، جاءوا لحمايتهم .
مارة : مِمَن؟ وهل كانَ عدوك يقفُ على مشارفِ قصرِك،؟؟؟… بل كانوا يُرغمونَ الناسَ على الهتافِ بحياتك.
الملك : وكيف عرفتي ذلك ؟
مارة : لم اكنْ احتاجُ الى جهدٍ كبير لأعرفَ اسرارَ بلاطُك .
الملك : ماذا تقصدين ؟
مارة : لقد كان يرتاد غرفتي الكثيرُ مِنَ الامراءِ والقادةِ والجنودِ وحتى الطباخين وبمجرد ان يشاهدوا جسدي تسيلُ منهم الاسرارُ مثلما يسيلُ لعابُهم.
الملك : (بعصبية) ماذا تقولين؟ كيف يكون ذلك ..وقد كنتِ لي وحدي بَل وما زلتِ.هل كنت تَخونيني يا مارة ؟.
مارة : (باستهزاء) ومالكَ قد انصعقتَ من هَولِ المفاجأةِ ،وكانني الوحيدةُ التي تخونكَ في البلاط، لو كنتَ تنظرُ بعينٍ واضحةٍ لمن حولَكَ لَعرفتَ خيانةَ من هم اقربَ مني اليك.
الملك : تتحدثين بجُرأةٍ لم أعهدها منك سابقا ، بل وتشيرينَ بأصبعِ الاتهامِ الى منهم اقربَ منكِ إلي ، ويحكِ ،، إنك تَقصدينَ مولاتَكِ الملكة .
مارة : انا لم أقُل ذلك ، وبالمناسبةِ هي لم تَعُد مولاتي بَعدَ الان .
الملك : ألغازٌ متعددةٌ تَرمينَ بها عليً ، اختصرِ الطريقَ لما تُريدينَ معرفتَه .
مارة : بل انتَ من يُريدُ ان يعرفَ كلَ شيء ، أما انا فاعرفُ ما ستؤولُ اليه الامور .
الملك : (بهدوء) حسنا الى متى سيطولُ بقاءَنا هنا ؟
مارة : حتى النهاية .
الملك : ومتى ستَحِلُ النهاية ؟
مارة : لا تَتَعجلْ ذلك سيحينُ موعدُها ، وعند ذاك لا مفرَ من مواجهتِها .
الملك : وهل سنخرُجُ بعدَ ذلِك ؟
مارة : سنخرجُ ولا نعودُ أبداً مرةً أُخرى .
الملك : (مسرورا ) حسناً ، حسناً ، أخيرا ها انتِ تقولين كلاما معقولاً ،، اذاً دَعينا نَلهو قليلاً الى أَن يحينَ موعدُ النهاية .
مارة : لكَ ما تَشاء.
الملك : لنفكرَ بلعبةٍ نَلهو بها حتى يمضي الوقتُ سريعاً
مارة : لك الامرُ يا مولاي
الملك : ما قولك لو نلعب لعبةَ الملكِ الجبار ورعيتِه .
مارة : مولاي ..لا حاجةَ بكَ أَن تَلعَبَ دورَ الملكِ الجبار فقبل يومين كنتَ كذلك فعلاً .
الملك : لا ، لا ، لم تفهمي ما أقصد ، ساجعلُ منكِ ملكةً حتى نهايةِ اللعبة ، وسامنحُك حقَ إصدارِ الأوامر.. وبدوري سأُنَفذُ ما تَطلبينَ مني (يقودها الى السلم ) تفضلي الى عرشِك ، انا بانتظار اوامرِك أَيتُها الملكة.
مارة (تجلس على السلم ، تتامل عرشها المفترض وتتخذ في جلستها وضعية ملكة ، تنظرُ الى وجهِ الملك للحظات ) .
الملك : بماذا تأمرُني مولاتي ؟
مارة : أُرقُصْ .
(الملك مازال واقفا في مكانه )
مارة : الم تَقُلْ انني الملكة وانكَ ملزمٌ بتنفيذِ اوامري ؟
الملك : اجل لقد قلتُ ذلك.
مارة : اذاً نفذ ما تأمرُ بهِ الملكة
الملك : ( يبداء في الرقص يدور حول نفسه وفي المكان مع موسيقى في خلفية المشهد)
الملك : ما اجملَ ذلك ، كأنًني أُحلقُ في الفضاء. يالها من سعادةٍ غامرة ، أشعرُ اني اطير (ينتهي الملك من الرقص ثم يقف امام مارة)
مارة : أَحسَنتْ، لقد اجدتَ دورَك، والأن ، كُنْ احدَ الرعية.
الملك : وكيفَ ذلك ؟ (بعد لحظات) حسناً ، (يهتف) عاشَ المَلك ، عاش الملك ، عاشَ الملك.
مارة : لقد فَشِلت.وهل الرعيةُ لا تعرفَ سوى الهتاف.
الملك : هذا ما أَعرفهُ عنهم.
مارة : حسناً.. اليك الامر الاخير. كُنْ نفسَك أنت .
الملك : (يصعد السلم وكأنه يقود معركة في ساحة حرب) إذهبوا الى المَيمَنة ، تقدموا الى عمقِ عدوِكُم ، إنَّهم يتراجعون طاردوهم ، لا تُبقوا على أَحدٍ مِنهم ، أُقتلوهم جَميعاً.
مارة : تَوقَّفْ ، لَمْ أقُلْ لَكَ كُنْ ملكاً،لقد قلت لك كُنْ نفسَك أنت.
الملك : (ينزل من السلم يدور في مكانه ،وكانه لا يعرف ماذا يفعل) كفى، لقد إنتهتْ اللعبةُ ،هيا دَعينا نخرجُ من هنا لقد سئمتُ هذا المكان (يمسك الملك بذراع مارة ويتجه نحو الباب) علينا ان نخرج الان (يحاول الملك فتح الباب يضرب عليه بشدة ويصيح بصوت عال) إفتحوا الباب ،، أنا الملك ،،افتحوا الباب (يعاود الملك الضرب على الباب ، يصرخ ثانية حتى ينهار،صمت، ينظر الملك بعينين متوسلة الى مارة)
مارة : لم تنتهِ اللعبةُ بَعد.
الملك : (بعصبية) كفى ، قلت كفى، اذهبي وافتحي الباب.
مارة : ليتني استطيع.
الملك : (يسحب مارة من ذراعها) ستفتحين البابَ رغماً عنك، هيا افتحي الباب.
مارة : (تحاول فتح الباب) لا أستطيع.
الملك : بل تستطيعين ، إفتحيه والا قَتلتُك.
مارة : (بشيء من العصبية) لا استطيع، اقتلني إنْ كُنتَ قادراً على ذلك، هيا افعلْها وخلّصني مما أنا فيه.
(صمت)
الملك : (يتسائل بهدوء) هل أَنا أَسيرُ حَرب؟ (بعد برهة) كلا ، كلا أيُ تساؤلٍ غبيٍ هذا الذي اطرحهُ، من يَجروء على غزوِ مملكتي، أَنا أحلُمُ أليسَ كذلك، قولي لي إنكَ تَحلُمْ وبأَنّنَي سأَستَفيقُ منَ الحُلم لأجِد نفسيَّ في سريري ثانيةً .
مارة : الملوكُ والسلاطينُ لا يحلمونَ ولا تُراودُهُم الكوابيسُ، بَلّ أَنت أَسيرُ حربٍ ، وستكون انت الخاسرَ الاكبرَ فيها، لأَنك ستواجِهَ ملكاً لا يُهزَم.
الملك : (منتفضا) مؤامرة ،هناك مؤامرةٌ تُحاك ضدّي وأَنتِ شريكةٌ فيها ،
مارة : بل انا معك ، اقفُ الى جانبك في حربِكَ الخاسرة، كلانا سيواجه ملكاً لا يُهزَم.
الملك : أيُّ ملكٍ هذا الذي لا يُهزم؟ (بفخر) لقد قهرتُ كلَ ملوكِ الارضِ ومَرَّغتُ أُنوفَهُم في التراب.
مارة : أعرفُ ذلك، لقد رقصتُ لكل إنتصاراتِك التي كُنتَ مزهواً بها.
الملك :(بفخر) أجَلْ، لم أتركَ ارضاً الّا ودكَّتها سنابكُ خيلي، كنتُ أقودُ الجيوشَ ، واحاربُ، وانتصرُ، كنتُ مزهواً بفتوحاتي وانتصاراتي.
مارة : وكيفَ لي أن لا أتذكرَ ذلك وقد جعلتَ من جسدي مَرتعاً لحوافرِ نَزَواتِكَ ، سطَّرتَ كلَّ انتصاراتِك وغزواتِك عليه حتى صرتُ لكَ ساحةَ حربٍ تنَّقَضُ عليها متى ما شِئت.
الملك : وماذا كان عليَّ ان أفعل؟
مارة : (غير مبالية بما قاله الملك) عشرون عاما وانا أرقصُ، وارقصُ،وارقص،ما كنتُ أعرفُ شيئاً سوى بلاطِك الملكي وغرفةَ نومِك، أنت الرجل الوحيد الذي عَلُقتْ عيناي بوجههِ، حتى بتُّ لا أعرفٌ ما اذا كُنتَ حبيباً او زوجاً او حتى اباً.
الملك : كنتُ أُحبُك.
مارة : (بشي من السخرية) أَيُ حبٍ هذا ايها الملكُ المبجل، ما انا إلاّ واحدةً من بين مئاتِ النساء اللائي لا تتذكرَ حتى أسماءَهُنَّ.(صمت) اتذكرُ جيداً اللحظةَ التي قادوني بها اليك كسبيَّةٍ او غنيمةٍ فُزتَ بها في إحدى حُروبِك ، كنتُ صغيرةً ونحيفة ، لم تنظرَ الى وجهيَ حينها ، بل كنتَ تنظرُ الى قدمي، وامرتَهم بأن ياخذوني لأتَعلم الرقص، الشي الوحيد الذي أَحببتَهُ هما قدميَّ،لانهما يُثيرانِ فيك البهجةَ والسرور.
الملك : كنتُ اريد ان احتفلَ بأنتصاراتي بالطريقة التي تُثيرُ في نفسيَ السرور.
مارة : كان ذلك كلُّ همِّك ، ملكاً مخمورا يطرقُ بابَ الغانيات في بلاطه كلَّ ليلة ليبحث عن مرتعٍ لشهواته .
الملك : ويّحَك ، كيفَ تَجرؤين على قَولِ ذلك ، انا الملك .
مارة : بلا تاجٍ ولا صولجانَ وبملابسٍ رثّةٍ ، ماذا تستطيع ان تفعل؟
الملك : (بصوت عالي) إخرسي. (يتوجه الملك الى مارة يحاول ضربها فتنتابه نوبة من السعال يسقط على اثرها على الارض، تتجه مارة اليه وتضع راسه في حجرها، بعد مرور فترة قصيرة من الزمن ينهض الملك.) إبتعدي عني.
مارة : اهدأ يا مولاي ، حاول ان تتنفسَ بعمق.
الملك : (يدفع مارة) قلت لك ابتعدي عني، تريدين قتلي.
مارة : لو كنتُ أُريد قتلَكَ لفعلتُها منذُ زمنٍ بعيد.
الملك : إذاً ماذا تُريدين؟ (صمت) لماذا نحن وحيدان في هذا المكان؟
مارة : خلوةٌ جديدة ، لكنها ليست كسابقِ خلوّاتِكَ ..اذ لا خمرَ ولا قرعَ طبولٍ، ستكون خلوةً ابدية.
الملك : (وكأنه يشم راحة ما) أشُمُّ رائحةً غريبة.
مارة : ستعتادَ عليها.
(موسيقى جنائزية، ترقص مارة، الملك يدور بقلق في القبو،يصعد السلم، ينظر من النافذة،بينما مارة مستمرة في رقصها حتى تسقط على الارض وتبقى مستلقيه عليها.)
الملك : (باندهاش) لماذا يُعلنون الحدادَ ويرفعونَ الرايات السود؟، هل ماتَ احدٌ من افرادِ عائلتي؟ لماذا لا اكونُ في بلاطي لأعرِفَ ماذا يحدُث؟ تكلمي قولي شيئاً، مَنْ الذي جاءَ بي الى هنا،تكلّمي ، قولي ما الذي يحدث، انت تعرفين كلَّ شيء (صمت) سأصابُ بالجنون، بل انا مجنونٌ، وهل يٌعقلُ ان انامَ ليلتيَّ واستفيقُ لاجدَ نفسيَّ في مكان نتنٍ موحشٍ كهذا، كلاّ ، كلاّ ، لا اُصدق ذلك، لم افقدْ عقليَّ بعد، ما زلتُ اتذكرُ كلَّ شيء، اتذكر تلكَ الليلةَ التي كنتُ جالساً فيها على العرش والتاجَ على رأسي وصولجانيَّ بيدي والملكةَ تجلسُ الى جواري ، اتذكرُ جيداً حينما هَمَمْتُ بالمغادرةِ تعثَّرتُ قليلاً وانا انزلُ من العرش لأُوَدِعَ الضيوف ، لكنَّ هذا لا يعني عندما أستفيق اجدُني هنا بين أربعةِ جُدران وبابٍ موصدةٍ لمجرَّد انَّني تَعثّرت.
مارة : (بهدوء) انتَ ميتٌ يا مولاي.
الملك : (مندهشا) ماذا؟
مارة : لقد مُتَّ يا مولاي وهم يٌقِيمونَ الحِدادَ الان للإعلان عن موتِك ويرفعونَ الراياتِ السود حُزناً على فراقِك.
الملك : (مبتسما) ايُ كلامٍ هذا الذي أسمعه ؟
مارة : إنّها الحقيقةُ يا مولاي.
الملك : كيفَ اكونُ ميّتَا وانا أقِفُ أمامَكِ ، بل أتَحسسُ كلَّ شي (يدور في المكان) كلُّ شيءٍ أراهُ واتحسسهُ كيفَ اموتُ اذاً، انت تمزحين أَليسَ كذلك، (بتوسل) اتوسلُ اليكِ أن تقولي الحقيقةَ ، قولي إنَّكِ تمزحين.
مارة : لقد مُتَّ يا مولاي.
الملك : (يضحك بصوت عال) يبدو إنَّكِ لا تفهمينَ او لا تُفَرِّقين بين الموتِ والحياة ، حسناً، أغمِضي عينيك (تغمض مارة عينيها) افتحيها الان ، هل شاهدتِّ شيئا عندما كنتِّ مُغمضةَ العينين؟
مارة : كلاّ .
الملك : هو ذاك ، الموتُ شبيهٌ بالعُتّْمَة، حين فتحتِّ عينيك وشاهدتِّني أَقفُ امامَكِ هذا دليلٌ قاطعٌ على اَّنّني مازلتُ حياً.
مارة : هل تخافَ الموت ؟
الملك : وما هو الموت؟
مارة : الم تَقُلْ إنه شبيهٌ بالعتمة، وها نحن في مكانٍ مُعتِّم وهذا يعني أنَّنا اموات.. بناءً على ما قُلت .
الملك : ولكنِّي ما زلتُ أتنَفَس وأسمعُ صوتيَّ واسمعُكِ حينَ تتَحَدَّثين ، بل ما زلتُ أسمعُ الابواقَ التّي تَعزِف ، لماذا لا تقولين الحقيقيةَ وتُرِيحيني .
مارة : ألا تَكفيكَ ما تراه عيناك من حقيقية .
الملك : حسناً لقد فَهمتُ ما تَقصِدين .
مارة : وماذا أقصُدْ ؟
الملك : على أننَّا متنا ، وأننَّا الانَ في عالمِ الأموات ، رُغمَ أنّْي لا ارى سواك ، وأنَّ تلكَ الابواقَ هي ابواقُ الجحيم تدعونا اليها ، أليسَ كذلك ؟
مارة : كلاّ ، انتَ مخطئٌ يا مولاي .
الملك : (بعصبية) وما هو الصوابُ اذاً ؟ (صمت) منذ الصباح وانا احاولُ أن افهمَ ما يحدث وانتِ تُماطلين لكي تُخفي عنيَّ الحقيقة. (صمت وبنبرة هادئة) هل نحن في الصباح ؟
مارة : لا اعلمُ ما اذا كان صباحاً أو مساء.
الملك (بعصبية) تَكذُبين ، كُلكُم تَكذِبون ، تُحاولون سلبَ مملكتيَّ منيّْ ، رُبّْما هُناكَ مَن يُريدُ ان يَسّتَوليَّ على العرش ، بل هو إبنيَّ ولي العهد انا اعلم ذلك فمُنذُ بلوغهِ وهو يُحاولَ ان يَستوليَّ على العرش بأيِ طريقةٍ كانت.. ورُبَّما امُهُ هيَّ من تُحيكُ لصالحهِ المؤامرات بمساعدةِ عُشّاقها من القادةِ.. انا اعرفُ كلَّ شي ،لا لن أسمحَ لاحدٍ بذلك ،(يتجه صوب السلم) افتحوا الباب،افتحوه ،(يستدير باتجاه مارة) سيفتحوه قريبا أعلمُ ذلك ، او رُبَّما ارادَ احدُ افرادِ عائلتيَّ ان يمزحَ معيَّ بينما كنتُ ثملاً ليلة َأمس، ربما يكون نائما الان, وحالما يستيقض سَيَهرعُ لفتحِ الباب ، سأَعرفُهُ قريباً وسأُعاقِبُه بشِدّْة.
مارة : لماذا لا تريدَ تصديقي ؟ أمْ ادعُكَ لأوهامِكَ وخيالاتِك تَنقَّضُ عليك لتجعلَ منك اضحوكة.
الملك : أُصدِّقُ ماذا ؟ كلامَكِ عن حربيَّ الخاسرةِ والملكِ الذي لا يُهزم ، أم عن موتيِّ وانا اقفُ شاخصاً امامك، كفاكِ هُراءً ، ثم لماذا أنتِ مَعيَّ هنا ، هل كنتِّ ثملةً مثليَّ فأرادوا أن يمزحوأ معكِ أيضَّاً؟
مارة : كلّا لم اكُ ثملةً، بل وضعوني معك كي اكونَ انيسةَ عُزلتِك .
الملك : ومَنْ يَجرُؤَعلى عَزلي ،(باصرار) أنا الملك .
مارة : أنتَ ملكٌ يُنازعُ الموتَ ويَلفِظ انفاسَه الاخيرة (بعد برهة) لماذا لا تَجعلْ من قبركَ هذا محراباً تُكفِّرُ فيه عَمّا اقترفتَ من ذنوبٍ وخطايا لتَهدأ روحُكَ وتَرقُد بسلام.
الملك : ( يضحك بسخرية) أيَّةُ ذنوب ؟ ما تُسمِينَّهُ الذنوبَ التي اقترفتُها كانت فضائلَ لأُناسٍ كُثر، كلُّ ذنبٍ اقترفتُهُ كان يقفُ خَلفَه سببٌ يُبرِرَهُ وحناجرُ تَهتِفُ واكِّفٌ تُصفِّق ، أمّا الحماقةُ والمجونُ والقتلُ فما كانت خطايا ، بل هِيَّ رغبات ، رغباتُ الملوك في الحفاظِ على عُروشِها ومَجدِها. لقد مَيَّزَتنا الطبيعةُ وصنَّفتنا على أن نكون ملوكاً ولنا الحقُ في ان نفعلَ ما نشاء دون حسيبٍ او رقيب. مثل ما اختارتك الطبيعةُ ان تكوني راقصة.
مارة : كلاّ ليس للطبيعةِ دخلٌ في ذلك ، بل أنت من جَعلني راقصة.
الملك : اعرفُ ذلك ، ولكن كان ذلك بأمرٍ منها.
مارة : كُفَّ عن ذلك ، تريدُ الان أقناع نفسِكَ إن كل ما تفعله هو الصواب (بعد لحظات)
كنت العبُ في الحقل مع شقيقتي الصغيرةِ عندما انقضَّت جيوشُكَ علينا ، قتلتم كلَّ افراد عائلتي، لا لشيء فقط لرغبةٍ وحشية في القتل يُحرككم وهم٫ُ الانتصار، أمّا الان فلم يَعُد بوسعِك ان تفعلَ شيئاً حيال ما تواجهه من مصير، ها أنتَ ذا غارقأً في لحظاتك الاخيرة غيرَ قادرٍ على المقاومة ، اين جبروتُك وبطشُك وجيوشُك لماذا لا يدفع احدٌ منهم ما أنت فيه ؟
(صمت، يتحرك الملك يمينا ويسارا وكانه في حيرة من امره)
الملك : هل انا مريض ؟
مارة : (تقترب من الملك) اجل ، انت مريض .
الملك : إذا كنتُ مريضاً فلماذا لم يشفني طبيبي ؟
مارة : لقد حاولَ كثيرا وفشل في شفائِك ، لديك مرضٌ غريب قد يشكِّل وباءاً على المملكةِ بأسرها لو انتشر .
الملك : لقد اغدقتُ على هذا الطبيب بالكثير من المنحِ والهبات لا لانهُ جديرٌ بذلك بل فقط لكونه طبيب الملك، ساستَّرد كل ما منحتُه له وساُعاقبُهُ عقاباً شديداً. ان اخطرَ الناس على الملوك اولئِكَ الذين يُضمرونَ العداءَ ويدَّعون إنَّهم ملتزمون بخدمتهم ، ولا يعرفون متى سيدُسُّونَ السم لهم .اذا كان الحال كما تقولين فلماذا لم يرسلوا بطلبِ اطباءٍ اكفاءٍ من ممالكَ اصدقائِنا الملوك ؟
مارة : لم يفعلوا ذلك .
الملك : وما الذي منعهم ؟
مارة : لانهم لم يرغبوا ان يكشفوا سر مرضك فتكونَ موضع تندر وسخرية من قبل ملوك اخرين بل ارادو لك ميتةً مهيبةً تليقُ بكَ دون ان يكشفوا سرَ مرضِك .
الملك : انتِ تُحاولين ان تجعلي الامورَ غامضةً ومبهمة بينما هي ابسطُ من ذلك، ملكٌ المََّ به مرضٌ فاما ان يُعالج ليشفى او،،،
مارة : (تكمل جملته ) يُترك ليموت.
الملك : بل يتماثلُ للشفاء لا أن يُعزل تحتَ الارض .
مارة : لا فَرق بينَ العزلةِ والموت، فالعزلةُ هو أن يموت الانسانُ محاصراً بهواجسه ،لا أَحدَ يطرق باب روحِه , و يشاهد انفاسَه تتقطع دون ان يُبالي به احد.
(صمت)
الملك : (وكأن فكرة ما تدور في رأسه) هل تعرفين، إننَّي طوالَ معرفتي بكِ لم أُبادركِ بالسؤالِ عن أحوالِك..؟.
مارة : وكيفَ لكَ ان تسألَ وانتَ لا ترى فيَّ سوى غرائزَك لتُشبِعها ، انتَ لا تطلبُ مني سوى الرقص وجسديَّ .. وعندما تغادرَ الخمرةُ راسَك وتستفيق تَنسَّلَ من الغرفةِ دونَ حتى ان تُلقي عليَّ نظرةَ ثناءٍ واحدة .
الملك : رُبَّما كان الخمرُ يمنعُني أن ارى الاشياءَ بوضوح ، والان ماذا عنكِ ؟
مارة : وهل سيفرقُ لك كثيراً إن اجبتُك عن حاليَّ ، أم هو هذيان احتضارِك؟؟ .
الملك : بل ربما لانني اراك اولَ مرة دون ان تلعب الخمرةُ برأسي .
مارة :حسنا ساجُيبك، ميِّتةٌ منذ ان وطِئتْ أقداميَ ارض بلاطِك كغانيةٍ او محظيِّة ، جسدٌ بلا روح يمتد على سريرٍ باردٍ كلَّ ليلة ليكون خلاصاً لنزواتِك ونزواتِ حاشيتك، لا يُبالي احدٌ بوجودي بل لا يسألُ احدٌ عن رغباتيَّ او مشاعري ، كلُّ ما اتلقاه منكم هو افواهاً نتنةً تفوحُ منها رائحةُ الخمرِ وسيلٌ من الكلماتِ البذيئة ، في باديءِ الامرِ كنتُ أَندهشُ ، كيف تكونون ملوكاً وقادة في النهارِ تبطشون بكلِّ شيء بكل ما أٌُتيتم من قوةٍ وجبروت وفي الليلِ تتوسدون مخادعَ العاهرات خانعين متوسلين . هل سألتَ نفسَك يوماً كمْ مرةٍ كنتَ في مخدعِ زوجتِك
(تعزف الابواق مرة ثانية موسيقى جنائزية )
الملك : انها الابواق مرة اخرى .
مارة : اجل يا مولاي ، هي الابواقُ مرة اخرى ، وانت تعرفُ معنى ذلك حتماً
الملك : (مرتبكا ) هي تأكيدٌ على موتِ احدِّهم
مارة : بل هي تأكيدٌ على موتِك
(يصعد الملك السلم بأتجاه النافذة الصغيرة )
الملك : (باعلى صوته من خلال النافذة المحكمة الاغلاق) ، أوقفوا الابواق ، انا لم أَمُت بعد ، اوقفها ، انا بصحةٍ جيدة ، انا أأمركم أن توقفوها .
( تذهب مارة اليه )
مارة : مولاي ارجوك هون على نفسك.
الملك 🙁 يمسك بيدين مارة) ، ارجوكِ يا مارة اخبريهم ان يوقفوا صوتَ الابواق ربما هم لا يسمعون صوتي ، اخبريهم انني بصحةٍ جيدة ، وما حصل هو عارضٌ صحيٌ بسيط ، ربما اخطأ الطبيبُ بتشخيص حالتي . انا بخير مازلت بخير.. ارجوك تصرَّفي وسأجعلُك انت الملكة ، (تنتابه نوبة من البرودة ) اشعر بالبرد ، من اين يأتي البرد ، دثريني بذراعيك
(يسقط الملك بحضن مارة)
مارة : مولاي اهداء ، لا تعذِّب نفسَك اكثر مما انت فيه .
الملك : (وهو في حضن مارة) انا بصحةٍ جيدة وهذا البردُ اشعر به ربما لانني لم ارتدِ ملابسَ كثيفة ،، اشعر انني بخير ، بل بأحسن حال (ينهض ، يتحرك مترنحا بشكل عشوائي ) انظري يا مارة ، انظري ما زال جسدي ينبض بالحياة ، ومازالت قدماي قادرتان على حملي ، انا بصحةٍ جيدة ، اخبريهم يا مارة ، قولي لهم انني بخير ، وانني قادر على ادارةِ شؤون المملكة. (يسعل الملك بشدة )
مارة : مولاي لا تحمِّل نفسَك اكثرُ مما هي فيه اهدأ ارجوك.
الملك : (وقد اصابته نوبة هذيان) انا الملك ، مازلت بخير ، انا بصحة جيدة ، كيف لملكٍ ان يمرض او ان يكون وباء على مملكته ، كيف سيكون حال مملكتي بدوني ، لا بد ان الطبيبَ قد اخطأَ في التشخيص او كان مخمورا ، اخبريهم يا مارة.
مارة : لا استطيع .
الملك : قولي لهم بأن كل شي سيكون على ما يرام . سأنصِّبُ ابنيَّ ولياً للعهد ، وسأعفو عن اللذين يُعارضون حكمي ، بل سأعفو عن السجناء جميعا ، وساكون ملكا عادلا يهتَّم برعيته ،وساكفَُ عن شرب الخمر وعن غزواتي وحروبي للممالك الاخرى فقط قولي لهم ذلك…
مارة : لا استطيع .
الملك : صدّقيني يا مارة ساعودُ اليهم افضل مما كنت عليه وسترين ذلك ، فقط اخبريهم
مارة : ( هي الاخرى تنهار) ، لا استطيع ، لا استطيع، توقف عن الهذيان ارجوك كُفَّ عن ذلك لا احد سيُصدق ما اقول .
الملك : بل سيصدقونك ، انا اعرف ذلك ، لقد كنتِ مصدرَ ثقة الكثيرين في البلاط ،انا لا اطلب منك الكثير فقط اخبريهم وسينتهي كلُّ شي .
مارة : ( بصوت عالي ) ، اصمت
(يصمت الملك من نوبة هذيانه بعد ان يخر ساقطا في احد زوايا القبو، يسود الصمت للحظات)
مارة : (بصوت عالي ) كيف سيصدِّقون أمرأةً تعاني مما تعانيهِ انتَ من مرضٍ ،(بهدوء وهي تقترب اليه وتجلس امامه ) اتوسلُ اليكَ كفَ عن هذا .
الملك : ( مازال مرتبكا ) ماذا يعني انكِ تعانينَ مما انا اعاني منه ، ما معنى ذلك ؟
مارة : هي الحقيقة يا مولاي . (تمسك بيده ) كِلانا مصابٌ بنفسِ المرض.
الملك : (بهدوء، وكأنه استسلم للحقيقية ) انا مريضُ اذاً.
مارة : بل نحن نحتضرُ في هذا المكان
الملك : تقصدين هذا المكانُ الذي سيكونَ قبرُنا
مارة : نعم قبرُنا المشترك
الملك : وماذا عن جثتي ؟
مارة : أطمئن يا مولاي لقد وارو جثَّتكَ التراب قبلَ قليلٍ والمملكةُ في حدادٍ عليك
(صمت قليل ، وكأن الملك يستجمع قواه )
الملك : أيَّ جثةٍ تلك التي سيوارونها التراب وانا مازلت حيا ؟
مارة : المسألة غاية في البساطة فلا تقلق حيال ذلك ،لابد انهم قتلوا واحداً من السجناء وكفنّْوه بالثياب الملكيةِ وسيوارونهُ التراب على انه الملك وستنتهي الحكاية .
(صمت ، الملك وكانه متردد في سؤال مارة )
الملك : أ،،أ ،،أ أقول يا مارة هل من الممكنِ ان تعيدي على مسامعي كيفَ حدثَ الامرْ ؟
مارة : كل ما في الامر هو انك سقطتَ عندما كنتَ تهمَ بمغادرةِ بلاطُك واغمى عليك. وعندما جاؤوا بطبيبكِ الخاص لمعاينتِكَ والكشفِ عليك ، اكتشفَ انَّك تحملُ مرضاً خطيراً ومعدياً فامر بعزلِك في الحال ، وتمَ عزلُكَ في غرفةٍ خاصةٍ وعندما لاحظَ الطبيبَ سوءَ حالتِك وتفاقمَ المرضِ عليك اخبرَهم بانَّ ايامَكَ معدودةٌ وستواجهَ حتفَك بعد ايام قليلة ، وهنا أمرتْ الملكةُ ومن بابِ الشفقةِ عليك ان تضعَك في هذا القبو وتضعني معكَ مع قليل من الطعام والشراب ، لتموتَ بعيدا عن اعينهم او حتى لا تصيبَ احداً منهم بالوباء.
الملك : هكذا اذاً ، حسناً وكم بقي لي من ايام اكونُ فيها على قيد الحياة ؟
مارة : لا اعلم يا مولاي
الملك : (بصوت حزين ) بل انا الذي لا يعلمُ ، هل انا ميتٌ ام انا حي ، هناك انا ميت ، وهنا انا حي ، انا في حيرةٍ من امري .
مارة : لا تحتارَ كثيراً ، غداً او بعد غد او ربما الان سينتهي كلَ شي ولم يبقَ لوجودِكَ سوى الذكرى .
الملك : وماذا عنك ؟
مارة : انا معكَ في المحنةِ نفسُها .
الملك : لا ،لا ، اقصدُ لماذا وضعوكِ معي في هذا المكان, اذا كنتُ انا سأموت فلماذا انتِ تموتينَ ايضاً ؟ لماذا لم ترفضي ؟
مارة : لقد قلت لك وضعوني لتسليتكَ باواخرِ ايامك ، فالملكةُ تعرف مدى تعلقِك بي فكنتُ بمثابة هدية منها لتودعَكَ بها . اما عن رفضي فلا يجدي نفعاً ازاء اوامرهم وسلطتهم التي قادتني الى هنا .
الملك : (بشيء من الحزن ) انا اسفٌ على ما أَلَمَ بك من عناء ، يبدو ان الملكةَ ارادت ان تتخلصَ منكِ انت ايضاً .
مارة : بل لقد فعلتْ الصواب ، هذا ما كنتُ اتمناهُ طوالَ حياتي في بلاطك ، كم مرة حاولتُ ان اقتلَ نفسي غير ان شجاعتي كانت تخذلني ، اما الان فالفرصةُ سانحةٌ للتخلصِ من حياتي دون أي خذلان للشجاعة.
الملك : مالكِ تتحدثين وكأنك سعيدةٌ بالموت .
مارة : وهل كنتُ سعيدةً بحياتي حتى لا اكونَ سعيدة ًبالموت ؟ الامر سيانَ عندي، ربما انت وامثالكَ ، يخافونَ على حياتِهم لانكم متنعمين فيها بل ذهبتُم اكثرَ من ذلك حتى اعتقدتُم انكم مخلدون ابديون لا يمسَكم الموتُ لشدةِ جبروتكم وطغيانكم .
الملك : (وكأنه يتذكر شيا ما ) صدقاً يا مارة اقول لك ، لم افكرْ بالموتِ للحظةٍ واحدةٍ ، حتى في الحروبِ التي خضتُّها لم افكرْ به ..كانت جيوشي تدرأَ عني كلَ خطرٍ يحدقُ بي ، بل انا من كانَ يسلبُ ارواحَ الناسِ، بأشارةٍ صغيرةٍ مني تُقطعُ الرقابُ وتَسقطُ الرؤوسَ على الارض.
مارة : يا له من فخر ، قطعُ الرقاب وتساقطُ الرؤوس ، قل لي ، رؤوس مَن تلك التي كانت تتساقط ؟
الملك : الاعداء .
مارة : بل اناسٌ ابرياء تُطلقونَ عليهم اسمَ الاعداء وتُلصقون بهم الاف التُهَم لتتَسلوا بالنهايةِ بقتلِهم
الملك : لم اكُ على يقين في ما لو كانوا اعداء ام ابرياء ، كنتُ أُصغي دائماً الى القادة والمستشارين واخذُ بمشورتهم .
مارة : لم تكن على يقين ، لكنَّك كنتَ تقتلَهم . لم تُكلف نفسَك ولو للحظة واحدة عناءَ البحث عن الحقيقية ، اتذكر عندما كنت تأتيني مخمورا كل ليلة ، كنت تردد دائماً على مسامعي ، ” أملئي كأسيَّ دماً احمرَ لأَسكرَ بنشوة الانتصار ” ، ما كنت ابالي بما تقول ، غير اني ادركتُ بعدها انَّك رجلا لا يرتوي الا بسيل من الدماء ، رجل متعطش للقتل
الملك : كنت مخمورا.
مارة : نعم ، هو الخمر يا مولاي من يكشف خباياك ويستخرجُ سرائرَك ، تلك كانت حقيقتك التي تظهر في الليل وتغيبُ في النهار .
الملك : (يقطع القبو جيئة وذهابا ) انا لم اعرف من اكون ، حتى عندما انظر الى نفسي في المرآة اشاهد رجلا بتاج وصولجان من الذهب وملابس تملؤها الحليُ المرصعة ، فافرحُ كثيرا بهذا الرجل الذي يعكس صورتي في المرآة ، لم افكر بسلوكيَّ يوماً ما وكيف ساتصرف ، لانني الملك افعلُ ما اشاء وعلى الجميع ان يتقبل سلوكي .
مارة : شيءٌواحدٌ فقط كان هو هاجسُك الابدي ، هو ان تحافظ على ملكك ، لذلك كنت تقتل ، وتبطش ، وتغزو, دونَ ان يرف لك طرف ، انا على يقين تام انك لم تختلي بنفسك لحظةٍ واحدة لترى حقيقتها .
الملك : ولم عَليَ فعل ذلك ؟
مارة : لتراها بوضوح دون تاجٍ وصولجان ، لترى في ما لو كنت على خطأٍ او صواب بما تفعل .
الملك : ما كنت اعتقد انني بحاجة لذلك ، فما افعله افعله وعلى الاخرين تقبله كرهاً او طواعية .
مارة : على ايةِ حال ، ها انت تحظى بفرصة لتختلي بنفسك رغم فوات الاوان .
الملك : وما نفع ذلك الان؟؟ .
( تنتاب الملك نوبة من السعال الحاد ، يسقط على الارض ، ويتلوى من شدة الالم ، تقترب منه مارة ، تمسك بيده ، تحاول ان تساعده على النهوض )
مارة : انهض يا مولاي ، مازال الوقت مبكرا لرحيك
(يحاول الملك النهوض ، يترنح بحركته وهو يسعل بين الحين والاخر )
الملك : (يشير بأتجاهاة مختلفة في فضاء القبو ) ارى ابوابَ الجحيم تُفتحُ على مصراعيها ، والْسِنةُ النار تلسعني هناك يا مارة ، بل هنا ، ابعديها عني ، ارجوك .
مارة : أهداء يا مولاي ، انت مازلت معي ارجوك أهدأ
الملك : كيف لي ان اهدأ وانا اشعرُ ان جسديَّ كذراتِ ترابٍ تعصف بها الريح .
مارة : مولاي ، تماسك قليلا ، اين شجاعتُك؟؟
الملك : الشجاعةُ تخذلني ، بل كلَ شيء يخذلني الان ، الا انت يا مارة (وكانه ينتبه الى شي، يمسك يدها ) ، رغم ما فعلته بك على مدار السنين ورغم اني ملك ميت او لست ملكا بعد الان ، الا انك ما زلتي تناديني بكلمة مولاي .
مارة : لا اعرف غيرها ، إعتدت عليها
الملك : (ينزل الى قدمي مارة ) اما وقد ادركتُ الحقيقة الان ،والموتُ يقف شاخصا على عتباتِ روحي لذا دعيني اقبِّلُ قدميك التي لطالما منحتني البهجة والسرور ( الملك يقبل قدمي مارة ، ثم يرفع رأسه اليها ) اتوسل اليك ، ان تُلبي رغبةَ رجلٍ يحتضر ، دعيني اموتُ على وقعِ رقصاتِ قدميكِ ، ارقصي من اجلِ رجلَ استبَّدَ بك وهو الانَ يكفِّرَ عن ذنوبِه ِ ، ارقصي لي رقصةَ وداعنا حيث لا نلتقي بعدها ابداً
( تنسحب مارة الى الخلف ، بينما يبقى الملك جاثيا على ركبتيه ، تتعالى موسيقى ، تبداء مارة بالرقص بشكل بطيئ يتسارع تدريجيا ، ينهض الملك من مكانه يدور في القبو ، بينما مازالت مارة ترقص )
الملك : ( وهو مستمر بالحركة في فضاء القبو بحركات اقرب للرقص ، بينما مارة مستمرة بالرقص ) يا لقسوةِ الحياة ،ما كنتُ اظنُ للحظةٍ واحدة بأني سأموت ، لم يخطر ببالي ذات يوم بأنني سأتفسخ في غرفةٍ عفنةٍ محملا بأوزار ما ارتكبت من وخطايا من سيغفرُ لي ما اقترفتُ من ذنوب ، وكيف ساكفرُّ عنها ، ولم يتبقى لي سوى امرأة واربعة جدران وروحٍ تنازعُ موتَها .
انّأ لي أن انزعَ عينيَ من وجهي كي ما ارى روحي تسقطُ الى الهاوية ، ايُ عذابٍ تخلِّفه الذاكرة ، من يجتثُّ ذاكرةً باتتْ كضرسٍ متسوس ، من يقتلعُها مني ، بأي دهاليز قصري كان يختبئ كلُ هذا الوجع ،لماذا كنتُ لا اراه ، ام ان طيشيَّ وملذاتيَّ وجبروتي كانت تحولُ دونَ ذلك ، (وكأنه يرى اشباح حوله) أكلُ تلك الارواح التي تحوم حولي أنا ازهقتُها ، (وكانه يدور بينهم ) هل فيكم من يغفرُ لي ما أقترفتُ بحقهِ من ذنب ، هل فيكم من يدلُني على طريقٍ اتّْخذه لاشعرَ بالأمان ، ما لعيونِكُم مفتوحةً ترمقونني بنظراتٍ شامتة ، ام انَّكم مسرورين مبتهجين بموتي ، (الى مارة ) ضحكاتُهم تمزق اسماعي يا مارة ، يا الهي ما لهذا الزمن لا يسرع ، هل اعتراه الجمود فتصلَّب ، ام هو الاخر يلفظُ انفاسَهُ الاخيرة ، هي ذي الجحيمُ تفتحُ ابوابَها تلسعُ نياطَ قلبي بألسنةِ نارها ، لماذا لا ارى سواها ، ام ليس لنا جنةً ندخلُها ،
(تتصاعد الموسيقى ، ويتصاعد معها حوار الملك ، ليتداخلا معا )
كنتُ كلما اقترفتُ ذنباً واردتُ الاستغفارَ عنه كان الفُ شيطانٍ في بلاطي يحولُ دون ذلك ، يصورون لي الخطيئةَ على انَّها انتصار ، والمعصيةُ على انها كفّارةٌ عن مّا ارتكبتُ من اخطاء ، لو يعودَ الزمنُ بي الى الوراء لأخترتُ ان اكون فلاحاً في حقلٍ صغير مع زوجةٍ مثلك يا مارة.. تُعِدُ لي الطعام ولإخترت ان يكون لي ابنتان تلعبان حولي ، لو يعود الزمن بي يا مارة ، لربما اخترتُ ان اكونَ سمكةً في جدولٍ صغير ، او دخاناً يخرجُ من سقفِ بيتِ حداد فقير في ليلةِ شتاءٍ عاصف ، لو يعودُ بي الزمنُ الى الوراء يا مارة لن اكونَ مثلَ ما كنتُ قبلَ ليلتين ، لو يعود بي الزمن يا مارة ، لإتخذتُك حبيبةً ابديةً نعيش على حافة جبلٍ او في غابة ، بعيدا عن اولئك السفلة اللذين كانوا يدسُّون الرذيلةَ في طعامي ليقتلوا صوتَ الفضيلةِ بداخلي .
(يلتحق الملك بمارة التي مازالت ترقص ، ليرقص معها ، تتعالى الموسيقى ، دخان كثيف يملء القبو . بحيث يتلاشا وجودهما )
اظلام تدريجي
– النهاية –
للتواصل مع المؤلف
الاميل : issam_hh22@hotmail.com
الوتس اب : 00447748640534