كتاب “نزار ميقاتي… ذاكرة الخشبة اللبنانية”: رحلة إنسانية في تأسيس المسرح اليومي

إرث الخشبة يُكتب من جديد: كتاب يوثق حياة رائد المسرح اليومي نزار ميقاتي

بعد رحلة استغرقت عشرة أعوام من البحث والتأليف، يستعد الممثل عمر ميقاتي لإطلاق كتابٍ توثيقي طال انتظاره، يُسلّط الضوء على حياة وإنجازات والده، الرائد المسرحي نزار ميقاتي (1920-1984). الكتاب الذي سيصدر خلال شهرين، هو أكثر من مجرد سيرة ذاتية؛ إنه رحلة حميمة في ذاكرة المسرح اللبناني الحديث، وشهادة على شغف أسس لمرحلة مفصلية.

أبو المسرح الوطني اليومي: رحلة التأسيس

يُعرف نزار ميقاتي بلقب “أبو المسرح الوطني اليومي“، وهو اللقب الذي حمله بعد تأسيسه أول مسرح يومي في لبنان عام 1965 تحت اسم المسرح الوطني. لم يكن مجرد مؤسس، بل كان معلماً وموجهاً، حيث درّس أجيالاً من الممثلين في طرابلس، وساهم في تأسيس مهرجانات ثقافية مثل “مهرجان الأنوار” مع كبار الموسيقيين، وكان له حضور في بدايات “مهرجانات بعلبك”.

تميّز ميقاتي بقدرته الفريدة على “تعريب” و”لبننة” النصوص المسرحية العالمية، ونقلها إلى الجمهور المحلي بروح قريبة ومؤثرة. كان أول عمل يقدمه على خشبة مسرحه الوطني هو “شوشو بيك بصوفر”، الذي استمر عرضه ستة أشهر متواصلة، ليعقبه مسرحية “مريض الوهم” لموليير، حيث كان يشرف على كل التفاصيل بنفسه، من الديكور إلى بناء الخشبة.

البداية: من مدرسة الكرمليين إلى إيطاليا

تعود جذور هذه القصة إلى سنوات الدراسة في “مدرسة الكرمليين” الإيطالية في طرابلس. هناك، لفت نزار الأنظار بأدائه الأول لدور فتاة وهو في الثامنة من عمره. أدرك الرهبان الإيطاليون، الذين ضمّوا مخرجين محترفين، موهبته المبكرة، فساندوه حتى أوكلوا إليه إخراج المسرحيات في سن الثالثة عشرة. لاحقاً، مكّنوه من السفر إلى إيطاليا لدراسة المسرح عام 1939، حيث زار مدينة السينما الشهيرة “تشينيتشيتا”.

ذاكرة تبنى من الأرشيف والشهادات الحية

لم تكن مهمة عمر ميقاتي في تأليف الكتاب يسيرة، حيث اعتبر الكتابة عن والده “مسؤولية كبيرة”. اجتهد في جمع المادة من كل حدب وصوب، فزار الراحل طلال سلمان في “جريدة السفير” ليحصل على أرشيف والده الكامل من مقالات وصور. كما جمع مقالات الرثاء التي كتبها كبار مثل منصور الرحباني وتوفيق الباشا، وأجرى مقابلات مع من عاصروا والده وعملوا معه، مثل جيزيل نصر ومارسيل مارينا، لتدوين شهاداتهم الحية.

المسرح الوطني: حلم يعود عبر الأجيال

على الرغم من أن نزار ميقاتي باع حصته في “المسرح الوطني” لـحسن علاء الدين (شوشو) بعد خمس سنوات من التأسيس قائلاً: “أنا ما فاتح دكان سمانة، هيدا مسرح”، إلا أن روح هذا الحلم لم تمت. فبعد عام 2018، أعاد الفنان قاسم إسطنبولي إحياء الاسم بتأسيس “المسرح الوطني” في صور، ثم في طرابلس، وأخيراً في بيروت (الحمرا)، تيمناً بنزار ميقاتي واعترافاً بإرثه. وقد عيّن إسطنبولي عمر ميقاتي رئيساً لمجلس أمناء هذه المسارح، مستفيداً من خبرته.

زياد الرحباني: “الجوهرة النادرة” في ذاكرة ميقاتي

يحتوي الكتاب أيضاً على شهادات إنسانية عميقة، منها ذكريات عمر ميقاتي مع الفنان الراحل زياد الرحباني، الذي يصفه بـ”الجوهرة النادرة”. تعرّف عليه أثناء عمل مسرحي عام 1987، وشارك معه لاحقاً في مسرحيتين. كان زياد، بحسب ميقاتي، “عقلاً” مبدعاً يحوّل التفاصيل إلى ضحكة، ويلمس الوجدان بالمباشرة والصدق. يقول عمر عن رحيله: “شعرت بأن نصف البلد الذي أحبه، بما فيه من جماليات، قد غاب”.

خاتمة: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان

تختزل قصة نزار ميقاتي إصرار الفنان على قيمة الفن وسط تعقيدات الواقع. تروي إحدى الحكايا لقاءه بالرئيس فؤاد شهاب، الذي قال له: “عندنا ناس بدها تاكل… بدنا نطعميهم خبز”، فرد عليه ميقاتي: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان يا فخامة الرئيس”. هذه الروح هي ما يوثقه الكتاب الجديد؛ روح رائد آمن بأن المسرح ضرورة حياتية، وإرثه الذي ما زال ينبض في قلب الثقافة اللبنانية.

اعداد وتحرير: فريق تحرير موقع الخشبة.
مصدر التقرير الأصلي وتصرف: عن صحيفة “الاخبار” – كتبته: غادة حداد.
نشر بتاريخ: 5 كانون الأول 2025.

Related posts

روميو وجوليت .. مغزى الحب عبر لعبة الضوء والعتمة

GREASEPAINT مونودراما “الماكياج المسرحي”مزج هارموني بين الڤودﭬيل والكابوكي على خشبة مسرح “ليريك اللندني”

بمدينة الفنيدق مع ورشة الصوت والإلقاء