حيدر عبد الله الشطري
في سياق احتفالية تنطلق بعمقها عن المهرجانات التقليدية لتكون موسماً مسرحياً شاملاً يضيء مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشرة خلاصة الإبداع العربي ويجعل من كلمته الافتتاحية محوراً للرؤية والتفكير.
وقد كان اختيار الهيئة العربية للمسرح للدكتور سامح مهران رئيس مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي وأحد أبرز الأصوات الموسوعية في المشهد المسرحي العربي لكتابة وإلقاء هذه الكلمة اختياراً دالاً فهو يجمع بين صفتي المبدع والباحث حيث تتشابك في كتاباته ومعارفه النقدية والفلسفية الواسعة مع لغة المسرحي المتمرد الذي يهدم الخطابات السائدة.
فهو يقدم كلمته ببيانٍ فلسفيٍ نقديٍ يتخذ من المسرح مرآةً عاكسة لأزمات العصر ومنقذاً محتملاً لها وباعتبار ان المسرح فعل نقدي في مواجهة أزمات الوجود المعاصر.
يبني مهران حجته على تعريف جوهري للمسرح بوصفه ابناً لعصره وفعلاً نقدياً شبيهًا بالفلسفة مهمته تفكيك خطابات السلطة والمعرفة السائدة ومن هذا المنطلق يشرع في تشريح علل عصرنا مُقدِّمًا تشخيصاً قاتماً لوضع إنساني منفصل عن محيطه مُستلَبٌ بتقنيات التواصل التي تفرض عليه عزلة افتراضية ويذهب مهران إلى أبعد من النقد الاجتماعي المعتاد، ليتناول بتشاؤم تنبؤي ما أسماه التهديد الوجودي المزدوج وهو(التهديد البيوتكنولوجي) يتتبع مسار الثورة في الوراثة والهندسة الجينية والأدوية العصبية (مثل بروزاك وريتالين) والواجهات الدماغية محذراً من تحول الإنسان إلى كائن ما بعد بشري (Post Human) ويرى أن الخطر الحقيقي ليس في الدمار بل في التحول التدريجي الذي قد يفضي إلى مجتمعات طبقية بيولوجياً حيث تُعاد هندسة الوعي والإرادة الإنسانية ويفقد الإنسان حريته الداخلية ليصبح كائناً إلكترونياً مُداراً عن بُعد.
والتهديد الإدراكي (Cognitive Apocalypse) ويصف العصر الرقمي بأنه سبب أزمة إدراكية تهدد قدرة الجماعة على التمييز بين الحق والباطل وإن وفرة المعلومات وسرعة تداولها تؤدي إلى تشتيت الانتباه وتراجع التفكير النقدي وسيادة العواطف والمحتويات السطحية مما يخلق فوضى عقلية جماعية.
يضع مهران المسرح في قلب أعقد الجدليات التي تعصف بالإنسان العربي المعاصر وهي أزمة الهوية في ظل صراع الحداثة والموروث وينظر إلى هذا الصراع بدراية ويلفت إلى أن الموروث قد تمت أدلجته وتحويله إلى أداة للهيمنة السياسية والثقافية أمام هذا الاستقطاب ويرفض مهران منطق إعادة صراعات الماضي ويطرح رؤية مركبة للتعدد.
ويُعرِّف مهران المسرح بأنه ساحة مليئة بالتوترات التي يجب التعامل معها ويعدد ثنائيات متصارعة تعكس هذه الأزمة
توتر الذاكرة: بين الذاكرة النموذجية (للفهم والمنع) والذاكرة الحرفية (المستغَلة لأغراض أيديولوجية)
توتر الذات: بين الذات السردية الثابتة والذات الأسلوبية المتحررة عبر الاختيار والنقد
توتر الجمالية: بين شعريات الامتثال التي تُفرَض على المتلقي وشعريات الإزعاج القائمة على اللعب والارتجال والتفاعل الحي.
توتر السياق: بين الخصوصية المحلية وقيم التماثل التي تفرضها العولمة التي تُعيد تعريف المواطن كمستهلك مُراقَب.
يخلص مهران من هذا التحليل الشامل إلى تحديد القوة الأخلاقية للمسرح والتي لا تكمن في تقديم إجابات جاهزة وانما في العلاقة الديناميكية التي يخلقها بين العمل والجمهور إنها قوة التساؤل المستمر الذي يستهدف ازدهار الفرد ويمتد ليشمل الاهتمام بالآخر والمجتمع والمدينة وقضايا المناخ وبهذا المعنى يصبح المسرح مختبراً لإعادة تعريف الذات والجماعة فمن الأنا يتشكل مجتمع النحن القابل دائمًا لإعادة التعريف.
لقد قدَّم الدكتور سامح مهران من خلال ثقافته الموسوعية التي تجمع بين الفلسفة والنقد والمسرح كلمةً تتجاوز حدود الحدث الاحتفالي لتصير وثيقة فكرية ولقد رسم خريطة لأزمات زمننا العصيبة من الاستلاب التكنولوجي إلى التفكك الهوياتي ووضع المسرح في مركز المواجهة ليس كمجرد فن للتمثيل بل كضرورة نقدية وفعل مقاومة وجودي من أجل الحفاظ على إنسانيتنا وحريتنا في عصر يحاول تجاوزهما.