سيرك» جواد الأسدي: حين يصير الفن آخر حارس للأنقاض

فوزية ضيف الله

ليس «سيرك» عرضًا عن الحرب، بل عن ما تتخلّفه الحرب في الأرواح حين تغادر الساحات. ليس عن الدمار بوصفه فعلًا، بل عن الخراب حين يصبح عادةً يومية، وحين يتحوّل الإنسان إلى كائن يتعايش مع الفقد كما لو كان أحد أعضائه.

في هذا العرض، لا يدخل المتفرّج إلى مدينة، بل إلى ظلّ مدينة. إلى مكان فقد اسمه، وبقيت له فقط هيئة العراء. الجدران السوداء المائلة، الأشجار الميّتة، الطاولة الوحيدة، الكراسي القليلة… ليست عناصر ديكور، بل بقايا عالمٍ تعرّض لقطيعة مع الحياة، وصار يتذكّرها كما يتذكّر المرء حلمًا بعيدًا.

جواد الأسدي لا يقدّم الحكاية، بل يقدّم وجع الحكاية بعد انكسارها. الشخصيات لا تتحاور بقدر ما تتقاطع، لا تلتقي بقدر ما تتداعى فوق بعضها كما تتداعى الأزمنة في ذاكرة محروقة.

«كميلة» ليست فنانة فقط، إنها فكرة الفن حين تُحاصَر. امرأة تحوّل مسرحها إلى مكبّ للنفايات، لا بالقوة المباشرة، بل بآلية أكثر قسوة: الخيانة الصغيرة، البراغماتية الحقيرة، الخضوع الذي يتسلّل كالماء في الجدران حتى تنهار من الداخل. سيركها لم يسقط بالقذائف، بل سقط حين باعه «ريمون» قطعة قطعة، وهو يتوهّم أنه ينقذ نفسه.

أما «لبيد»، فلا يحمل ملامح الكاتب إلا بقدر ما يحمل أثره. رجل فقد القدرة على الحب كما فقد القدرة على الكتابة. موهبة تتآكل بصمت، وجسد يتراجع خطوة بعد أخرى أمام سلطة العدم. لا شيء يربطه بالحياة سوى مصطبة في حديقة مهجورة، كأن الكتابة نفسها صارت منفى داخل منفى.

وفي مقابل هذا الانطفاء، يقف «ريمون». ليس شريرًا أسطوريًا، بل نسخة مبتذلة من الشر اليومي. يضحك كثيرًا، يتحرّك كثيرًا، يتكلّم كثيرًا… كأنه مهرّج، لكن بلا طفولة. غروتيسكيته ليست زخرفة أدائية، بل علامة على انفصاله التام عن أي نواة أخلاقية. وهو حين يقتل الكلب «دودن»، لا يقتل حيوانًا، بل يعلن—دون أن يدري—انتهاء آخر أشكال البراءة في هذا العالم.

«دودن» ليس تفصيلًا داخل العرض، بل قلبه الصامت. قتله هو اللحظة التي تبلغ فيها السلطة ذروتها: حين لا تكتفي بإذلال البشر، بل تمتدّ يدها إلى الحيوان، إلى الكائن الذي لا يملك خطابًا ولا موقفًا، فقط قلبًا.

في «سيرك»، لا يُقدَّم الخراب بوصفه حادثًا، بل كـمناخ. الإضاءة الشبحية لا تضيء الأشياء بل تكشف هشاشتها. الشموع التي تحملها الجوقة لا تبعث الطمأنينة، بل تُذكّر بطقوس الوداع الطويل. نحن أمام مسرح لا يحتفل بالحضور، بل يؤبّن الغياب.

وحين تعتلي «كميلة» الطاولة، ويتشكّل مسرح داخل مسرح، لا نرى مشهدًا استعراضيًا، بل نرى محاكمة الفن لنفسه. اعترافًا موجعًا بأن الخشبة لم تعد محصّنة، وأن المبدع لم يعد في مأمن من الطوفان الأخلاقي الذي يجتاح المدن واحدة تلو الأخرى. ذلك المونولوغ لا يخاطب الجمهور بقدر ما يخاطب التاريخ: ماذا فعلتم بالفن حين صار فائضًا عن الحاجة؟

العلاقة بين «لبيد» و«كميلة» لا تنهار لأنها ضعيفة، بل لأنها وُضعت في زمن لا يحتمل الحب. اللقاء بينهما لا يخلّصهما، بل يكشف عمق الخسارة. الأجساد تقترب، لكن الأزمنة تبتعد. والاعتراف الأخير بالعجز ليس سقوطًا فرديًا، بل إعلانًا عن هزيمة جيل كامل من الحالمين.

«سيرك» لا يصرخ، بل يهمس من عمق الفاجعة. لا يحرّض، بل يضع المتفرّج أمام مرآة باردة:

ماذا يحدث للوطن حين يفقد فنّه؟

وماذا يحدث للفن حين يُترك وحيدًا أمام أجهزة الخراب؟

هذا العرض ليس عن العراق وحده، بل عن المدن العربية حين تتحوّل إلى مسارح مفتوحة للفقد. عن المبدع الذي لا يموت بالقصف، بل بالخذلان. عن الإنسان حين يُجبر أن يختار بين البقاء بلا معنى، أو الرحيل بلا بيت.

في النهاية، لا ينجو أحد في «سيرك». ولا لأن الأسدي يهوى السوداوية، بل لأن الواقع نفسه لم يترك فجوة كافية للنجاة. ومع ذلك، يبقى العرض فعل مقاومة صامتة:

أن تقول الخراب… هو الشكل الأخير من أشكال الدفاع عن الحياة.

Related posts

 “المسرح في زمن الأزمات: حدود التمثيل وآفاق النقد”

موعد “أيام الشارقة المسرحية” في دورتها الـ35

الدورة الـ35 من “أيام الشارقة المسرحية” تنطلق 24 مارس بمشاركة 14 عرضاً مسرحياً