Home » جدلية اليوتوبيا والديستوبيا .. في مسرحية “السماء ليست لك”

جدلية اليوتوبيا والديستوبيا .. في مسرحية “السماء ليست لك”

كتبه ارسلان درويش
A+A-
إعادة ضبط

بقلم : أرسـلان درويش *

​ تنبثق مسرحية “السماء ليست لك” للكاتب المبدع (هوشنك وزيري) كأطروحة بصرية ووجودية ، تتجاوز في جوهرها الدرامي فعل “الحكاية” لتستحيل إلى مختبر أنطولوجي يفحص هشاشة الكائن البشري في مواجهة آلات القمع الشمولية. فالوزيري، المعروف برهافة حسه النقدي وقدرته على تجسيد الاغتراب في كتاباته المسرحية، لا يصيغ نصاً درامياً بالمعنى التقليدي، بل ينحت تضاريس للألم، مستخدماً لغة نابضة تتسم بكثافة شعرية عالية وقدرة فائقة على استنطاق المسكوت عنه في بنية المجتمعات المنغلقة. وهذه القراءة تسعى للحفر في ذهنية الكاتب، وتفكيك الجماليات الدرامية التي تجعل من “غرفة الواقع التحتي” و”حلم السطح” قطبين لرحى الوجود السيزيفي المعاصر، حيث يتقاطع السياسي بالفلسفي، واليوتوبي بالديستوبي، في نص مشحون بإيقاع درامي متفوق يسائل جوهر الحرية في عالمٍ مُصادَر.

هوشنك وزيري

​ تبدأ أحداث هذا النص “الفائز بالمرتبة الأولى في مسابقة هيئة الفجيرة للثقافة والأعلام الدولية للمونودراما عام 2035″، يتأسس النص منذ اللحظة الاستهلالية على مفهوم “المكان البيني” (Liminal Space)؛ فهيكل البناء غير المكتمل ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو بطل صامت يجسد حالة “الدولة/المجتمع” في طور الانهيار أو التوقف عن النمو. إن اختيار الكاتب لجدران “ببلوكاتها العارية” وتراب يغطي الأرض يعكس ذهنية نقدية ترى في الواقع العربي/الشرقي هيكلاً مشوهاً، لا هو بالماضي المكتمل ولا هو بالمستقبل المأهول. في هذا البرزخ، يُلقى بـ “لطيف”، الكائن الذي يحمل اسماً مفارقاً لجوهر حياته، لتبدأ عملية التفكيك الدرامي لثنائية الخوف والحرية.

من “غرفة الواقع التحتي”، وهي فضاء ديستوبي بامتياز، الذي يعيش فيه الإنسان المعاصر في المدن البوليسية. يدخل “لطيف” لاهثاً، هرباً من ملاحقة بوليسية غامضة لكن حضورها طاغٍ عبر “المسدسات المخبأة تحت القمصان”. لطيف، الأربعيني الذي فقد توازنه، يعاني من “تراوما” قديمة تتعلق بسقوطه من السطح في طفولته أثناء محاولته الطيران. هذه الحادثة لم تكن مجرد سقطة جسدية، بل كانت لحظة انكسار اليوتوبيا الفردية تحت وطأة السلطة الأبوية القاسية. يتنقل النص بين محاولات لطيف الفاشلة للاتصال بالعالم الخارجي عبر هاتف يحتضر، وبين استحضار شخصيات من ذاكرته مثل “الأب” الديكتاتوري، و”الأم” العاجزة، و”مام عولا” الكفيف الذي نطق بالحقيقة الصادمة: “السماء ليست لك”، وإمام الجامع الذي يمثل السلطة الدينية التي تبارك القمع. وينتهي النص بحركة محمومة نحو الأعلى، نحو السطح مجدداً، تحت ضوء هاتف ينطفئ، في محاولة يائسة لاستعادة لحظة الانعتاق التي صادرها الواقع منذ البداية، لينتهي كل شيء بإظلام كلي يبتلع الفرد وأحلامه.

إن المبدع في هذا النص يمتلك وعياً حاداً بـ “سيكولوجية المقموع”. تظهر ذهنية الكاتب في قدرته على تحويل “المونودراما” من فعل بوح ذاتي إلى “محاكمة للمنظومة”. الإيقاع هنا ليس إيقاعاً لغوياً فحسب، بل هو “إيقاع فيزيولوجي” يرتبط بنبض قلب البطل المذعور، وبأنفاسه المقطوعة التي تترجمها علامات الترقيم والفراغات في النص.

يستخدم (وزيري) لغة درامية متفوقة تعتمد على “الاقتصاد اللغوي”: فالجمل قصيرة، لاهثة، ومشحونة بالتوتر، مما يخلق نبضاً درامياً يضع المتلقي في حالة تشارك وجداني مع “لطيف”. الجماليات هنا تكمن في “قبح الواقع”،حيث يتحول الكرسي المكسور إلى أيقونة للعجز، ويتحول الهاتف المحمول إلى “مشنقة تقنية” تعلن عن غياب التواصل في عصر الاتصال.

​ الغوص في بنية شخصية (لطيف) يكشف عن كائن سيزيفي محكوم بـ “الفوبيا” الدائمة. (لطيف) هو الوريث الشرعي لشخصيات (كافكا)، إذ يجد نفسه متهماً وملاحقاً دون أن يعرف جريمته، سوى جريمة الوجود في مكان لا يعترف بالفردية. إن “تراوما” السقوط التي تعرض لها في العاشرة من عمره شكلت بنيته النفسية. فالأب الذي كسر يديه ورجليه عقاباً له على حلم الطيران، زرع في جسده “الخوف التأثيمي”. (الأب) هنا ليس مجرد والد، بل هو “الديكتاتور الأول” أو السلطة البطريركية التي تماهت مع السلطة السياسية لتخلق مجتمعاً من الأجساد المنكسرة. أما (الأم)، فهي تجسيد للعجز والتواطؤ الصامت، إنها التي تطعم الابن المشلول وتؤدي وظيفة يديه، لكنها لا تملك القدرة على حمايته من سطوة الأب.

 هذا التثليث (الأب القامع، الأم العاجزة، الابن المحطم) هو الأساس الذي تنبني عليه ديستوبيا (هوشنك وزيري) حيث الأسرة هي الخلية الأولى للقمع، والشارع هو امتداد لغرفة العقاب الأبوية.

​تبرز شخصية “مام عولا” (العم عبدالله) كصوتٍ قدري، سيميائي بامتياز. هذا الكفيف الذي “يرى” الحقيقة أكثر من المبصرين، يطلق رصاصة الرحمة على يوتوبيا (لطيف) بعبارته الجوهرية: “السماء ليست لك.. السماء للطيور فقط”. هذه الجملة لا تعبر عن عجز فيزيولوجي فحسب، بل هي “مانيفستو” لمصادرة الفضاء الكوني.

 في المدينة البوليسية التي يصفها النص، لم تعد السماء فضاءً للحرية، بل أصبحت ملكية حصرية للسلطة، تُراقب بالكاميرات وبالقوات الأمنية المعلنة والمخفية.

ارسلان درويش

(مام عولا) يدرك أن “الطيور” وحدها من تملك الحق في الانعتاق، أما الإنسان المقموع  فقدره هو “الأرض” و”الغرفة التحتية”. وفي المقابل، نجد شخصية “إمام الجامع” الذي يقف أمام الجامع في القرية، ليمثل السلطة الأخلاقية التي تغلف القمع بقداسة زائفة، محولاً رغبة الفرد في التحرر إلى نوع من “الجنون” أو “الخروج عن الفطرة”.

​الجماليات الدرامية في النص تعتمد على “إيقاع الذعر”. الكاتب (وزيري) يتلاعب بالزمن والمكان ببراعة؛ فالمكان ثابت (الهيكل)، لكن الزمن يتمدد وينكمش عبر الذاكرة. “غرفة الواقع التحتي” هي المكان الديستوبي الذي يمثل الحاضر المأزوم، بينما “السطح” هو المكان اليوتوبي الذي يمثل الماضي الحالم. والجدلية بينهما تخلق توتراً درامياً عالياً، وينبني السرد عبر تقنية “الاسترجاع” (Flashback) التي لا تأتي لملء الفراغ، بل لتعميق المأساة. (لطيف) الأربعيني يحمل في داخله طفل العاشرة الذي حاول الطيران من فوق السطح. هذا الربط بين “السطح” (اليوتوبيا/الانعتاق) و”الأسفل” (الديستوبيا/القمع) هو العمود الفقري للمسرحية. السلطة في ذهن الكاتب تبدأ من “الأب”، الذي كسر يد ابنه ورجله ليس لمجرد السقوط، بل لأنه تجرأ على الحلم بـ “الخفة” في عالم محكوم بالثقل والتبعية. ولهذا فلطيف الذي يريد الصعود للسطح ليهرب من المطاردين، يخشى السقوط مجدداً. هذا “الدوران السيزيفي” يعكس حال الفرد في المجتمعات المنغلقة، حيث الهروب من السجن يؤدي غالباً إلى سجن أكبر، وحيث الحلم بالحرية ينتهي بارتطام عنيف بالواقع.

كما يتجلى البعد السيزيفي في المسرحية من خلال محاولات لطيف المتكررة للاتصال بالعالم الخارجي. إن اتصاله بالشرطة، وطلبه للنجدة من “رقم مجهول”، هو تكرار للفعل العبثي الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانكشاف.

“ألو.. ألو.. هل تسمعني؟ أنا في خطر.. من أنا؟ أنا لطيف”.

هذا النداء الوجودي يذكرنا بصرخة “سيزيف” وهو يرى صخرته تتدحرج نحو القاع. في المجتمعات المنغلقة، تتحول “الشرطة” من جهة حامية إلى جهة “ساخرة”، لتظهر لغة النص متفوقة في قدرتها على تجسيد “العبث الوجودي”. و هو قمة الكوميديا السوداء. لطيف يستغيث بالشرطة، لكن الرد يأتي ساخراً، ممعناً في إذلاله: “هل أنت لطيف مثل اسمك؟”. هذا الغياب للمنقذ هو السمة الأساسية للديستوبيا المعاصرة، فالمؤسسات التي يُفترض بها حماية المواطن هي ذاتها التي تلاحقه أو تسخر من استغاثته. السلطة البوليسية هنا ليست مجرد رجال بمسدسات، بل هي “ثقافة” تغلغلت في الأسلاك وفي أصوات الهاتف، مما يجعل الفرد يشعر بـ “البارانويا” المطلقة، فكل رقم مجهول هو تهديد، وكل ظل هو مخبر، وكل كاميرا في شوارع المدينة هي عين “السلطة” التي تحصي عليه أنفاسه المكتومة.

تحتوي المسرحية على إسقاطات فلسفية عميقة حول “الخروج عن السرب”. لطيف، في طفولته، لم يرد أن يكون طيراً، بل أراد “فعل الطيران” ذاته ، أي الانعتاق من القوانين الجبرية. في مدينة تحكمها سلطة بوليسية، يصبح “الحلم بالحرية” عملاً تخريبياً. الكاتب يصور الحرية هنا كـ “خطيئة أولى” يعاقب عليها الأب (الرمز البطريركي) والمطاردون (الرمز البوليسي).

إن “حلم السطح” هو اليوتوبيا المجهضة، فالسماء التي يراها (لطيف) من هوة الهيكل هي سماء “مصادرة”، سماء “ليست له”. هذا العنوان يمثل قمة التكثيف الدرامي، فهو إعلان عن ملكية السلطة للفضاء العام والخاص، وحتى للخيال. وتتجلى براعة (هوشنك وزيري) في تحطيم المفهوم الرومانسي للسماء بوصفها فضاءً مشاعاً للحرية، ليحل محلها مفهوم “السماء السيادية”. في هذه المسرحية، لم تعد السماء ذلك الأفق المفتوح، بل تحولت إلى ملكية حصرية للسلطة بمختلف تمظهراتها. إن السماء هنا تخضع لعملية “خصخصة” قسرية، فهي ملك للسلطة البوليسية التي تراقبها بالكاميرات والعيون غير المرئية، وهي أيضاً إقطاعية للسلطة الأبوية التي تمارس “الانتقائية الوجودية”.

​إن ذهنية الكاتب ، كما تتجلى في مساراته الإبداعية، تميل دوماً نحو تعرية الوجع الإنساني وتصوير الشخصيات وهي في أقصى حالات استلابها. في “السماء ليست لك”، يصل (وزيري) إلى ذروة نضجه الفني عبر تحويل “فعل الطيران” إلى استعارة سياسية كبرى. المدينة المزروعة بالكاميرات لا تترك مساحة للخصوصية أو للحلم. (لطيف)، الذي يركض في النهاية نحو السطح، لا يفعل ذلك لأنه وجد طريقاً للنجاة، بل لأنه يفضل “السقوط الحر” على البقاء في قبو الذل. هذا هو جوهر “الرؤية الوجودية الداكنة” في المسرحية، فالسقوط هو الفعل الوحيد المتبقي لإثبات الذات في مواجهة آلة سحق الإنسان.

​ومن جانب آخر، تتضح الحرفية العالية في استخدام سيمياء “الضوء والظلمة”. الهاتف الذي ينفد شحنه هو رمز للروح التي تتلاشى تحت وطأة المراقبة. مع كل مكالمة فاشلة، يخسر (لطيف) جزءاً من ضوئه، ومع وصوله للطابق الأخير، ينطفئ الهاتف تماماً، ليعلن عن غياب “المنقذ التقني” وتفرد الإنسان بمصيره المظلم. هذا البناء الجمالي يضعنا أمام نص “حداثوي” يتجاوز مسرح العبث التقليدي ليلامس “واقعية سحرية سوداء” تعبر بدقة عن معاناة الفرد في مواجهة السلطات الشمولية التي تخنق الأنفاس وتزرع “التراوما” في عمق النسيج النفسي.

​إن التمعن في علاقة (لطيف) بـ “السطح” يكشف عن يوتوبيا مجهضة ومصادرة،  فالسطح الذي كان ملاذاً في الطفولة أصبح في الكهولة منصة للارتطام. فلسفة (وزيري) هنا تذهب نحو اعتبار أن المجتمعات المنغلقة لا تكتفي بقمع الحاضر، بل تلوث الذاكرة أيضاً. (لطيف) لا يستطيع تذكر السطح دون تذكر الألم، ولا يستطيع النظر للسماء دون سماع صوت (مام عولا) المحذر. هكذا تتحول السماء من فضاء للانعتاق إلى “طوق” يحيق بالرقاب، وتتحول الطيور من كائنات ملهمة إلى شهود على العجز البشري. المدينة التي يسكنها لطيف هي “بانوبتيكون” (Panopticon) معاصر، حيث الجميع مراقب، والجميع ملاحق بذنبه الأصلي: الرغبة في أن يكون حراً.

المسرحية هي بيان سياسي غير مباشر يدين الأنظمة التي تحول مواطنيها إلى “جرذان” مذعورة في هياكل خاوية. إن “الهيكل غير المكتمل” هو استعارة للديمقراطيات المشوهة، والمشاريع القومية الفاشلة، والمدن التي تُبنى من الحجر وتفتقر إلى البشر. المطاردون الذين “يريدون قتله” ربما لا وجود لهم إلا في ذهنه المسموم بالخوف، وهذا هو “النجاح الأعظم” للسلطة البوليسية: أن تجعل السجان داخل رأس السجين.

تنتهي المسرحية بركض لطيف نحو السطح، في حركة دائرية تعيد إنتاج المأساة. إنه يهرع نحو “اليوتوبيا” التي كسرته، هرباً من “الديستوبيا” التي تخنقه. الإظلام النهائي في النص ليس مجرد تقنية مسرحية، بل هو “عدمية بصرية” تعلن انسداد الأفق.

“السماء ليست لك” هي صرخة الكائن المستلب في برية العالم المعاصر، حيث تصبح الذاكرة عبئاً، والجسد زنزانة، والحرية مجرد سقطة جسدية تترك ندوباً لا تندمل. إنها مسرحية تنبش في “رماد الروح”، لتؤكد أن الانعتاق في ظل السلطات القمعية هو “انتحار شجاع”، وأن السماء ستبقى بعيدة المنال ما دام “الواقع التحتي” مسكوناً بظلال الآباء الطغاة وبنادق الحراس المجهولين.

ففي هذا النص، يغدو السقوط هو الحقيقة الوحيدة، والتحليق هو الوهم الأجمل، وبين الحقيقة والوهم، ينزف (لطيف) إنسانيته الضائعة في هيكل لا يكتمل أبداً، كأنه “الشرق” في أبهى تجليات انكساره.

​ختاماً، تجيء مسرحية “السماء ليست لك” كبيان صارخ ضد مصادرة الأجنحة البشرية. إنها دراسة في أنثروبولوجيا القمع، حيث الغرفة هي القبر، والسطح هو المقصلة، والسماء هي الفضاء المحرم. من خلال رحلة لطيف الانكسارية، يقدم (هوشنك وزيري) تشريحاً دقيقاً لبنية المجتمعات التي تقتل أطفالها مرتين: مرة حين تمنعهم من الحلم، ومرة حين تعاقبهم على السقوط. وتظل صرخة لطيف الختامية هي صرخة جيل كامل وجد نفسه في هيكل بناء لا يكتمل، يبحث عن سماء قيل له يوماً إنها له، ليكتشف في النهاية أنها مجرد سقف من الإسمنت المسلح بالرعب والأسلاك الشائكة. إن القيمة الفكرية والجمالية لهذا النص تكمن في قدرته على تحويل اليأس إلى معرفة، والتحطم إلى شهادة، ليظل (لطيف) شاهداً أبدياً على عبثية الحلم بالحرية في ليل السلطة الذي لا ينتهي، حيث تظل السماء بعيدة، وحيث يظل الارتطام هو الحقيقة الوحيدة الملموسة.


*كاتب ومخرج مسرحي

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق