«جاكراندا» أو تراجيديا الصوت المعطّل: هل اصواتنا مسموعة؟؟ هل مازال الصعود ممكنا؟

د. فوزية ضيف الله

تندرج مسرحية «جاكراندا نص لعبد الحليم المسعودي، إخراج نزار السعيدي، ضمن أفق التراجيديا المعاصرة التي لا تشتغل على الحدث بقدر ما تشتغل على المأزق الوجودي للذات الحديثة. فالعمل لا يستعيد المأساة في بعدها الكلاسيكي، القائم على الصراع الخارجي، بل يعيد تأسيسها من داخل فضاء يومي شديد الابتذال: مركز نداء. غير أن هذا الفضاء سرعان ما ينقلب، داخل الرؤية الدرامية والإخراجية، إلى بنية رمزية كثيفة تحتضن القلق، وتؤثث الانتظار، وتكشف عن انسداد الأفق بوصفه قدرًا جماعيًا.

يتحوّل «مركز تانيت» من فضاء للتواصل الوظيفي إلى مجاز عن القطيعة العميقة بين الإنسان وذاته. فالأصوات التي يُفترض أن تعبر نحو الآخر، ترتدّ إلى الداخل، لتفضح خواء العلاقة، وفراغ اللغة، واستحالة البوح الحقيقي. هنا لا يعود الصمت نقيضًا للكلام، بل شكلاً من أشكاله الأكثر قسوة: صمت ناطق بالعطب، ومثقل بتاريخ من القهر المؤجَّل.

ولا تقف «جاكراندا» عند حدود التشخيص الاجتماعي لأزمات البطالة والهشاشة المهنية، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة المعنى نفسه داخل عالم فقد مبرّراته. الشخصيات لا تعاني فقط من غياب العمل المستقر، بل من غياب الأفق الرمزي، من تعذّر الانتماء، ومن تآكل الثقة في المستقبل. إننا أمام ذوات معلّقة بين ذاكرة مثقلة بالخسارات، وحاضر مستنزف بالانتظار، ومستقبل لا يُرى إلا بوصفه عتمة.

الفضاء استعارة كبرى للتيه:

تتدرج الاضاءة في “جاكارندا” بين العتمة الكثيفة والوميض الخاطف، كأنها تترجم الصراع بين الوعي واللاوعي، بين الرغبة في الانكشاف والخوف من الحقيقة. الألوان الحمراء والخضراء لا تؤدي وظيفة إشارية فقط، بل تُحيل إلى منطق الانتظار القسري: توقّف، ثم توقّف آخر، بلا عبور. الإضاءة هنا تفكر، تتردد، وتتعذب مثل الشخصيات تمامًا.

الأجساد داخل الفضاء السينوغرافي تتحرك وفق هندسة قَلِقة، قائمة على الاحتكاك والارتداد والانكسار. لا تمشي الشخصيات بثبات، بل تتعثر في الفراغ، كأن الركح نفسه يقاومها. هذا الاشتباك بين الجسد والمكان يُنتج توترًا بصريًا دائمًا، ويمنح الحركة بعدًا وجوديًا، حيث يصبح الجسد كائنًا محاصرًا داخل معمار رمزي خانق، لا يُتيح له سوى الدوران في حلقة مغلقة من القلق والأسئلة.

أما العلاقة بين السينوغرافيا والنص، فهي علاقة جدل لا تبعية. نزار السعيدي لا يزيّن القول بالفضاء، بل يضع الفضاء في موقع التفكير الفلسفي ذاته. تفكر السينوغرافيا في “جاكارندا” خارج المركز، مثل النص تمامًا؛ هي حلم ميتافيزيقي غير مفصّل، هشّ، ومعلّق بين الظهور والاختفاء. إنها ليست ديكورًا، بل كتابة بصرية للنداء، نداء السؤال المفتوح: ماذا بعد هذا التعليق؟ ومتى يبدأ الصعود الحقيقي؟

جاكراندا…الصبارة

هي صبّارة تقاوم العتمة والضباب. كائن نباتيّ تعلّم كيف يعيش في نقص الضوء، كيف يختزن الحياة في قلب القحط. تقف في بهوٍ بارد، أمام مصعد لا يصعد. مصعد معلّق بين احتمالين: الأحمر والأخضر، بين التوقّف والانطلاق، بين المنع والوعد. لكنّه لا يختار. يراوح مكانه، كما يراوح الجميع داخل زمن معطوب لا يتقدّم ولا ينهار كليًّا.

«جاكرندا» هي تفكير خارج المركز، خروج هادئ من منطق الاصطفاف، من يقين الاتجاه الواحد. لا تقترح طريقًا جاهزًا، ولا تنتمي إلى خرائط واضحة. إنّها حلم ميتافيزيقي غير مفصّل، حلم بلا ملامح مكتملة، بلا برنامج، بلا وعد صريح. فقط رغبة غائمة في العبور من هذا الثقل إلى ما لا يُعرَف.

وهنا يتشكّل مركز النداء: نداء ماذا؟

ليس نداء الخلاص، ولا نداء الحياة، ولا نداء الهوية. إنّه نداء الفراغ حين يكتشف فجأة أنّ له صوتًا. نداء ما تبقّى فينا حين تسقط المعاني الكبرى واحدة بعد أخرى. نداء الكائن وهو يقف وحيدًا أمام المصعد المعطّل، لا يسأل إلى أين يصعد، بل يسأل: هل ما زال الصعود ممكنًا؟

مركز النداء في «جاكرندا» ليس مكانًا، بل ارتجافة. ليس فكرة مكتملة، بل شرخ في اليقين. هو نداء الهشاشة وهي تطلب حقّها في الوجود، نداء الصوت قبل أن يصير خطابًا، ونداء الحلم قبل أن يُفصَّل في مشروع. لذلك يظلّ النداء هنا بلا اسم، لأنّ كلّ تسمية تُغلقه، وكلّ تفسير يطفئ رعشته. هو نداء الخارج عن المركز، نداء الهامش حين يرفض أن يبقى صامتًا، نداء العابرين بين الأحمر والأخضر، الذين لم يُسمَح لهم بالمرور، ولم يُعلَن عن موتهم.

في هذا البهو، حيث لا حركة حقيقيّة ولا وصول، تصير «جاكرندا» شاهدًا صامتًا على الانتظار. انتظار بلا نهاية، وبلا أمل واضح. هي لا تزهر لتُبهِج، بل لتقاوم. لا تقف لتُرى، بل لتثبت أنّ الحياة، في عنادها الصغير، يمكن أن تظلّ واقفة حتى حين يتعطّل الصعود.

الرؤية الإخراجية:

أما الرؤية الإخراجية، فتشتغل على تحويل المكان إلى بنية مأساوية مغلقة، حيث الزمن لا يتقدّم بل يتكرّر، والحركة لا تقود إلى الانفراج بل إلى مزيد من الدوران داخل القلق. الشخصيات لا تحكي لتُشفى، بل تحكي لتُحاكم: تحاكم ذاتها، ونظامها الاجتماعي، ووهم التواصل الذي تحمله التقنيات الحديثة. هكذا يصبح مركز النداء محكمة رمزية، يُستدعى فيها الإنسان لمساءلة هشاشته وعجزه.

ويتكرّس البعد الرمزي للعمل عبر علامات بصرية وصوتية ذات كثافة دلالية عالية، من بينها الطاووس ولسان الصمت المقطوع، بوصفهما علامتين على انهيار الكبرياء، وعجز اللغة عن إنجاز فعل التغيير. فاللغة هنا لا تؤسّس المعنى، بل تكشف عجزه، ولا تحرّر الذات، بل تفضح حدودها القصوى.

ضمن هذا الأفق، تُقدَّم «جاكراندا» بوصفها نصًا وجوديًا لجيل مأزوم: جيل وُلد داخل الشك، وتكوّن داخل الفراغ، ويعيش اليوم تمزّقًا عميقًا بين الرغبة في الصراخ والخوف من العدم. إنها مسرحية تُنصت إلى الصمت أكثر مما تُنصت إلى الكلام، وتكتب المأساة من داخل اليومي، لا من خارج التاريخ.

تقوم الرؤية الإخراجية لنزار السعيدي في “جاكارندا” على قطيعة واعية مع منطق المركز، سواء في بناء الصورة الركحية أو في توزيع الكتل الدرامية داخل العرض، إذ لا يمنح الإخراج أي نقطة ارتكاز ثابتة يمكن للمتفرّج أن يطمئن إليها، ولا يعوّل على شخصية محورية تقود الحكاية، بل يشتغل على تشظي الفعل وتفتّت المعنى وتوزّع الثقل الدرامي على أجساد قلقة، متوترة، بلا يقين. الركح في هذا التصور لا يُبنى كمكان واقعي ولا كفضاء تمثيلي مباشر، بل كحالة ذهنية مفتوحة، كفراغ دالّ، تتحرك داخله الأجساد كأنها تبحث عن معنى يتفلّت منها باستمرار. كل عنصر في الفضاء الضوء، الحركة، الصمت، الإيقاع – يخضع لمنطق هشّ، متكسّر، يرفض الانتظام، ويؤكد أن القلق هو البنية العميقة التي يقوم عليها العرض.

يعامل نزار السعيدي الجسد الممثل لا كأداة أداء تقني، بل كذاكرة مثقلة بالخذلان، وكوثيقة حيّة لانكسارات الذات المعاصرة، حيث تصبح الحركات مترددة، غير مكتملة، مشدودة بين الرغبة في الانفجار والعجز عن الاكتمال، وكأن الجسد نفسه يعاني من عطب داخلي يعكس تصدّع المعنى في العالم. أمّا الصوت فلا يُستثمر بوصفه حاملًا للخطاب الواضح، بل يتحوّل إلى صدى داخلي، إلى رجّة سمعية، إلى اهتزاز يسبق المعنى أحيانًا أو يأتي بعده، في تكريس دائم لحالة الالتباس، حيث لا يعود الكلام أداة يقين بل علامة ارتباك.

ان الإيقاع بدوره جزء جوهري من هذه الرؤية التفكيكية فهو لا يستقر، يتسارع فجأة، ثم يتباطأ حدّ التوقف، ويقاطع نفسه بالصمت، ليصنع توتّرًا دائمًا في التلقّي، ويُبقي المتفرّج في حالة عدم توازن مستمر. هذا الإخلال المقصود بالإيقاع ليس خيارًا تقنيًا معزولًا، بل يعبّر عن موقف فلسفي واضح: الوعي في “جاكارندا” لا يولد من الانسجام، بل من القلق، من الخلل، من الانكسار.

وفي هذا السياق، لا تُستثمر “جاكارندا” بوصفها شجرة أو صورة شاعرية عابرة، بل تتحوّل إلى تصوّر إخراجي كامل: كائن ينمو خارج النظام، جمال هشّ، لون لا يستقر، ازدهار عابر في عالم قاسٍ، وهو ما يجعل العرض بأكمله ينحاز إلى الهامش بوصفه موقعًا جماليًا وفكريًا، لا موقع ضعف. هكذا لا يقدّم نزار السعيدي عرضًا يسعى إلى الإقناع أو الإمتاع المريح، بل يبني تجربة ركحية تُربك، تُقلق، وتُزعزع يقين المتفرّج، وتدفعه إلى التفكير من خارج المركز، ومن خارج الأجوبة الجاهزة.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة إخراج “جاكارندا” إلا بوصفها مشروعًا جماليًا ضد السكون، وضد السلطة البصرية، وضد المعنى المغلق، حيث يتحوّل الركح إلى مختبر للشك، وتتحوّل الفرجة إلى امتحان وجودي، لا إلى لحظة استهلاك عابر.

«جاكراندا» ليست مجرد مسرحية عن العمل والبطالة، بل هي تمثيل تراجيدي لانكسار المعنى، وتعليق الحلم، واستحالة التواصل الحقيقي في عالم يتكلّم كثيرًا، لكنه لا يُصغي.

Related posts

روميو وجوليت .. مغزى الحب عبر لعبة الضوء والعتمة

GREASEPAINT مونودراما “الماكياج المسرحي”مزج هارموني بين الڤودﭬيل والكابوكي على خشبة مسرح “ليريك اللندني”

بمدينة الفنيدق مع ورشة الصوت والإلقاء