تهافت النقد وموت الناقد واشياء أخرى

حيدر عبدالله الشطري

يُلاحظ في المشهد المسرحي المعاصر بروزُ ظاهرةٍ مقلقة يمكن توصيفها بانحدار الممارسة النقدية إذ تراجعت الكتابة النقدية من كونها فعلاً معرفيًا مُؤسّسًا على منهجٍ تحليليٍّ صارم إلى مجرد انطباعات لحظية تُسجَّل مباشرة بعد المشاهدة.

لقد تحولَ النقد، في كثير من الحالات إلى سردٍ سريعٍ لما يراه الكاتب على الخشبة مقرونٍ بزخرفة لفظية خالية من الرؤية وكأنها ملاحظات عابرة تُسطّر على هامش العرض بعد أن كان النقد في جوهره يُضيء النص والعرض معًا ويكشف طبقاته الجمالية والفكرية.

إن ما يُنشر اليوم تحت عنوان (قراءة نقدية) لا يتجاوز في معظم الأحيان حدود الوصف المباشر أو الإشادة العامة حيث يُغيّب الكتّاب المنهج العلمي والرؤية التحليلية لصالح الارتجال والانطباعية وبهذا يُجرَّد النقد من وظيفته الأساسية بوصفه أداة للاستقصاء والتفكير عندما يُمارس فعل التأويل لمجرد إعادة القول.

إن النصوص النقدية التي لا تتجاوز السطح إلى العمق ولا تنتقل من ظاهر الصورة إلى بنية الفكرة تُسقط البعد البحثي للنقد وتختزله في دور الشاهد الذي يروي ما رأى دون أن يُقارب ما لا يُرى وما يتوارى خلف الظلال والإشارات.

فالناقد الحقيقي لا يقف عند حدود الإعجاب أو النفور، بل يُسائل العرض المسرحي مُفككًا بنياته:

لماذا…؟ وكيف أُنجز…؟ وبأي أدوات اشتغل المخرج…؟ وما البنية الفكرية التي يستند إليها النص…؟ وما المنظومة الرمزية التي تنهض عليها الرؤية الإخراجية…؟

مثل هذه الأسئلة لا تُولد من الحماس العاطفي، بل من إعداد معرفي وتمرين منهجي يُحوّل المشاهدة إلى بحثٍ تأويلي.

لقد أصبح النقد المسرحي في كثير من الأحيان ممارسة سهلة متاحة لكل من يمتلك حضورًا في فضاءات التواصل لا لكل من يمتلك أدوات التحليل وحسّ التمييز ولم يعد النقد ذلك الفعل المعرفي النبيل الذي يحفر في طبقات المعنى ولا ذلك البصر النقدي الذي يقرأ العرض بعين الباحث ويؤول بعقل الفيلسوف ويكتب بروح الشاعر وبهذه العودة إلى الانطباع والارتجال يُخسر المسرح مرآته الفكرية ويخسر النقد دوره التاريخي بوصفه ممارسة تستكشف لا تُكرر وتُفكك لا تُقلّد.

وفي ظل هذا التراجع تتفاقم خطورة ظاهرة التهافت النقدي مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي على المشهد إذ بات البعض يعتمد عليها في إنتاج مقالاتٍ نقدية جاهزة تُولِّدها الخوارزميات بسرعة لافتة وبذلك يتحوّل النقد إلى مجرّد وظيفة لغوية لا إلى ممارسة معرفية تأويلية تستند إلى حسٍّ ثقافي مركّب لا يمكن استعارة عمقه من برمجيات الكتابة الآلية فرغم ما قد يبدو في نصوص هذه الأدوات من رشاقةٍ لغوية وتنظيمٍ متقن فإنها تظلّ مفتقدةً للروح النقدية الحية لأنها لا تنبض بتجربة المشاهدة ولا تنطلق من فعل الفهم الكامن في تأويل العرض المسرحي.

إن النقد، في جوهره، ليس مجرد جملٍ مصقولة، بل قراءة معرفية للجمال والمعنى والسياق فالآلة مهما بلغت قدراتها في توليد النصوص لا تستطيع إدراك ما يتخفّى بين الصمت والحركة وبين الضوء والظل وبين الدهشة والسؤال فقد تُحسن الآلة بناء الجُمل وترتيب الفقرات لكنها عاجزة عن التقاط الوميض الإنساني الذي تتشكّل منه التجربة المسرحية ولا تمتلك الحس التأويلي القادر على صياغة الدلالات المتوارية خلف الصورة والصمت والإشارة.

وفي زمن السرعة والسطحية أصبح النقد متاحًا حتى لمن لم يقرأ كتابًا واحدًا في المناهج أو الجماليات فبضغطة زر يمكن لأي متفرّج أن يستعين بالذكاء الاصطناعي ليُنتج نصًا يبدو أنيقًا لكنه بلا جوهر نقدي انه وردة بلا عطر أو مرآة لا تعكس سوى سطح الوجه.

فالذكاء الاصطناعي مهما بلغت إمكاناته لا يمتلك تلك الحديقة السرية التي يسكنها الناقد الحقيقي حديقة التجربة والحدس والدهشة والقدرة على الربط بين الجمال والفكر.

إن النقد ليس منتجًا آليًا بل وعي إنساني يقظ يلتقط المعنى في لحظة توهّج المسرح ويعيد تشكيله في ضوء العقل ومن هنا ينبغي الحذر من تحوّل النقد إلى سلعة رقمية أو ممارسة لغوية فارغة من الحس التأويلي والعمق المعرفي.

إننا اليوم إزاء حالةٍ من التهافت النقدي تُهدِّد جوهر القيمة المعرفية للكتابة المسرحية الجادة إذ تُحيل النقد من فعل فكري مستنير إلى فقاعات لغوية تطفو على سطح الممارسة الفنية دون أن تلامس عمقها وتتجلى خطورة هذا النمط السطحي من الكتابة في إضعافه العلاقة الجدلية بين المسرح والناقد تلك العلاقة التي تقوم على الحوار والتباين والإضافة فعندما يغيب الناقد القادر على قراءة العرض في ضوء النظريات وتأمل ارتباطه بالإنسان والواقع يفقد المسرح مرآته الفكرية ويُحرم من مساءلته النقدية فيغدو مكشوفًا أمام ذاته بلا بوصلة معرفية.

إن تهافت النقد المعمول به الان يسلب المسرح مرآته الصافية فإذا تحوّل الناقد إلى مجرد مقلّد تلاشى الحوار الخلّاق بين العرض ومن يقرأه وغدا النقد صدى باهتًا لا يضيف شيئًا ومعهما تضيع القيم التي من أجلها وُجد النقد المسرحي وهي المساءلة والإضاءة والبحث عن الجمال بوصفه فعلاً أخلاقيًا ومعرفيًا في آن واحد ولا ينحصر أثر هذا التراجع في الضرر الذي يلحق بالناقد نفسه بل يمتد إلى المسرح بوصفه فضاءً فنياً لأنه يُضعف الحوار البنّاء بين العمل والمتلقي ويجرد المسرح من مرآته التي يرى فيها تطوره وأسئلته وعندما يتحوّل النقد إلى مدح مجاني أو تقرير لغوي بارد فإنه يُفرغ الفن من حيويته الفكرية ويجعل المسرح أسير صدى صوته لا حقيقة تجربته.

إن التحذير من هذا التهافت ضرورة وتذكيرٌ بأن النقد المسرحي ليس زخرفا لغويا بل مسؤولية فكرية وجمالية تجاه الفن والحياة وان استعادة قيمة النقد تبدأ بإعادة الوعي بوظيفته العلمية والجمالية وتحصين الكتابة النقدية بالمعرفة المنهجية والممارسة التأملية فالنقد المسرحي ليس تعليقًا عابرًا بعد العرض بل هو عرضٌ موازٍ في الفكر واللغة انه قراءة داخل القراءة وبحثٌ دؤوب عن الجوهر خلف المظهر.

فالمسرح الذي لا يُقرأ بعين ناقد حقيقي يفقد طريقه نحو التجدد والناقد العارف المتواضع أمام الجمال هو وحده القادر على تحويل الكتابة النقدية إلى امتداد معرفي للعرض لا مجرد صدى له وحده الناقد الذي يرى بعينٍ فاحصة ويفهم بقلبٍ يقظ هو من يستطيع أن يوقظ المسرح من غفلته ويعيد للكلمة هيبتها وللمعنى صداه الأصيل فالمسرح لا ينتظر من يصفّق له بل من يفكّ شفراته والنقد الحقيقي ليس تعليقًا لاحقًا بل ممارسة فكرية متوازية مع العرض ذاته.

إن مواجهة هذا التهافت تقتضي إعادة الاعتبار للنقد بوصفه علمًا وفنًّا في آنٍ واحد علمًا يستند إلى المناهج والقراءة الواعية وفنًّا يقوم على الذائقة واللغة والرؤية وحده هذا التوازن بين المعرفة والجمال الذي يمنح النقد صدقيته وعمقه فالمسرح في نهاية المطاف لا يحتاج من يصفه بل من يكشف رموزه ويضيء معانيه أما النقد الذي يُنتج بسهولة أو يُستعار من آلة فلا يعدو أن يكون ظلًا باهتًا لفعل كان يومًا يُسمّى تفكيرًا في الجمال.

لم يكن النقد المسرحي يومًا رأيًا أو إعجابًا عابرًا بل موقفًا معرفيًا وجماليًا يقوم على الفهم والتحليل والتفكيك وإعادة البناء إنه مشروع بحث مستمر لا ردّ فعلٍ لحظي وفي جوهره هو ممارسة معرفية تستند إلى أدوات بنيوية وجمالية وسيميائية وأنثروبولوجية وتتطلب خبرة بالمناهج ومقاربات نظرية تُدرج العرض في سياقه الثقافي والفني.

غير أن ما نشهده اليوم هو نقد بلا أدوات وكتابات تستبدل العمق بالزخرف وتتغافل عن مساءلة البنية الدرامية أو التكوين السينوغرافي أو البعد الرمزي ومن هنا فإن استسهال النقد لا يسيء إلى الناقد وحده بل يسيء إلى المسرح بوصفه فنًا جدليًا يُفترض به أن يستفز الفكر لا أن يُستهلك بلا تأمل.

لذلك ظهر إعلان (رونان ماكدونالد) عن موت الناقد ليس بوصفه قولًا عبثيًا أو صيحة في الفراغ بل بوصفه احتجاجًا واعيًا على ما آل إليه النقد ودوره لقد كان ذلك الإعلان بمثابة صفعةٍ موجّهة إلى المرآة المتكسرة التي تعكس حال النقد المعاصر والتي لا تُبرز سوى ظلال الكلمات ولا تمسك بروح العمل الفني ولا بتوتراته المعرفية فبدل أن ينصرف الناقد إلى تفكيك النصوص وتحليل بنياتها انشغل في كثير من الممارسات الراهنة بتفكيك ذاته بحثًا عن موطئ اسمٍ أو مكسب حضور ليغدو النقد ممارسة استعراضية ذاتية لا مشروعًا معرفيًا مؤسّسًا.

إن التهافت النقدي لا ينشأ من فقر التجربة المسرحية أو ضعفها بل من تراجع الحسّ الجمالي المغامر ومن غياب الجهد التأويلي القادر على مساءلة العمل وإعادة قراءته ومن ذوبان الناقد في السوق الثقافي الذي يُسَوّق الرأي كما تُسَوّق المنتجات الاستهلاكية فهي مُبهرة في ظاهرها سريعة في إنتاجها وخالية من الروح وهنا تُفقد الكتابة النقدية شرطها المعرفي الأساسي وتتحول إلى خطاب مُعلَّب لا يسائل الجمال ولا يختبر حدود التجربة الفنية.

لقد أراد ماكدونالد في نظريته عن موت الناقد أن يبيّن أن الناقد لا يموت بعطب أدواته بل حين يتوقف عن التساؤل وحين يكتفي بوصف ما هو مألوف ويتنازل عن دوره في إرباك النص قليلاً وفي جرحه بأسئلة تكشف طبقات المعنى فالنقد الذي لا يوقظ القارئ ولا يفتح مسارًا جديدًا للتأويل لا يُعيد الحياة إلى جوهر الفن وإنما يداعب سطحه ليرضي جمهورًا مُثقَلًا بالاستسهال والابتذال.

عند هذه اللحظة يموت الناقد لا بالاغتيال بل بالاستقالة الصامتة من دوره التاريخي في أن يكون ضمير الجمال لا وسيطًا بين النص وآليات الشهرة العابرة.

وفي زمن الحداثة أصبح النقد مرآةً مشروخة يرى من خلالها القارئ صورته المتعبة بينما يلوّح الناقد بظلّه المتعالي فوق النص وتحوّل النص الأدبي إلى ساحة صراع بين قارئٍ يسعى إلى اكتشاف نبضه الجمالي وآخر يتعامل معه بوصفه فرصة لفرض أنا متعالية تبحث عن الهيمنة الرمزية وبدل أن يكون النقد حوارًا معرفيًا مع العمل الفني صار في كثير من الممارسات المعاصرة عرضًا لسلطة المفاهيم أو محاولة للاستعراض داخل فضاءٍ ثقافي مكتظ بأصداء لغوية فارغة.

لقد احتاج مشروع الحداثة بما ينطوي عليه من سعي نحو التجديد وكسر القوالب إلى ناقد يغامر معرفيًا لا معلّمٍ يلوّح بمنطق الوصاية غير أنّ النقد ابتُلي في كثير من سياقاته بنماذج تحاكم النصوص وفق قوالب جاهزة أو تُسقِط عليها رغباتها في السيطرة فيتضاءل النص وتُمحى هوية المبدع بينما يعلو فقط صخب التأويل الذي ينتشي بذاته وهكذا ينحرف النقد عن وظيفته الأصلية بوصفه ممارسة معرفية تقود القارئ نحو اكتشاف البنية الجمالية والفكرية للعمل ويتحول إلى أداة لفرض سلطة المفكر لا لفهم تجربة الفنان.

والمأساة أن النقد بدل أن يكون بوصلةً للمتلقي صار غابة بلا مسارات نصوص تُدفن لأن ناقدًا لم يفهمها وأخرى تُرفع لأن ناقدًا أراد تلميع صورته ليست الحداثة التي تهزم الإبداع بل النقد الذي لا يرى في النص إلا مسرحًا لعرض أدواته المفاهيمية أو مساحة لتجريب مصطلحات متحجرة وكلما عجز الناقد عن الإنصات يموت نصّ صغير كان يمكن أن يصبح نصًا كبيرًا لأن قيمة العمل لا تتجلى إلا حين يجد قارئًا نقديًا قادرًا على تأويله لا ابتلاعه داخل منظومته الخاصة.

وبهذا تتكشف أزمة النقد التي لم تُولد من ضعف الإبداع بل من انحراف وظيفة الناقد عن دورها المعرفي فحين يتحول النقد إلى سلطة لغوية أو وسيلة لإثبات الذات يفقد الفن مرآته ويتحوّل النص إلى ضحيةٍ لقراءة متعالية لا تُنصت إلى نبضه الداخلي إن استعادة النقد بوصفه فعلًا تأويليًا يتأسس على الحوار والانفتاح والمنهجية هي الطريق الوحيدة لإعادة الاعتبار للمسرح فالعمل المسرحي لا ينهض بالتصفيق أو الزينة المفهومية بل بالناقد الذي يرى فيه ما يستحق أن يُفهم لا ما يمكن أن يُستثمر.

Related posts

روميو وجوليت .. مغزى الحب عبر لعبة الضوء والعتمة

GREASEPAINT مونودراما “الماكياج المسرحي”مزج هارموني بين الڤودﭬيل والكابوكي على خشبة مسرح “ليريك اللندني”

بمدينة الفنيدق مع ورشة الصوت والإلقاء