الهاربات: خشبة المسرح كمحطة انتظار وإعادة طرح الأسئلة الكبرى – حوار مع وفاء الطبوبي

حوار خاص بموقع الخشبة

حاورها : حاتم عوده

في المشهد المسرحي التونسي والعربي، برز مؤخرا  اسم وفاء الطبوبي كواحد من أبرز الأصوات الإخراجية التي اختارت أن تجعل من خشبة المسرح  فضاءً للتفكير والاشتباك مع قضايا الإنسان المعاصر. أعمالها ومنها الارامل – اخر مرة – الهاربات ..  تنفتح على أسئلة وجودية واجتماعية عميقة، تجعل المسرح فعل تساؤل دائم .

 من خلال مسرحيتها الجديدة ( الهاربات ) والحاضرة معنا في مهرجان المسرح العربي في دورته 16 .. تواصل الطبوبي مشروعها الفني الذي يضع المرأة والعمال والفئات المهمشة في قلب الحدث،  في محاولة لتفكيك هذا الواقع وإعادة صياغته بلغة بصرية ودرامية آسرة

في هذا الحوار، تفتح لنا المخرجة وفاء الطبوبي أبواب عالمها الإبداعي، لتحدثنا عن دوافع الكتابة والإخراج، عن التحديات الجمالية التي واجهتها في صياغة العرض، وعن رؤيتها لدور المسرح العربي اليوم في مواجهة الأزمات الاجتماعية والسياسية، وكذلك عن حضور المرأة في المشهد المسرحي،

إنه لقاء يضيء جوانب من تجربة مسرحية ثرية، ويمنح القارئ فرصة للتعرف على رؤية فنانة جعلت من المسرح وسيلة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمجتمع

أستاذة وفاء طبوبي أولا حمد الله على  سلامة وصولك مع فريقك الى القاهرة  

وفاء: يعيشك..

سؤال 1 – ما الذي دفعكِ إلى كتابة وإخراج الهاربات؟ وهل كانت فكرة الهروب رمزًا أم تجربة شخصية؟

وفاء: – عادة لا أقرر ان أكتب ولا أختار هناك شيء يحرك القلم ويداعب الفكر يجعلني أكتب ولا يمكن ان تحيا الكلمة المسرحية دون الصورة والإخراج فهذا يدفع ذاك انا لا أقرر بقدر ما ان الفكرة تجتاحني وتسكنني حتى اكتبها وأخرجها للتخلص والتحرر منها .

سؤال 2 – اذن كيف وُلدت فكرة مسرحية ‘الهَارِبات’؟ وهل كانت هناك قصة واقعية أو تجربة شخصية وراء هذا العمل؟

وفاء: – أنا أذهب الى العمل كل صباح باكرا..  انا في الحقيقة لست منفصلة عن عالمي و عن مجتمعي لكن شدني مشهد جميل لحشد من العمال يتحركون في تناسق وانسجام دون إخراج و لا تزيين …  فعل طبيعي حقيقي خلق من الفعل الحي الآني هو صنيعة التعود فأعجبني وبدأت رحلة الكتابة والبحث و الاطلاع على هذا العام الجديد بسحره ومشاقه.. لاحظتُ، تساءلتُ، ومع الوقت كتبتُ الهاربات

كان السؤال المؤسس لماذا نستيقظ كل يوم للذهاب  الى العمل؟ …أي دوافع أكبر من لقمة العيش تجعل شخصا ما يغادر فراشه الدافئ فجرا ليذهب إلى العمل؟

سؤال 3 -جميل جدا هذا التساؤل  .. ولكن لنذهب الى العنوان .. الهاربات عنوان  يحمل دلالة قوية…  وعليه نتسائل  .. هل ‘الهروب’ هنا هو فعل استسلام أم تمرد ؟ وكيف تعاملتِ مع هذه الثنائية دراميًا ؟

وفاء : – في «الهاربات»، الحديث عن الهروب هو في العمق حديث عن اللجوء. ليس كل هروب هو فعل فيه خوف فالهروب إلى هو وعي وذكاء واختيار واعي ومسؤول  لا استسلام … الفعل هنا وجهان لعملة واحدة تخضع لمقياس الزمان والمكان ، والرهان فيه إيجاد مسارات للنجاة بالذات

في الهاربات يبرز سؤال  الحق والواجب كركيزة لحياة عادلة

في الختام كما تشير هانا أرندت* :”اللجوء اختبار للإنسانية وحق في الوجود السياسي والاجتماعي”، تتحول تجربة الشخصيات إلى نموذج فلسفي نقدي يربط بين الفرد والمجتمع والكونية، ويؤكد أن الهروب واللجوء هما فعلان مترابطان، يحملان في طياتهما مسؤولية ووعيًا بالحرية والعدالة والمواطنة

سؤال 4 – اذا كان الهروب هنا يعبر عن وعي وخيار.. اذن كيف تفسرين حالة الانتظار التي يعيشها أبطال المسرحية؟ هل هي انعكاس لواقع اجتماعي أم طرح فلسفي ؟

وفاء : – هنا الاثنان معا ..هو واقع عالمي .. نحن كلنا نعيش حالة الإنتظار …  ننتظر الحلول .. ننتظر السعادة …  ننتظر الغائب.. ننتظر الوهم.. كلنا في حالة انتظار .. كلنا ننتظر .. ونهدر الزمن والطاقة والعمر في حالة الانتظار دائما فيمر العمر دون قدوم المنشود … فمن اخطأ الذي ينتظر أم المنتظر المنشود ؟

سؤال 5  – اذا كان الانتظار يشملنا جميعا .. لماذا اذن اخترتِ أن تكون شخصياتك نسائية بالأساس مع حضور رجل واحد؟

وفاء:  – تحاكي المسرحية فئة العمّال

وبالعودة إلى الإحصائيات العلمية والمثبتة ان فئة النساء أكثر من الرجال خاصة في الأعمال الهشة التي تفتقر إلى التأمين الصحي، ووسائل التنقل، والإحاطة الاجتماعية، والعدالة في الأجور بين الجنسين، أو المقاربة بين عدد ساعات العمل وثقله مقابل أجره، نجد أن الفئة الأكثر حضورًا في هذا الإطار هي فئة النساء

سؤال 6  – بالعودة الى العمل على الخشبة … ما هي التحديات الفنية الأكبر التي واجهتكِ في نقل قصة ‘الهَارِبات’ إلى الخشبة ؟ وكيف تعاملتِ مع عناصر مثل الإضاءة، الموسيقى، أو الفراغ المسرحي  لتعزيز الحكاية ؟

وفاء : – قد تكون أكبر التحديات الفنية والجمالية في هذه العملية هي الصراع الذي يدور بين أنا الكاتبة وأنا المخرجة. في الواقع، هو صراع داخلي لا أعبر عنه عادة بصوت عالٍ، كي لا أشارك الممثل هذه الحيرة أحيانًا عند التخلي عن جزء من النص أو إعادة ما تم التخلي عنه سابقا لكن يتم تجاوز ذلك سريعا من أجل الصورة النهائية للعرض

وأحيانًا أنفرد مع” أنا السينوغراف” لأحرر “أنا الكاتبة “من جديد وأشغلها عن النص المكتوب بكتابة الفضاء وتقسيماته، وتحميله خطابًا يساوي أو يتجاوز خطاب النص والخطاب الحركي الذي لا يقل قيمة عن المنطوق، لكنه لا ينفصل عنه فالكل في خدمة العرض والفكرة والخيارات الجمالية  ليكون الديكور وسيلة سردية بحد ذاته، وفي “الهاربات” جاء رمزًا

أما الموسيقى والإضاءة، فقد تجاوز حضورهما معنى المتممات، بل أصبحا المحرك الرئيسي لمسار الفعل، ولضبط إيقاعه ومكانه. وأداتي في ذلك دائما وأبدا الممثل فهو اداة للكتابة الركحية من خلال إلباس الشخصية وتبنيه النص ليكون العنصر الرابط والمهم في بناء الفعل الدرامي وإظهار الجماليات التي تم اختيارها سابقا … فإدارة الممثل هو الرهان الذي يأخذ العمل معه اكثر وقت وتدريبات لتجهيز الممثل لهذه الرحلة رحلة خلق عوالم الشخصية وتحويل المنطوق من كلام على ورق لفعل حي على الركح

سؤال 7  – شخصيات ‘الهَارِبات’ نسائية في الغالب. كيف عملتِ مع الممثلات على تطوير أدوارهن لتبدو شخصيات عميقة ومتعددة الأبعاد، وليس مجرد تمثيل لصورة نمطية؟

وفاء: – أولًا، بما أن شخصيات “الهاربات” جاءت في الغالب نسائية، كان الحديث عن ضرورة اختيار هذا التوجه الفني، ومع أن الطرح الأساسي أساسه القضايا الشغلية والعمالية، جاءت المسرحية بخمس غريبات وسادسهم رجل

أما في نقطة الأداء وإدارة الممثل في علاقته بالصور النمطية، كان المنطلق هو تعزيز وتحفيز الوعي الذاتي والجماعي بها

في المقابل، كان النمط محور الاشتغال باعتباره الحقل الحاضن لملامح الشخصيات، فهي شخصيات نمطية في حضورها وتحمل ذات النمط البصري، النمط السلوكي، النمط اللغوي، والنمط الاجتماعي

شخصيات “الهاربات” لا تختلف في جوهر تكوينها عن النمط التونسي والعربي والعالمي، ففئة العمال ليست حكرًا على مجتمع دون غيره، والحركة الشغلية والنقابية تخضع لمنطق واحد:العولمة

في أغلب المصانع، هناك نمط سلوكي مشترك ومتكرر. والسلوك الذي جمع “الهاربات” لم يكن مجرد انتظار الحافلة في محطة مع الفجر، بل في الخوف المشترك من العقوبات المحتملة نتيجة الغياب عن الدوام وهو نمط أعمق من الشكل الظاهر

كما تم توجيه الممثلات ومساعدتهم لإجراء معاينة وبحث ميداني داخل حقل النمط للإطلاع والاكتشاف، بينما تكون إدارة الممثل مبنية على ثقل وعيه وتنوع آلياته في بناء الشخصية دون الوقوع في التقليد، بل الحفر في الخلق والاستثناء داخل منظومة ومنهج  أدائي محدد أشتغل عليه منذ سنوات

سؤال 8 – هل كان هناك حوار أو مساحة لتطوير النص مع الممثلات خلال البروفات؟ وكيف أثر هذا على النص الأصلي؟

وفاء: –  بالضرورة، للممثل مساحته الخاصة في التلقي والقراءة وفهم الشخصية

الممثل ليس مطالبًا بإيجاد أو تطوير منطوق الشخصية على مستوى النص، بل هو مطالب بتطويع جسده وذاكرته وعاطفته لهذا المنطوق والبحث في الأبعاد الشخصية

لا توجد مساحة للارتجال كوسيلة للكتابة ولا أعتمد هذا المنهج في عملي فالنص يسبق التمارين

الحالة الوحيدة التي أقبل فيها تغيير أو تطوير معنى ما في النص هي للضرورة الجمالية

سؤال 9 – هل ترين أن المسرح ما زال قادرًا على إحداث التغيير أم أصبح مجرد فضاء للتأمل؟

وفاء: – لا أرى تعارضًا بين التغيير والتأمل. فالتأمل العميق هو بداية كل تحوّل. المسرح لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه يغيّر الإنسان، والإنسان هو من يشكل العالم ويضبط نظام العيش داخله …وخارجة

. قوته اليوم تكمن في زعزعة اليقين، وفي خلق لحظة وعي صادقة قد ترافق المتفرج طويلًا بعد مغادرته القاعة

سؤال 10  – كيف تنظرين إلى حضور المرأة في المسرح العربي، سواء على مستوى الإبداع أو التلقي؟

وفاء: – حضور المرأة في المسرح العربي بات أكثر  ووضوحًا رغم الكم من الصعوبات والتحديات والإقصاء  لكنها تخوض معركة صنع الفرجة المسرحية   جنبا لجنب مع الرجل . المرأة اليوم لا تكتفي بأن تكون موضوعًا على الخشبة، بل صارت صوتًا، رؤية، وخيارًا جماليًا وفكريًا. أما على مستوى التلقي، فالمرأة متفرجة واعية، ناقدة، وقادرة على قراءة العمل من زوايا متعددة، وهو ما يثري التجربة المسرحية ككل. ليس هنالك مسرح دون المرأة ولن يكون .

سؤال 11  -هل تفكرين في التعاون مع فرق مسرحية خارج تونس؟

وفاء: – نعم، التعاون مع فرق مسرحية خارج تونس يظل خيارًا مفتوحًا ومغريًا، خاصة حين يكون قائمًا على تبادل حقيقي للتجارب والرؤى، لا على الاستهلاك السريع. المسرح بطبيعته عابر للحدود، وأؤمن أن الحوار مع الآخر يوسّع أفق التجربة ويمنحها بعدًا إنسانيًا أعمق

سؤال 12 -كيف تتصورين مستقبل المسرح التونسي والعربي خلال السنوات المقبلة؟

وفاء: – المسرح التونسي والعربي يمرّ بمرحلة مخاض صعبة، لكنها واعدة. رغم التحديات الإنتاجية والمؤسساتية، هناك جيل جديد يشتغل بوعي، وبحث، وجرأة فنية. أتصور مستقبلًا يتجه أكثر نحو التجريب والاحتفاظ بالهوية المسرحية لكل بلد من خلال اللهجات والثقافات المتعددة لكل ثقافة  والقطع مع الموجة الداعية لجعل المسرح العربي ناطق بالعربية الفصحى فقط وذلك فيه تعسف وتبلد ذهني ومس بالخصوصية المسرحية والهوية الفنية للمسرح  والولوج للاستسهال  و أرجو ان تكون الجرأة والوعي سلاحنا  للاشتباك مع الواقع، شرط أن يحافظ المسرح على جوهره: الصدق، و خصوصية الإنسان

ــــــــــــــــــــــــ

* حنة آرنت (بالإنجليزية: Hannah Arendt) (14 أكتوبر 1906 – 4 ديسمبر 1975) كانت منظرة سياسية وباحثة يهودية من أصل ألماني. على الرغم من أنه كثيرا ما وُصفت بالفيلسوفة، فإنها كانت دائما ترفض هذا الوصف على أساس أن الفلسفة تتعاطى مع «الإنسان في صيغة المفرد.» وبدلا عن ذلك وصفت نفسها بالمنظرة السياسية لأن عملها يركز على كون «البشر، لا الإنسان الفرد، يعيشون على الأرض ويسكنون العالم.»

عن وكيبيديا

Related posts

أقل من 10 أيام على غلق باب التقديم لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي

بغداد تُعيد إحياء عروس المسرح العربي… اطلاق استمارة المشاركة في مهرجان بغداد الدولي للمسرح بدورته السابعة

انطلاق فعاليات الدورة الـ16 لمهرجان المسرح العربي في القاهرة برعاية الرئيس السيسي