سليمان أحمد عبدالدايم
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يطرح المسرح سؤالًا متجددًا حول موقعه ووظيفته في أزمنة الأزمات. فبينما اعتاد الخطاب النقدي التعامل مع العرض المسرحي بوصفه بنية جمالية قابلة للتحليل، تفرض لحظات التوتر الإقليمي إعادة النظر في هذا المنظور، بما يتيح مقاربة أكثر اتساعًا لدور المسرح بوصفه ممارسة ثقافية وإنسانية في آن واحد.
لا يمكن اختزال وظيفة المسرح، في هذه السياقات، في مجرد التمثيل المباشر للأحداث الجارية، إذ إن ذلك قد يختزل التجربة الفنية في بعدها التقريري. بل تتجلى أهميته في قدرته على إعادة تشكيل الخبرة الإنسانية المرتبطة بالأزمة، عبر بناء خطاب جمالي يستوعب القلق الجمعي دون أن يقع في فخ التسييس المباشر أو التوظيف الأيديولوجي.
من هذا المنطلق، تبدو التجربة المسرحية في الخليج أمام اختبار دقيق، يتطلب الموازنة بين خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، وبين استجابتها لتحولات الواقع. فالمسرح الخليجي، الذي تشكّل في سياقات تاريخية وثقافية متمايزة، يمتلك أدوات تعبيرية قادرة على ملامسة البعد الإنساني للأزمة، دون الحاجة إلى الانخراط في خطاب مباشر قد يفقده عمقه الفني.
هنا يبرز دور النقد المسرحي بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد وسيط لتقييمه. فالنقد، في هذه اللحظات، مطالب بتجاوز القراءة الشكلانية المغلقة، والانفتاح على مستويات متعددة من الدلالة، تشمل ما ينتجه العرض من توترات ضمنية، وما يكشفه من أنماط تمثيل للواقع، وما يطرحه من أسئلة حول علاقة الفن بالتحولات الاجتماعية والسياسية.
إن المقاربة النقدية في سياق التوتر الإقليمي تستدعي قدرًا من الحساسية المنهجية، التي توازن بين الحفاظ على استقلالية الخطاب النقدي، وبين الوعي بالرهانات الإنسانية الكامنة في العمل الفني. فالنقد، إذا انزلق نحو التبرير أو الإدانة المباشرة، يفقد وظيفته المعرفية، ويتحول إلى امتداد لخطابات أخرى لا تنتمي إلى مجاله.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مطالبة المسرح بمواكبة الحدث، بقدر ما يكمن في تمكينه من إنتاج رؤيته الخاصة، وفي قدرة النقد على تفكيك هذه الرؤية وقراءتها ضمن أفقها الثقافي والإنساني.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى المسرح لا بوصفه انعكاسًا للأزمة، بل كفضاء لإعادة التفكير فيها، وإعادة صياغة العلاقة بين الفرد ومحيطه، بما يتيح إمكانات جديدة للفهم والتأمل، تتجاوز حدود اللحظة الراهنة.