أ.د. عقيل مهدي يوسف
الخطاب المسرحي هو الاقرب للخطاب العادي , الذي اعادته التداولية الى صدارة الاهتمام .. مستعملا مفاهيم الحديث والتلفظ , مبرزاً علامات الذاتية , وتحمل المتكلم لخطابه .. من خلال رصد الافعال الكلامية التي تؤديها مختلف الشخصيات .. بحيث تشكل نسقا نصيا يحدد من خلاله البعد التداولي للمسرحية , أي غرضها , ووجهتها التبليغية والتعبيرية .
خولة طالب ابراهين
استاذة \ جامعة الجزائر
التداولية .. اللغة نشاط يمارس ضمن سياق متعدد الابعاد .. من يتكلم ؟ من يقع عليه الكلام ؟ ماذا نفعل عندما نتكلم , ما قيود الحديث ؟ اين يكمن الغموض في الكلام ؟ لماذا التلميح ابلغ من التصريح ؟
عمر بلخير
الفعل اللغوي في التداولية حدث تعبيري , وتأثيري وانشائي .
وعند الاستعمال حرفي ومجازي , أما السياق : لغوي , عاطفي , موقفي , ثقافي .
نمير رشيد بيري
جذر الدرامـــــا
يعود جذر الدراما الاغريقي الى ” الفعل ” لذلك حفلت عناصر النص الدرامي , بافعال الحوار , وافعال الشخصية والحدث , والصراع .. وحين تتم معالجة النص الدرامي في العرض المسرحي , تتعمق فيه مشهدية مجسمة , تنقل المدونة الدرامية النصية الى افاق تداولية جديدة , يحققها المخرج , وطاقمه الفني , والممثل الذي يكون متصدر اول لخطاب العرض الفني , مما يشحن المتفرج بأنشطة تأويلية , لفهم اللفظة , والجملة , والدلالة والمقطع , بربطها بسياقها اللغوي , وما تحمله من قضايا , وقدرات انجازية , حيث تتحول من بعد واقعي واضح , الى بعد مجازي مركب , يحاول فيه المتفرج ان يربط ما يسمع وما يرى , بافتراضاته المسبقة , أو ما ينطوي عليه القول من مضمرات موحية وليست صريحة واضحة دائماً , بقصد ايصال معلومة اخبارية او تحقيق التواصل بين الممثل وجمهوره , بعد أن تم اصطناع التواصل فنيا بين مجتمع العرض , الذي يختلف من نص مسرحي الى نص آخر , ومن اخراج الى اخراج اخر , حسب تطور الاوضاع المسرحية , عبر مراحل التاريخ .
او ما تقترحه طرائق التداول المجتمعية – الوطنية لكل شعب من الشعوب على وفق مسارات ” انثروبولوجية ” خاصة .
أفعال خــارج – لغويـــة
يحاول المخرج في تداولية خطابه الاخراجي , الاقتراب من الواقع الموضوعي القائم , الرابط بين العرض وجمهوره المستهدف , وتعينه التداولية على ذلك , حيث تبتعد عن الخوض في مشكلات غيبية شائكة , وفلسفة ما ورائية لا تخدم اجراءاته العملية , مهما ادعت من قضايا معرفية , خارج اطار البعد اللغوي للحوار المسرحي , ومحاولة التعامل مع الممثل , في تعديل الصوت والالقاء , وربطهما بالشخصية , والمواقف وظروف الخطاب ومقاصده , على وفق الرؤية التأويلية للعرض .
فقد يحاول العرض محاكاة التيارات المعروفة في الواقع اليومي المعاش , او يسعى ( النص ) الى اعتماد لغة يصطنعها المؤلف بجماليات اسلوبية متميزة تختلف من كاتب درامي الى آخر , وفي كل الاحوال يبقى للبطل الدرامي حقه في استخدام لغة انجازية من داخل النص , وبالتالي العرض ,وبالتالي تخضع الشخصيات لارادات تتحكم بها , كأن تكون صادرة من الالهة , او الملوك , او من بيدهم الامر والنهي , او هي تقود وتتحكم بتلك الشخصيات الخاضعة من الحرس , او الخدم , او الابناء او التابعين .
وهذه الانجازية – تبعا لوليام جيمس , الذي بحث في شروط المقام , وطبيعة المتحاورين , ومقاصدهم تتجلى في استعمال افعال لغوية قادرة على تكريس امر واقعي جديد , بقدرتها الاجرائية الحاسمة , وان جاءت من شروط ” خارج – لغوية “
الايمـــاءة اللغويـــــة
حاولت التداولية ان تخوض في شرح ما يمكن تسميته ” ما فوق الجملة ” التي يقصد بها البؤرة , والاقتضاء , والاستلزام الخطابي , عند وليام جيمس وكذلك ” السياق ” الذي ركز عليه ” كارناب ” الذي يحدد هويات المشاركين في الحدث الكلامي , باطار زماني ومكاني , وما يعتقده المشاركين وما يقصدونه من أهداف خاصة بهم .
نحن نتلمس ذلك في المشهد المسرحي , حيث يختلف البطل ” أجاممنون ” عن ” كليتمسنترا ” وعن ” اورست ” و ” الكترا ” , اذ لكل منهم هوية معينة وقناعة راسخة , وهدف خاص , مغاير لسواه .
فاللغة الدرامية , مثلها مثل اللغة التي ينطقها البشر , ليست واقعة في دائرة تجريدية , منفصلة عن توظيفها التداولي الاستعمالي الخاص , والملموس , الذي يقوم بتحقيقه البشر أنفسهم باستخدامهم اللغة هذه , فنحن نعرف من هو الذي يمثل دور الملك , ومن هو العدو , ومن الذي يسمع ويصغي , وينفذ الاوامر العليا التي يأتمر بها , وما الحدود القائمة بين الرئيس والمرؤوس التي لا يملك احد ان يتجاوزها , والخروج على تابواتها مثلاً .
وربما تكون هناك ايماءة معينة من احدهم , قادرة على ايصال معلومة خطرة , قد تقوده الى ايقاع أقسى العقوبات بأحد الحاضرين , أمام هذا الملك , أو الحاكم , وربما تبرز لدى – برخت – هذه الاهمية الكاسحة لافعال ” الجــســت ” الكلامي , والايمائي .
علاقة العلامة بمستعملها
يحاول المخرج ان يضع الممثل في موضع تمثيلي خاص , يفهم المتلقي من خلاله , ما معنى هذه الجملة التي ينطقها , ضمن سياق خاص , ولماذا يكون الايجاز بالقول – احياناً – اكثر بلاغة من سرد حكاية كاملة ؟ والجواب : لان وضع الممثل في مقام مختلف عن السائد يوحي بمعاني مختلفة , أو لان ” تأشير ” المتكلم بحدود واضحة يؤدي الى تحديد كلامه , المباشر وغير المباشر , في الوصول الى مبتغاه , من خلال صوته والقاءه , ومحمولات حواراته المنطوقة .
ان الوثوق من انجاز العبارات بفعالية سليمة , يوفر الفرصة على افهام المتفرج ما اراد الممثل تبليغه من خلال قناع البطل الى متفرجه , اخذا بنظر الاعتبار البعد الادراكي , والنفسي في تحقيق هذا التواصل بأقوال تتطابق مع أفعالها , ومواقفها , وابلاغاتها الاخبارية في سياق الخطاب الدرامي – المسرحي , الذي يتم فيه التفاعل بين العرض والجمهور او بما أسماه ( موريس ) , ” بعلاقة العلامات بمستعمليها ” , أحياناً بالرفض واحيانا بالقبول .
تبعا لمرجعيات ( المرسل ) ووضعيته الاجتماعية والنفسية والثقافية , الذي يفكك المعنى الدلالي , ليتجاوزه الى فهم مالم يصرح به مرسل الكلام , او القول نفسه ولكنه يعرف ما يعنيه في دواخله , ذلك الشخص الناطق الذي يتطلب فهما خاصا من المتفرج , يتجاوز المعنى الثابت , ويواكب تغييراته السياقية , وهذا التأويل الذي يقوم به المتفرج يكون أشبه بهالة
ملونة , تتوج العلاقات التي تكرسها العلامات , مثلا حين ينطق عطيل : ان اطفأتك يا سراج النور , فأنه لا يتحدث عن مصباح او قنديل , بل تقودنا التداولية الى انه يهدف الى ازهاق روح دزدمونة !
الانجــاز بنطق الكـــلام
أحيانا ينطق احدهم بجملة : ماهذا المسرح ؟ وتختلف مقاصده تبعا للسياق , فالدلالة هنا ان المكان هو مسرح , ولكنه في مقام مختلف , يعني انه ليس مستشفى , او سينما , او ربما يعني في مقام آخر , ماهذا التصنع وهذا اللعب البهلواني عند صنف من الناس .
هنا يعبّر عن ذاتية المتكلم , وفيما يعتقده ويرغب فيه وعن علاقة المتكلم بالظروف المحيطة به من ظروف زمانية ومكانية أو علاقة المتكلم بالاخرين , والمشترك بينه وبينهم .
يقول ( مالينوفسكي ) : ” اللغة اسلوب عمل , وليس توثيق فكر ” في المسرح تسلك الشخوص , سلوكا لغويا خاصا يتميز فيها منطق اقوال ” عطيل ” عن منطق اقوال ” ياجو ” فاللغة تعين كل منهما على ” الفعل ” وليس على مجرد ” التأمل ” فقط .
عرفنا في لغتنا التميز بين ( الجملة الاخبارية ) من ( الجملة الانشائية ) التي يصنفها ( اوستن ) بين أقوال تقريرية ) و ( انجازية ) فالاولى تحتمل الصدق أو الكذب في وصف الواقع , والثانية تغيّر الواقع نفسه , مثلاً : أزيلوا هذا الجدار , أو تنعقد جلسة المحكمة الآن .. أو افتح بوابات القصر ..
لان مجرد التلفظ بها يعني تحقيق فعل في الواقع , وبذلك تغير من طبيعة الواقع القائم نفسه , ومثلها : زوّجتك نفسي , بعتك داري , او قول رسول الله : اذهبوا فانتم الطلقاء , حيث يتحرر الاسرى من الأسر .
هذه وامثالها من الاقوال , تدلنا على كيفية انجاز الاشياء بنطقها بالكلام , على وفق ( أوستن )
الخطـــاب : لغـة تمشــي
اكتفت ” السيميولوجيا ” بلغتها الاشارية , وليست بالناطقة , لاهتمامها بالافعال التي تحققها لها هذه الاشارات والايماءات أي ( ليس الكلام والنطق ) كما بينا , لذلك تختلف منظورات الخطاب اللسانية والسيميائية , والتواصلية ( الاجتماعية ) والايدلوجية , والتأويلية .
يرى ” بنفست ” ان الخطاب ملفوظ يشتغل بكيفية خاصة في التواصل على وفق آاليات وخصائص .
وآيدلوجيا , يتحدد بتعبيرات خاصة , ووظائف اجتماعية تختلف من طبقة الى أخرى , ومن حزب الى اخر , ومن قضايا وطنية الى الى عدوانية , حسب رأي الاطراف المتنازعة , او المتصارعة . حيث يصبح تأويل الخطاب , أكبر من الجملة , الذي يضم سلسلة من الملفوظات ويكون مقننا في نسق دلالي خاص ( شعر , سرد , رواية , دراما) هدفه الرئيس تحقيق التواصل , والقصدية , للتأثير بالمستمع الى هذا الخطاب , بحجومه الطويلة والقصيرة تبعا للثيمات ودلالاتها , فخطاب العرض المسرحي , يشكل بأكمله مجالا دلاليا مختلفا من مخرج الى آخر , لا تنعزل فيه عناصر العرض عن بعضها البعض , لأن تسلسلها الدلالي يتحدد بهدف معنوي عام , يتجاوز معناها النحوي فمقولة ( هاملت ) الشهيرة : ( أكون او لا أكون ) ليست تركيبا نحويا , بل ملفوظات أكبر من الجملة في نحوها وصرفها , لارتباطها بمقام انساني اجتماعي , وسياق ثقافي اكبر من حدود الجملة , يحقق وظيفة درامية تواصلية شاملة .
فالخطاب هو حسب – بنفست – ” لغة في حالة حركة ” وما أوضح هذا الامر في المشهد المسرحي الذي تحركه اللغة , وتتحرك معه , وتتفاعل مع ثقافة الواقع , وموضوعاته الخاصة , ومنظور العرض الشكسبيري يضم الدلالة التاريحية , والدلالة النصية الدرامية , والذات المتلقية الآنية , عندما يتحول الى عرض تداولي جديد.
خطــاب التداول
يعوّل المخرج في خطابه التداولي على ما يختزنه المتفرج من معارف سابقة , وخبرات تجعله يفهم الكلام ومغزاه من طبيعة المتحاورين انفسهم , بطريقة تحيله الى مرامي ابعد من ( مقتضى الحال ) الذي يظهر عليه الكلام .
وبالتالي تقودنا ” التداولية ” الى المعنى الكلي , وليس الحرفي الذي اعتبره ” بول فاليري ” تكملة سرية للنص , تتحقق من خلاله وظيفة القراءة , وتكون الوحدة اللغوية , بألفاظها , ودلالاتها , ومرجعها الخارجي (المقامي ) أو نراها تتكون في داخل النص بجزءه اللاحق , أو القبلي .
فالفعل القضوي (عند سيرل ) هو فعل التأثير بالمتلقي . نجد مثلاً أن بامكان الناطق بالجملة ان يخيف سامعه , أو يتهدده , او يعتدي عليه , او يحثه على امر ما , بمجرد اطلاق ( الفاظ) معينة .
أما القول الانجازي فيكون تبليغي , او سؤالي أو طلبي .
ولكن من خواص الحوار المسرحي الذي يتواصل في سياق معين هو تأثيره على وجدان المتفرج وعقله وعواطفه تارة بتوضيح القول , واخرى بتوجيهه الى وجهة محددة , او لتعهد بالتزام ما , او تعبيرات نفسية مطلوبة تتعلق باهداف الشخصية , وتطلعاتها من داخل بنية العرض المسرحي نفسه , او ما تعلنه هذه الشخصية من قرارات ( حكم ) حاسمة , تتغير بعد نطقها , مصائر الناس , مثل القول : انتِ طالق , في بيئة اسلامية .
هنا تتحدد التداولية على وفق علاقة التوتّر القائمة بين ما يقصده ( الناطق ) بالجملة وما يفهمه ( السامع ) في سياقات مجازية او واقعية .
فالحمولة الدلالية , ( تقول ) شيء , و (تعني ) شيئاً آخر , معتمدة على قدرات المتفرج الاستدلالية وعلى تحفيزات الالفاظ , وطرائق تلفظها من قبل الممثلين الذين يؤولون نص المؤلف , تبعا لخطة المخرج وتعبيرا عن تصرفهم الادائي ( القولي ) والتلفظي الخاص بهم .
تطابق الكلمة للفعل
يمتلك الحوار المسرحي صيغة تداولية تقوم على ( شبكة مفاهيمية ) من افكار ومفهومات ورؤى , وطرق معالجة الملفوظات في اطار تواصلي , وتفاعلي , بين العرض والجمهور .
اشتقت التداولية من اللسانيات ومن علم التواصل , ومن الفلسفة التحليلية ( للغة العادية ) , ومن علم النفس المعرفي , كما في ( وضعية كارناب المنطقية ) , ومن ( ظاهرية هوسرل اللغوية ) , ومن ( لغة فجنشتاين العادية ) للناس وهم يتحدثون بها يوميا حتى باتت عماد التداولية لتعلقها بافعال الكلام المتسخدمة , بظروف خاصة , بين اطراف من المتحاورين , وهم يخوضون ملابسات التواصل , وتتصادم اراداتهم , بفعل اختلاف اغراض المتكلمين وتنوعها .
الا تذكرنا مقولة فجنشتاين : ” القول هو الفعل ” , بحوار هاملت مع الممثلين : ” طابق الكلمة للفعل , والفعل للكلمة ” ؟
تضم التداولية الادراك في الجانب المعرفي , واللغة في الجانب اللساني , والتواصل في جوانب علوم الاتصال .
شكسبير – اذن – لا يدرس البنية اللغوية في ذاتها في مسرحية هاملت ,كما اسلفنا , بل كما تستعملها شخوص المسرحية في مواقف ومقامات مختلفة , حيث تنطق كل شخصية بحوار محدد مرسوم , توجهه مرة الى ام هاملت , كما يفعل هاملت , وتوجهه مرة اخرى الى الملك , او الى اوفيليا , بالفاظ محددة وفي مقام تواصلي مجسّم , وكل شخصية تعالج ( الملفوظات ) الحوارية بتواصل ( غير حرفي ) , حتى جنون هاملت غير العقلاني , يتحول الى عنصر عقلاني لدى المتلقي لانه في حواراته المجنونة هذه يفضح عالم العقلاء ( الملك والملكة ) , وهما يقعان ضحية جنون هاملت المصطنع الذي قادهم الى الانهيار !
وهكذا تجتمع نوايا الابطال النفسية , باغراض المتكلمين التواصلية في بنية خطابية لسانية , تخوض بقوتها الاستعمالية ما تحتمه ظروف الواقع الاستعاري الذي يخلقه المبدع , كاتبا مسرحيا كان , او مخرجا , او ممثلاً .
وتبرز ظواهر اللغة في حوارات النص الدرامي , بالاحالة , والاقتضاء , والاستلزام الحواري ( وهذا يعني هل ان المعنى المقصود حرفيا كان ام مجازيا ) , والافتراضات المسبقة , والافعال الكلامية , ونظرية المحادثة ( مسلّمات الحوار ) , والملاءمة مثلاً لا يمكن الاجابة حين نسأل عن موهبة فنان ونقول بأنه طويل فارع ! بل ينبغي ان يتم التطابق مع حالة المتلقي النفسية حين نقوم بتأدية افعالنا الكلامية .
قوة الفعل القولي
تتضح الصورة أكثر عن الافعال القولية التي يسميها ( اوستن ) بالافعال الانجازية مثل : حكم باخلاء ذمة , او اصدار قرار لصالح احد الاطراف المتنازعة ,او التكليف الشرعي الملزم للمؤمنين , او عرض مفهومات وقوال او سلوك فيه ترهيب او اعتذار او حتجاج , هذه تعبيرات تتكامل مع افعال اللغة غير المباشرة بالايحاء الذي يشبه ( انزلاق ثعبان السخرية ’ تحت العشب الاخضر ) , وبذلك تتفوق التداولية على التفسير العلمي للطبيعة او التأويلي للاداب والفنون بايجادها ( وحدة خطابات ) اقناعية , تقع خارج التمييز العلمي والفني .
ولو جئنا بمثل هاملت لوجدنا التداولية فيه تتركب من افعال كلام مباشرة , وغير مباشرة وان حوارات الممثل تنجز قوتين الاولى فعل قول واقعي والثانية فعل قول يتصف بالجنون فيصبح غير واقعي الامر الذي يؤدي بنا ان نذهب الى حالة بعينها لكننا نرتد عنها ونقصد مآرب اخر .
مثلا يكشف هاملت بادعاءه ” الجنون ” عن مؤامرة مرتكبة بحق ابيه الملك المغدور .
او حين يخاطب (اوفيليا ) بحوار : أعفيفة انتِ ؟ فانه يريدُ ان يوصل رسالة سرية للجمهور من خلال القول , اكثر من اعتماده على طبيعة البنية الدرامية نفسها , وما ( تضمره ) من خلفيات للاحداث , والمعلومات التي تعرف عليها الجمهور من سياق النص , او العرض أي يتم المعنى وهو يسلك طريق حواري , او ما ترسمه الاحداث والافعال والمواقف من علامات , وبالتالي حققت هذه الخلفية المشتركة بين هاملت وجمهوره الاسس العامة للمخاطبة , كما انها اعتمدت على القدرات الاستدلالية للمتفرجين فضلا عما يلعبه ( العرف ) من دور خاص في تداول الصيغ المعيارية الشائعة لافعال الكلام غير المباشرة وما تحفظه من صيغ حرفية مثل عبارات التأدب , او التعازي او تبادل التهاني في الاعياد , او الفاظ الشتيمة او الفاظ المديح .
في المسرح تتحول كلمات شكسبير واضرابه الى انجازات واغراض تواصلية وتصنع افعال ومواقف اجتماعية , مؤسساتية او فردية , وكل محاور من الشخصيات يروم التأثير في الآخر , بحمله على الانصياع لاوامره , او تلبية دعوته , او التصدي له ومبارزته , او اطلاق سراحه : حتى ان هاملت تراه يقرر حكما او يشكك فيه , او ينفيه , او يقدم وعدا للمخاطًب , او وعيد بمثل ما نجد في ابرام شايلوك في تاجر البندقية للعقد , او فسخه له فيما بعد .
الاهم في هذه اللغة التداولية هو ما تتضمنه من قوة حاسمة في القول نفسه .
تداولية العرض المسرحي
ينطبق مفهوم التداولية على المشهد المسرحي , لسانيا في متتاليات الجمل , وتبرز السيميائية , في آليات التواصل , اما الآيديولوجية فنجدها في المشاريع الخاصة في حين تظهر التأويلية في تشكيلات انظمة دينية او نفسية او اقتصادية , فهي تعلن , وتعد , وتلزم .
وحسب (شنيل ) أن ” السياق ” هو الذي يحدد معنى اللفظ الجاد , من لفظ الدعابة , والرجاء من الامر : وسوى ذلك .
وبالتالي يمكننا تمييز العرض المأساوي , من الملهاوي من خلال سياق كل منهما , اي مقامه ومقاله .
والجمهور يصدر عن اعتقادات , وانتظارات , ومقاصد ( قضوية ) , تكونها حدوسات المتخاطبين , مثلا عند العراقيين حين تبادر الاخرين بالسلام , تقتضي العادة عن جلوسك , بالرد عليك : الله بالخير , وربما هذه العادة لا يقتضيها العرف السوداني مثلا .
كان ( برتراند راسل ) قد شبه ( اللغة ) بالمتفجرات , اذ ما ان تلفّظ ” هتلر ” بكلمة ( الحرب ) سرعان ما ادّت الى تدمير العالم .
غالبا ما نتعرف منذ اللحظة الاولى لفتحتة الستار في المسرح على المحيط الفيزياوي للافراد في مكان وزمان واقعيين , او نتعرف بعد ذلك على المحيط الثقافي الذي يضم الممثلين في عرض اغريقي او من عصر النهضة الشكسبيري او التنويري عند ( ديدرو ) : فلكل مرحلة تاريخية , وبيئة حضرية , تظهر ممارسات خطابية تتقاسمها الشخصيات نفسها , مرتبطة مثلا بطقوس كنسية , او مناقشة برلمانية , او مغازلة بين حبيبين , او مزحة الاصدقاء : او تتداخل الافعال في سياق آخر , احدهم يعترض عند النقاش , آخر يقترح مقترحا , ثالث يضيق الخناق على زميله , ولكل حال من هذه الاحوال نجد افعال اللغة مترابطة مع المضمون والسياق بما يضمه من معارف واعتقادات , وبذلك تتعاقب عوالم العروض المسرحية بصيغتها ( الرؤيوية ) في فضاء الممكن , اوالمحتمل , خارج منطق الضرورة في العالم الواقعي .
هذه هي التداولية العالمية التي كان يسعى اليها ( هابرماس ) في ابحاثه ومقالاته والمكرسة في الخطاب والتواصل . ذلك لان التداولية تدرس الافعال اللسانية , والسياقات التي تنجز فيها كما يتجلى ذلك واضحا في المشهد المسرحي الذي تنخرط تداوليته في نظام تقاطعات ( التقاء وافتراق ) وكل هذه التيارات المتلاطمة تتداخل في مفترق طرق : الالسنية , والمنطقية , والفلسفية , والسيميائية , والسايكولوجية , والاجتماعية , ومن خلال هذا التداخل تتشكل البنيات التداولية الاساسية والثانوية لتحيلنا الى مكونات الخطاب ومرجعياته الاجتماعية والفلسفية , وخزينه الثقافي والطبيعي , وعلاقاته الذاتية والموضوعية , وبنياته العميقة والسطحية : فالنص – حسب د. سعيد علوش – يمتلك ايضا كافة عناصر التداولية بمثل ما اعتقدناه نحن بامتلاك العرض المسرحي لهذه التداولية التي تنجزها بجدارة فائقة , افعال الكلام , المودعة في الحوار الدرامي في نسيجه اللغوي المتماسك .
المصادر والمراجع
لغرض التعمق في دراسة التداولية مسرحيا نقترح الآتي :
- التداولية في المسرح العراقي للباحث نمير رشيد بيري وهي اطروحة دكتوراه تحت اشراف أ.د. عقيل مهدي في كلية الفنون الجميلة \ جامعة بغداد 2012
- اطروحة الباحث عمر بلخير بعنوان ( تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية ) اشراف خولة طالب الابراهيمي / جامعة الجزائر – منشورات الاختلاف – 2003
3- فرنسوا ارمينكو / المقارية التداولية – ترجمة د. سعيد علوش المؤسسة الحديثة للنشر – الدار البيضاء – 1987
4- د. مسعود صحراوي / التداولية عند العلماء العرب , الطبيعة – بيروت – 2005
5- د. مؤيد آل صوينت / الخطاب القرآني في البعد التداولي – مكتبة الحضارات – بيروت – 2010