Home » إحتضار – نص : عمار نعمه جابر

إحتضار – نص : عمار نعمه جابر

كتبه عمار نعمة جابر
A+A-
إعادة ضبط

الشخصيات :

  • الابن
  • الام

الابن : سوف لن تحتمل روحي رحيلك يا امي .

الام : انتهت هذه المسرحية الباهتة يا بني ، سوف يسدل الستار الآن .

الابن : قلبي يتقطع من أجلك .

عمار نعمه جابر

الام : كان يجب عليك ان تحسب ، ومنذ مدة طويلة ، بأنني سأرحل عنك ، في وقت ما ، كي لا تتعذب ،  وتقسّم عذاب الفراق على طول الأيام .

الابن : أحبك يا امي .

الام : أنا احبك اكثر يا صغيري .

الابن : هل ترغبين بشيء يا امي ، هل تحبين أن أجلب لك شيء معين ؟

الام : لا ، لقد سُدت نفسي عن كل الملذات في هذه الحياة ، يكفيني أنك معي الآن .

الابن : اخبريني ، ماذا يخطر في بالك وانت على فراش الاحتضار يا غاليتي .

الام : يخطر في بالي شعور واحد ، يشبه شعور من يجهز أوراق السفر .

الابن : حزني عليك وانت تتركين ما تحبين هنا .

الام  : بالعكس تماما ، لن تصدق اذا اخبرتك ، انني سعيدة لأنني سأترك كل شيء هنا .

الابن : تقولين ذلك الان !

الام  : كل شيء هنا ، سبب لي الألم ، والالم عالق في كل الأيام التي عشتها .

الابن : دعينا لا نتحدث بالوجع ، تحدثي بشيء آخر .

الام : انت على حق ، لم يتبق لي سوى هذه الدقائق الاخيرة ، وبما أن لساني لم يُعقد بعد ، أحب أن أتلو وصيتي الاخيرة عليك يا بني .

الابن : قولي ما في نفسك ، انا اسمعك يا غاليتي .

الام : حسنا ، فيما يخص موتي ، يجب أن تعرف شيئا جوهريا يا بني ، أنني منذ ان أدركت معنى الموت في شبابي ، وأنا أفكر في هذه اللحظة ، وهذا الفراش ، ولحظات الاحتضار ، كل يوم .

الابن : وماذا وجدت الآن ؟

الام : لقد وجدت ان الامور ليست بالسوء الذي كنت احسبه ، وجدت هذا اليوم عاديا جدا ، لا يتميز بشيء ، عن باقي الايام ، حتى أنني أرى أنه يوم مناسب تماما للموت .

الابن : يبدو أن الأمور فعلا في صالحك اليوم تماما .

الام : الموت وكل ما يتعلق به ، شكّلته فينا حكايا الرعب التي سمعناها عنه ، بشكل فضيع .

الابن :  ليس هناك يقين حول كل ما قالوا عنه يا امي ، لا تخافي .

الام   : لست خائفة من الموت يا صغيري ، أنا أتعامل مع الموت الآن تماما مثل ليلة الزفاف ، حيث يرعبون فيها العروس مما ستشاهد على فراش الزوجية ، وهو بالنقيض عن كل ما سيجري .

الابن : ( يمازح امه ) وماذا شاهدت أنت على فراش الزوجية يا امي .

الام : ويحك يا سافل ، عموما ، لم أشاهد شيئا ذا بال ، كانت كما هو ابوك دائما ، باهت وسطحي ، ابن الكلب ، بارد ولا يجيد الدراما ، كان طوال حياته بلا طعم أو لون أو رائحة .

الابن : (يضحك ) ارجوك يا امي ، انت على فراش الموت ، قد تقابلين ابي في اي لحظة ، في عالم الاموات .

الام : أقابل أبيك ! لا اريد أن أقابله ، سأرفض ذلك بشدة ، لن اسمح أن يرغمني أحد على مقابلة ذاك الشيء ، كما فعلوا بي عندما غصبوني على الزواج منه .

الابن : ولكن يا امي ، هذه الامور مر عليها سنين طويلة جدا .

الام : هذه السنين ، هي سنين عمري يا بني .

الابن : أعرف كم قاسيت يا غاليتي ، أنا آسف على كل ما جرى لك .

الام : حسنا ، الان ، سينتهي كل هذا .

الابن : أعرف أنه لن ينفع ان اعتذر بالنيابة عن أبي .

الام : أبوك ! تعتذر عن ابيك ! لماذا قد تفعل ذلك ، أنت ابني الحنون الصالح ..

الابن  : وماذا عن ابي ؟

الام    : أبوك ابن كلب ..

الابن   : ( يضحك ) امي ارجوك ..

الام     : على ذكر ابيك ، أول وأهم ما أوصيك به ، قبل موتي ، هو أن لا تدفن جثتي الى جنب قبر ابيك ، أبدا .

الابن : ولكن ! نحن جميعا ندفن في مقابر العائلة يا امي .

الام : قلت لك لا تدفني قرب قبر هذا الشيء ، هل فهمت ؟

الابن : حسنا ، فهمت .

الام : لا اريد أن اشاهده هناك ابدا ، يكفي الثلاثون عاما التي عشتها معه هنا .

الابن : كما تشائين .

الام  : نعم ، لقد حان لي أن أختار كل تفاصيل ما بعد الموت ، فلقد عشت حياة ما قبل الموت دون خيارات .

الابن : سأفعل لك كل ما ترغبين به ، فقط كوني بخير وسلام .

الام   : بما أن ابيك مدفون هناك ، في المقبرة غرب المدينة .

الابن : نعم هو هناك ، مع باقي افراد العائلة .

الام : اذن ، خذني بعيدا عن جيفته ، خذني الى مقبرة العاصمة على بعد ثلاثمائة وستون كيلو متر ، وادفني هناك ، فلقد سمعته اكثر من مرة يقول ، أنه يتيه في العاصمة دائما ، ولا اريد أن يصل الى قبري ، حتى وهو ميت ، سوف لن يجازف بالمجيء للعاصمة .

الابن : هل انت جادة بما تقولين يا امي !

الام   : يا ولد الا ترى أنني على فراش الموت ، هل هناك من يمزح على فراش الموت ، لست امزح طبعا .

الابن : ولكن سيكون قبرك بعيدا عني ، كيف بي اذا اشتقت اليك .

الام  : لا اريد أن أرى أي أحد منكم  ، لأنه سيذكرني بابيك ، هل هذا واضح ؟

الابن : ولكنك امي !

الام   : ستمر فترة وتنساني ، ستأخذك الحياة والأيام بعيدا عني .

الابن : لا لن افعل ، انت اغلى شيء عندي في هذه الحياة .

الام  : يا ابن الكلب ، من اين جئت بكل هذا القلب ، كان ابوك قلبه من صخر .

الابن : ارجوك يا امي .

الام  : يا بني لقد تحملت ابيك ثلاثين عاما من اجلك انت ، لماذا تطلب مني ان اتحمل جيفة ابيك قرب قبري .

الابن : ولكن ، اتوسل اليك يا امي .

الام  : يا ابن فضلات البقر ، ان الوقت حتى ينفخ في الصور ، وتقوم الساعة ، وقت طويل جدا ، وابوك شيء ثقيل ومسموم ، لا يحتمل ساعة واحدة ، كيف تريد مني ان اتحمل وجوده قربي كل هذه السنين الطويلة .

( الابن يضحك طويلا )

الام  : اتوسل اليك يا بني ، ان تبقى ضاحكا ، وفي كل المواقف ، ليس في الحياة ما يستحق طول الحزن.

الابن : قولي لي يا امي ؟

الام  : تكلم يا حشاشة قلبي .

الابن : يقولون ان الميت يختار طعم الاكل الذي يحبه ، ليكون ثوابا له ، فاخبريني الان عن الأكلة التي تحبين ان اطبخها لك ، واقوم بتوزيعها على المساكين والفقراء ، كي أهدي ثوابها لروحك .

الام  : ويحك يا ولد ، وهل تظن انني احتاج الى ثوابك وانا في العالم الاخر !

الابن : الجميع يحتاج الى الثواب هناك ، هكذا يقول أصحاب القداسة والنيافة والمقام .

الام  : تبا لك ، ولهم جميعا .

الابن : ولكن يا امي .

الام  : اخرس يا ولد ، لقد عشت هذه الحياة ، بكل ما في الجحيم من بؤس وعذاب ، تحت سماء كل من ذكرت ، وبسببهم تضاعفت عذاباتي ، لا تذكرهم لي وإلا … ( يقاطعها الابن )

الابن : ارجوك يا امي ، اصمتي ، أخاف ان يسمعك احد .

الام  : اسمعني جيدا ، لقد انهيت محكوميتي في الجحيم هنا ، لقد دفعت ثمن سيئاتي وذنوبي ، في جحيم هذه الحياة ، لا اعتقد ان هناك انسان سيدفع ثمن ما قام به مرتين ، كن على ثقة انني سأكون في النعيم ، في العالم الآخر ، سأكون هناك الى جانب كل نساء هذا العالم ، واللواتي شهدن ما شهدت من فضائع وأحزان في هذا العالم البائس .

الابن : اعذريني يا امي ، قلّبت عليك المواجع .

الام  : حسنا ، ليس عندي ما اوصيك به بعد ، سوى شيء واحد .

الابن : ما هو هذا الشيء ؟

الام  : لا تأخذ هذه الحياة بجدية تامة .

الابن : لم افهمك يا أمي

الام  : لا يبدو ابدا ان ما يجري فيها جاد وحقيقي ، كل الأشياء ، كل الأسماء والاحداث تتلاشى بعد وقت قصير ، وكأن شيئا لم يحدث ، ما يتبقى هو شكل شعورك فقط .

الابن : ولكنك شاهدت كيف هو شكل الصراع فيها .

الام  : التمدد على هذا الفراش ، سيكون للجميع دون استثناء ، وسيحدد حجم هذه الصراعات يا بني .

الابن : ولكن من تراه قد يحسب لهذا الفراش حساب ، أثناء جريه المجنون في تفاصيل الحياة .

الام  : وهذا هو آخر ما اوصيك به ، ان تلمح دائما ، وبزاوية بسيطة من عينك ، تلمح نفسك وانت ممدد على هذا الفراش ، في كل الأحوال التي ستكون عليها في هذه الحياة .

الابن : لقد تعلمت الكثير من هذه الحياة يا امي .

الام  : اوصيك بكل شيء ، خفف علي وطأة هذا الجحيم ، الذي اسمه الحياة .

الابن : وصاياك في القلب والروح يا غالية .

الام  : أحاول ان اخفف عليك جمر التجربة .

( تتلوى الام من الألم )

الابن : سلامات يا امي .

الام  : آخر ما عندي هو الاعتذار .

الابن : الاعتذار ممن ، أنت لم تذنبي بحق أي شخص !

الام  : الاعتذار من نفسي يا بني .

الابن : وما ذاك الذنب الذي اقترفت بحق نفسك ؟

الام  : لقد اقترفت معها الكثير ، وأشد ذلك ، هو الخوف والقلق . لقد حملتها وزر هذا الشعور الفظيع ، سنين طويلة وهي تتلوى مثل سمكة مسمومة ، سنين طويلة وهي تصارع ضغوط هائلة ، تحاول ان تحدث التوازن المطلوب لكيان ، أقل ما يمكن ان أصفه ، أنه كيان يرتجف مما جرى ويجري له ، كيان بني على خدعة العيش .

الابن : ترى هل ستقبل اعتذارك ؟

الام  : لا أظن ذلك ، لقد جاء متأخرا ، لكن أفضل من ان لا يأتي أبدا .

الابن : السلام والطمأنينة لروحك في السماء أمي .

الام.  : الفرح والمسرات لك في الارض يابني . وداعا

الابن  : ولكن ! ليس بهذه السهولة يا امي ، هذا موت وليس زيارة لبيت جارة من جاراتك .

الام  : لا يبدو أن هناك فرق كبير .

 الإبن  : أمي سيكون عالمي وحشة بغيابك ، احبك .

الام. : أشعر بضيق في التنفس ، وثقل في اطرافي .

الابن : يا مهجة روحي ..

الام. : أح .. بك .. يا روووح .. ي

الابن : أمي .. لن انساك .. السلام وجنان الخلد لروحك

(الام تحاول الكلام ولا تستطيع )

الابن : هل بقي شيء ترغبين باخباري به ؟

( الام تبذل جهدا مضاعفا للكلام )

الابن : ماذا يا امي ؟ هل هناك شيء اخر ؟

(الام تبذل جهد كبير في الكلام ، وتخرج منها الحروف متقطعة وضعيفة )

الام : جا … ر .. تي

الابن : ما بها جارتك يا أمي !

الام  : ( بصعوبة بالغة ) أخ .. ذت .. إبر..يق .. الش ..آي .. الخ .. زف …. ( تموت )

  • ستار –

الناصرية

12/11/2023

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق