لندن: علي كامل
كلمات، كلمات، كلمات…
يمكن للكلمات أن تُشيع البهجة في النفس، مثلما يمكنها أن تجلب الحزن والألم، لكن بوسعها أيضاً أن تصبح مصدراً للتهديد وبعث الهلع في النفس. أقول هذا لأن قوة اللغة وقابليتها على الإقناع والتغيير، تشكلان العصب الرئيسي لمسرحية هارولد بنتر “حفلة عيد الميلاد“، فحوارها المقتصد، الموجز والتلميحي، إلى جانب الصمت والوقفات، العنصران اللذان يكملان إيقاع ومدلول الكلمات التي لم تقال، والتي عادة ما يتركها بنتر لذهن المتفرج ومخيلته، كفسحة رحبة للتأويل والتفسير. كلّ ذلك يشكّل هيكل الدراما البنترية وبنيتها.

هارولد بنتر يقول: (هناك نوعان من الصمت، الأول، حين لا توجد كلمات لتقال، والثاني، حين يصبح سيل اللغة مثل سحابة دخان تحجب عنا القدرة على السماع. و”حفلة عيد الميلاد” شُيدّتْ على هذين النوعين من الصمت).
اللغة البنترية، بتورياتها والتباساتها، عادة ما تتخذ لها مسارات ومستويات تتوزع على حقول متباعدة ومتجاورة في آن واحد، بدءاً بالواقعي مروراً بالسيكولوجي وانتهاءً بالميثولوجي. مفردات كسولة، مترنحة، مبتورة، وملغزة حيناً، وحيناً آخر أشبه بشفرات تقطع كل ما يعترضها. أما المكان، فيشكّل
عنصراً جوهرياً في بناء أعماله الدرامية، فهو الآخر يتخذ، إلى جانب بعده الواقعي، أبعاداً رمزية وأحياناً سوريالية. فالغرفة، مثلاً، تتكرر في جُـلّ نتاجاته المبكرة، موحية بفضاء الحلم وسعة المخيلة. إنها الملجأ أو الدرع الذي يقيك رُعب الخارج وتهديده، وهي في “حفلة عيد الميلاد”، تتماهى ورحم الأم، بدفئه وحنوه وأمنه، وستانلي، الشخصية الرئيسية في المسرحية، هو الآخر يتماهى وصورة الجنين، الذي تنتزعه أيادي غريبة لتقذف به إلى العالم الخارجي الأجرد البارد القاسي.

كتب هارولد بنتر هذه المسرحية عام 1959، وأعتبرها النقاد يومها، إلى جانب مسرحية “في انتظار غودو” و “أنظر إلى الوراء بغضب”، بمثابة النبع الرئيسي الذي تدفقت منه فيما بعد كل أنهر الدراما البريطانية الحديثة للنصف الثاني من القرن العشرين. وقد شكلت كوميديا “حفلة عيد الميلاد” إلى جانب كوميدياته الثلاث (الغرفة، الخادم الأخرس، الحارس) تياراً تجريبياً حديثاً عرف يومها بـ: (كوميديا التهديد). ومن المفارقات العجيبة أن مسرحية لاقت استهجاناً واسعاً في وقتها لدرجة أنها أُغلقت بعد ثمانية عروض فقط، تُعرض الآن، بعد سبعة وستين عاماً، في أحد أروع معالجاتها في ويست إند في العاصمة لندن، على خشبة مسرح هارولد بنتر.
(حبكة المسرحية)
تجري أحداث المسرحية في منزل ساحلي “بنسيون” قذر ومنعزل، تسكنه عجوز اسمها ميغ وزوجها
العجوز بيتر عامل البواخر في الماضي.
نزيلهما، ستانلي، عازف بيانو، شاب في ثلاثينياته، قدم منذ عام إلى هذا البنسيون ليسكن احدى غرفه، وهو النزيل الوحيد فيه، والذي لم يجتاز عتبته منذ لحظة وصوله. ومع ذلك، يشعر بالطمأنينة والأمن، في مكان منعزل كهذا، بل يحس أحياناً أنه هو سيّد هذا المكان.
هذه هي جُل المعلومات التي يقدمها لنا بنترعن بطله، عبر ديالوغ هزلي يخلو من منطق، يدور في أستهلال العرض على مائدة الإفطار، بين العجوز الخرفة المتصابية ميغ (الممثلة زويا واناميكر) وستانلي (الممثل توبي جونز)
هكذا، ومنذ البدء، نحن قبالة إنسان ذو ماضي غامض وراهن مشوّش. الممثل توبي جونز، ومنذ وقت مبكر من العرض، يلعب شخصية ستانلي، كما لو أنه رجلاً عقيماً، خائفاً ومحبطاً، معوّقاً، ودوداً
وعدوانياً ولا يأتمن أحداً. في تعنيفه وتوبيخه للعجوز ميغ، بشأن نوعية الفطور، وزجره المتواصل لجارتهم اللعوب لولو “الممثلة سينيد ماثيوس” والتي تربطه بها علاقة ما ملتبسة، نلحظ شخصية عصابية تتماهى وسلوك كلب الوبت المفترس السريع العدو.

حين تقترح العجوز المولعة به أقامة حفلة عيد ميلاد له، رغم جهلها بتأريخ يوم الميلاد، نبتدأ بتتبع مسار كوميديا يطبعها لونان متجاوران ومتعارضان، أحدهما فكه لامعقول، والآخر مُقلق ومُهدِّد.
الهدية التي تقدمها ميغ له في حفل عيد الميلاد هي عبارة عن طبل صغير أشبه بلعبة.
هكذا تبدأ الاستعدادات لتهيئة الحفل بهذه العفوية والبراءة وروح الدعابة، بعد أن تنضم إليهما لولو
المغناج (الممثلة بيرل ماكي). فجأة تُطرق الباب، ويظهر رجلان، قدما بحثاً عن غرفة للسكن، أحدهما يهودي انكليزي يدعى غولدبيرغ، (الممثل ستيفن مانكان)، والآخر إيرلندي كاثوليكي أسمه ماكان (الممثل توم فوغان لولور) الذي يبدو منذ الوهلة الأولى شخصاً شريراً وانطوائياً.
يشرع الاثنان على الفور ودون أي مقدمات في استجواب ميغ بشأن نزيلها الذي يجهلان حتى اسمه.
يتقهقر ستانلي ويختبئ في ركن من أركان المطبخ، لحظة سماعه حديثهما مع صاحبة المنزل، فتتسلل إلينا العبارة المرعبة الأولى في سياق حديثهما حيث يسأل أحدهما الآخر:
“هل تظن أننا في المكان المعني؟” يجيبه الآخر: “لا أعرف. لم أنتبه إلى رقم المنزل”.
حين تُخبر العجوز الغريبان بحفلة عيد ميلاد نزيلها، يتبرع الاثنان بعُجالة وبشكل مقلق، أن تقام تلك الحفلة على حسابهما الخاص!. مع ذلك، ورغم رفض ستانلي الدعوة، لسبب منطقي، أن اليوم الذي يسعون لأقامة الحفل فيه هو ببساطة ليس تأريخ يوم ميلاده، إلا أن الرجلين يصران على ذلك ويقام الحفل عنوةً.
يبتدأ الحفل بلعبة “مداعبة الرجل الأعمى”، وقيام الإيرلندي بتجريد ستانلي من نظارته، ثم شد عينيه بعصابة ليلعب ستانلي دور الأعمى، فيما ينفرد اليهودي غولدبيرغ، بمغازلة لولو صديقة ستانلي، ويتواصل الحفل إلى ساعة متأخرة من الليل. تنصرف العجوز في نهاية الحفل وتتبعها لولو فينفرد الرجلان بستانلي، ويبدأ طقس الأستجواب الحقيقي!
إن طبيعة الأسئلة التي يرشقونها بوجهه، أشبه بشرر النار، سريعة، غير مترابطة، ولا تقدّم لنا أية معلومة توضح طبيعة التهمة الموجهة ضده. يصبح فيها ستانلي أشبه بغصن شجرة ينحني ببطء حتى ينكسر.
فمن التهم التي توجَّهُ ضدّه، أنه كان السبب وراء موت خطيبته، لأنه لم يتزوجها.. أو أنه لم يدفع الإيجار.. أو (إنك نتن..) أو (لماذا كُسر أنفك؟ لماذا تظن أنك موجود؟) أو (ماذا تظن نفسك؟) والسؤال الأخير هذا، كما يبدو، هو السؤال الجوهري في المسرحية.
وهكذا يتحول المكان فجأة إلى ما يشبه صالة عمليات ولادة، أو غرفة تعذيب لعملية غسل دماغ قاسية، معذبة، وقذرة، يفقد ستانلي خلالها قدرته على النطق، مجاز لسحق شخصيته وهويته وإنسانيته، وولادة إنسان آخر في اليوم الثاني، ولادة ستانلي آخر، مرتدياً بدلةً شبيهة ببدلتيهما، يُقاد بعدها إلى الخارج دون أن تصدر منه كلمة.
أما حفلة عيد الميلاد، عنوان المسرحية، فلم يكن القصد منه هنا، الذكرى السنوية لميلاد ستانلي، إنما اليوم الذي سيولد فيه ستانلي آخر يختلف تماماً عنه قبيل تلك الحفلة. لكن الأمر لا يمرّ هكذا دون تلميح لردة فعل ولو بسيط كنوع من المقاومة، حيث يضع بنتر جملته الأخيرة المدويَّة على لسان العجوز بيتر الذي ينادي ستانلي بقوله: “ستانلي، لا تدعهم يقولون لك بما يجب عليك فعله“!.
عبارة مرتجفة يهمسها العجوز في أذن ستانلي بنبرة حزينة خارجة من روح مسحوقة. جملة سيظل صداها يرن في أعماقنا حتى بعد مغادرتنا القاعة.
حين نتأمل هذا المشهد المرعب، تقفز إلى الذهن أسئلة عديدة: من هو ستانلي؟ لماذا جاء ليسكن في
هذا المنزل الساحلي المنعزل؟ ومن هما هذان الرجلان؟
بنتر لا يجيب على أسئلة كهذه، بالطبع، بل يترك ذلك لمخيلة للمتفرج. الجوهري في مسرحه، ومسرح بيكيت، أيضاً، ليس أن يدرك المتفرج ما يجري أمامه على خشبة المسرح، إنما نوعية وشكل استجاباته إزاء ما يحدث.
يقيناً أن الرجلان قدِما من أجل ستانلي، وواضح من هيئتهما وسلوكهما، أنهما أشبه بقتلة مأجورين من النوع البربري والقذر جداً، أو ربما هما أعضاء في منظمة دينية أو سياسية أو إرهابية، قدما بحثاً عن طريدتهما، ولا ننسى أن أحدهما أيرلندي والآخر يهودي.
ذعر ستانلي توتره وترقبّه، قبل وصولهما، يترك مسحة من الشك من أنه هو نفسه، ربما، كان عضواً في منظمة ما سرية هرب منها فقدِمَ ليختبئ في هذا البانسيون، وهو السبب المنطقي لقدومهما من أجل إعادته بالقوة. أو، ربما، هو هارب من أحد المصحات العقلية… من يدري! أو… هو فنان معتكف في عالمه التخييلي الخاص، يُقتحم من قبل رجلان مجهولان ـ هما بمثابة ترميز للواقع، بكل عنف ووحشية مؤسساته الدينية والمدنية ـ قدما من الخارج لإخضاعه لنواميس وتقاليد يرفضها.

كل شيء ممكن، لكن الأمر المؤكد حقاً، أن هذان الشخصان جاءا لتقويض ستانلي روحياً. فقد نجحا في أنتزاعه من عالمه الخاص، لمسخ شخصيته وإنسانيته. ومع ذلك، ينبغي معرفة الكيفية التي يمكن أن نقيّم فيها مفاهيم الهزيمة والانتصار في معادلة كهذه؟
هارولد بنتر يتمتع برؤى شعرية لها شأن بمثل هذه المفاهيم، فما كان انتصاراً للرجلين يصبح هزيمة
لهما، فهو، أي بنتر، لم يغفل بأن يظهرهما، بشكل جلي ومتزايد، في حالة من عدم الأمان والاطمئنان. فعلى الرغم مما حققاه من نجاح في أخضاع ضحيتهما، إلا أنهما شعرا في الآخِر
بالهزيمة. فاليهودي غولبيرغ يعترف لصاحبه الإيرلندي في النهاية بقوله:”لا أعرف لماذا أشعر أنني هُزمت“. أما ماكّان، فهو يرفض الصعود مرة أخرى إلى غرفة ستانلي لاستئناف عملية الاستجواب، ما يخلق توتراً بينهما يصل حد التهديد، وهذا ما يضاعف حدة الرعب في المسرحية، حيث توحي الصورة لنا أن الجلادَين غير آمنين على نفسيهما من الهجمات.
وظيفة هذين الرجلين في الواقع، أنهما رموز للعنف والقوة والتهديد القائم خارج هذا العالم الخاص، وإذا أردنا أن نضيف لهما بُعداً فلسفياً، نقول يمكن أن يكونا أشبه برُسل الموت، وما شاهدناه، لم يكن سوى صورة لمسار عملية الموت ذاتها، بشكلها التجريدي، جاءا لنقل ضحيتهما إلى العالم الآخر،
مدركين تماماً حقيقة أن الموت يصيب جميع الناس بمن فيهم رُسُلِه!
(التماهي مع البطل الكافكوي)
لا شك أنَّ المخرج إيان ريكسون قرأ النص البنتري بمزاج كافكوي، وقد سعت المعالجة إلى نوع من المقاربة بين ستانلي بنتر وجوزيف ك بطل رواية كافكا “المحاكمة”.
إنَّ شخصيات “حفلة عيد الميلاد” وفضاءها يعيدان إلى الأذهان حقاً مناخ رواية المحاكمة. فستانلي يحمل الكثير من صفات وسلوك جوزيف ك، بل أن مصيرهما يكاد يكون واحداً. أما وظيفة سجانيّ جوزيف ك، فهي الأخرى شبيهة تماماً بوظيفة الرجلين اللذين أقتحما عالم ستانلي، وهي جعل ضحيتهما تشك ببراءتها وأمنها، ومن ثمَّ القيام بشل كامل لإرادتها.

ستانلي، يبدو لنا عصابياً حتى قبل حضور الرجلين، فالتهديد الذي كان يوجهه إلى العجوز ميغ ولولو سينقلب ضده حال وصولهما. ويبدو أنه مستعد بشكل آلي، لخوض تجربة الشعور بالاضطهاد هذه، تلك التي تنخر أعماقه. بل يمكن القول إن حضورهما هو بمثابة مجاز للعنصر الخارجي الذي فجّر طاقة الرعب والتهديد الكامنتين في أعماقه، تلك التي تعكس شعوره المتزايد بالاضطهاد، وهي حالة تكاد تشبه نزاع الإنسان مع خطيئته الأولى، بمغزاها الوجداني والشعري والفلسفي، وهذا ما يمكن العثور على انعكاس له في شخصية جوزيف ك نفسه.
جوزيف ك وستانلي يحاول كلاهما تأسيس براءته عن طريق هجوم جنسي عقيم، الأول على الفتاة بوشنر، والثاني على لولو، وغرضهما، معاً، ليس المتعة، إنما هدفاً في إثبات رجولتهما، التي هي في الآخر، شكلاً من أشكال براءتهما.
جوزيف ك بأحساسه وهو يؤكد ذاته في محيطه المنزلي، يبدو إلى حد ما، كما لو أنه يشيّد جداراً واقياً ضد عالم الخديعة والجور المتمثلان بتلك المحاكمة.
بنتر وكافكا، كلاهما أراد القول، أن لا وجود لعالم البراءة أو لإنسان بريء. والبراءة، مع وقف التنفيذ، تُبيح لصاحبها أن يستأنف العيش في ظل تهديد دائم باعتقاله وملاحقته من جديد.
حين يأخذ الرجلان ستانلي في الآخِر، ويذهبان به إلى وجهة مجهولة، نعثر على العجوزين ميغ وبيتر، وهما يتناولان إفطارهما، كما في مستهل العرض، بانتظار ساكن جديد آخر.
تحذف ميغ أسم ستانلي من سجل النزلاء، كما لو أنها تحذفه من الوجود، لتعود رتابة كل شيء كما في السابق، إلاّ إن جملة زوجها العجوز بيتر تظل ترن في الأعماق حتى بعد نزول الستارة:
“ستانلي، لا تدعهم يقولون لك بما يجب عليك فعله“.
***