Home » منهج سوزوكي في تدريب الممثل – القسم الثاني

منهج سوزوكي في تدريب الممثل – القسم الثاني

كتبه علي كامل
A+A-
إعادة ضبط

 ترجمة وتقديم علي كامل

الثقافة هي الجسد *

يلعب الجسد في العديد من البلدان الشرقية كأداة نقل لتهذيب الأحاسيس والمدركات الفلسفية والدينية، سواء عبر القواعد أو الطرق التي تنظم الممارسات التأملية والشعائرية أو خلال قواعد العرض المسرحي. وبناء على ذلك تبنى الآسيويين علوم الأساطير التقليدية للجسد ليس بافتراضهم، ببساطة، بأن الجسد ينفصل فيزيائياً عن الأشكال الأخرى للوجود (وأعني بها الأشكال العاطفية والروحية والفلسفية والكوزمولوجية)، بل، وعلى نحو أدق، يصبح الجسد بالنسبة لهم هو الوعاء الذي يحوي كل هذه الأشكال ممزوجة معاً.

إن جسد الممثل أو (المؤدي) الآسيوي هو جهاز خلاق مشكلّ بنوع يشبه تركيب الآلة الموسيقية، ففي الوقت الذي يستخدم الممثل في الغرب جسده كوسيلة لمحاكاة الواقع أو التعبير عنه، نرى جسد الممثل الآسيوي يصبح الواقع ذاته. فقط، عبر تكييفه بهذه الطريقة يصبح بإمكان الجسد أن يكون وسيلة استجابة لأي تباين طفيف مستمد من الفكرة المستوحاة تجعل من الممثل قادراً على الغوص إلى داخل القوة الكونية، والتي تعني في التفكير الآسيوي تفسيراً للحقيقة الباطنية لا يقبل الجدل.

يفترض منهج سوزوكي ضمناً فكرة عن الجسد في أنه بمثابة واسطة يستطيع الممثل من خلالها إظهار الوعي والإحساس المفرطين، والذي هو في المحصلة ارتباط سيكوفيزيائي كلي لعقل الجسد وروحه في إطار الفعالية.

سوزوكي يعكس بدقة الهدف والفلسفة والمران التي تقف خلف طريقته أو منهجه في التدريب والتي تؤكد على علاقة الممثل أو صلته بالأرض عبر قدميه، وهو الموضوع الذي يكشف عن ظاهره وباطنه في العديد من مقالاته الطويلة في كتابه “طريقة التمثيل: الكتابات المسرحية لسوزوكي تاداشي. ترجمة توماس رايمر. نيويورك. مجموعة الأتصالات المسرحية (1986)”.

يطلق سوزوكي على منهجه أو طريقته (قواعد الأقدام) نظراً لأن “إدراك صلة الجسد بالأرض يقود إلى وعي هائل لكل نقاط الاتصال الفيزيائية الأخرى”.

في كتابه ” تقاليد العرض الشرقية ـ التدريبات الصارمة لسوزوكي” يوضح جيمس براندون كيف أن قواعد التدريب الصارمة لسوزوكي تترك أثراً على الممثلين، فهو يقول:

“لقد كانوا يندفعون إلى أقصى حد في الاهتمام والمشاركة والرغبة بالتشويش ملزمين أنفسهم بوضعيات جسدية معذبة وموجعة جداً. كانوا ينشدون أغان مفككة لا توجد صلة فيما بينها وهي غير قابلة لأن تروى أصلاً، لذا فقد كان الممثل ملزماً على الدخول في مواجهة أو مصادمة ذاتية عميقة وعنيفة من شأنها أن تجلب القدرة على القيام بمهمة الذات أيما كانت الشخصية”. وفي

مكان آخر يقول:

“إن السير على الأرض وضربها بقوة، كذلك الإيماءات الإيقاعية العنيفة والتركيز على الطاقة الكامنة في منطقة الحوض واستخدام الجسد كلياً في التمثيل، جميعاً تمثل الأهداف الأساسية لهذا التدريب.

إن هذه المفاهيم والتموضعات الجسدية الخاصة والحركات تنشأ بشكل مباشر أو غير مباشر من الأشكال التقليدية اليابانية، بل إن قواعد الأقدام ذاتها، هي في الآخر، مستمدة تقريباً من قواعد التمثيل في مسرح نـو وكابوكي اليابانيين التقليديين”.

لقد أوضح سوزوكي لبراندون مرةً شكل المشاركة التي يتوقعها من الممثل حين كان يعمل التمرينات قائلاً:

“يخطىء الممثل ويخدع نفسه حين يظن بأن ما يقوم به أثناء التمرين هو مجرد مران وتدريب لقواه العضلية. ينبغي على الممثل في أية لحظة من لحظات التدريب والمران أن يعكس عاطفة، حالة ما، طبقاً لتفسير جسده الخاص لها.

إن استخدام الممثل للتمرينات هو ليس لتنمية قدراته فيما يتعلق بالتقنيات والبراعات فحسب إنما هو أيضاً طريقة لتعزيز حياته العاطفية، السيكولوجية، الروحية، والمسرحية. هذه هي قواعد تدريب التمثيل”.

إن هدف الممثل، وفق سوزوكي، هو جعل الجسد كله ينطق حتى وإن كان الممثّل صامتاً. فالجسد بالنسبة له يصبح مجازاً كاملاً للوضع الأمثل للممثل وهو على خشبة المسرح. وبالتالي، الثقافة، بالنسبة لسوزوكي تعني الجسد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

نص محاضرة البروفيسور المخرج والمفكّر الياباني تاداشي سوزوكي ومنهجه في تدريب الممثل

الأقدام هي الجزء المتبقّي من الجسد الإنساني الذي ظلَّ على اتصالٍ بالأرض، وهي الداعمُ الرئيسي لجميع أنشطةِ البشر.

ت. سوزوكي

إن الهدف الرئيسي لمنهجي هو رفع وتعميق القدرات التعبيرية الفطرية لدى الممثل والسعي إلى تطويرها من خلال الكشف عن الإحساس المُدرَك جسدياً ومحاولة إبرازه إلى السطح، وأعني بالإحساس المُدرَك جسدياً، ذلك الإحساس الذي كان يتمتع به الممثل أو المؤدّي أصلاً قبل أن يُحرز المسرح أساليب عروضه المنظّمة والمصنفة منهجياً.

لقد تزامن بدء تفكيري في هذا المنهج مع الفترة التي كنت فيها منهمكاً في البحث عن طرق لفحص وتحليل درجات اختلاف الإدراك الجسدي بين أشخاص متباينين، اختلافات كتلك التي نجدها أثناء تواجد الممثلين على خشبة المسرح، سواء كانوا في حالة سكون كامل، أو في حالة حركة، أو عبر شروعهم بفعل ما. كان هدفي من ذلك جمع تلك التباينات، ومن ثمَّ توحيدها في شيء يمكننا نحن البشر جميعاً أن نتقاسمه كخاصية مشتركة بيننا بعيداً عن كل تمايزاتنا العرقية أوالقومية.

لقد أحسست في المقام الأول، بضرورة البحث عن العلاقة المباشرة والمحدّدة لأحاسيسنا أو مشاعرنا إزاء الأرض التي نقف أو نسير عليها، وأعني بالتحديد جاذبيتنا نحو الأرض التي يتحسسها النصف الأسفل من جسدنا.

أخيراً استطعت أن استخلص بعض الطرق الأساسية لاستخدام الجسد بوصفه وعاء يحوي مشاعر مُدرَكة تختلف بعضها عن بعض بشكل طفيف. وهكذا، ولأجل صياغة منهجي شرعت في تنظيم وتنسيق تلك الاختلافات الطفيفة.

تقنياً، يتألف منهجي من مجموعة من التمرينات تتعلق بكيفية تعلّم النطق والإلقاء بحيوية وصفاء، وكذلك تعلّم كيفية جعل الجسد كله ينطق، حتى وإن كان الممثل صامتاً. بهذه الوسيلة، يستطيع الممثل أن يتعلّم أفضل الطرق لوجوده على خشبة المسرح.

 من خلال التطبيق العملي لهذا المنهج أردت أن أمنح الممثل فرصة لإظهار القابليات التعبيرية لجسده، وأيضاً القدرة على التحكّم بذاكرته وقوة تركيزه.

بعبارة أخرى، هذه التمرينات، إذا جاز لي القول، هي بمثابة قواعد لغوية ضرورية لترجمة صورة المسرح القائم في مخيلتي وتجسيده مادياً. أما الشيء الأكثر جاذبية في الأمر فهو إن هذه القواعد ينبغي أن تُستوعب داخل نطاق الجسد كما لو أنها غريزة ثانية، تماماً مثلما لا يمكنك الاستمتاع بالمحادثة اليومية دون أن تكون مُلمّاً بقواعد فن الكلام.

ينبغي لهذه التقنيات أن تُدرس وتُطوّع لحين أن تصبح قيد الاستخدام كما لو أنها “فرضية جاهزة للعمل”، ليتمكن الممثلون وقتها من الإحساس حقاً أنهم شخصيات وهمية أو تخييلية على خشبة المسرح. ولكي يُدرِك الممثلون الصور الذهنية أو الشخصيات التخييلية التي يسعون إلى تجسيدها على خشبة المسرح، ينبغي لهم أن يُظهروا ويُطوروا هذا الإحساس الأساسي، وأعني به الإحساس المُدرَك جسدياً.

 المجتمع “المثقف”، من وجهة نظري، هو المجتمع الذي تستخدم فيه القُدرات التعبيرية والمُدرِِكة للجسد الإنساني إلى حدودها القصوى، لأنها هي من يزودنا بالوسائل الرئيسية لإقامة الصلات وتبادل الأفكار.

 ينبغي التشديد هنا على أنه ليس بالضرورة دائماً أن يكون البلد المتمدّن أو المتحضّر هو بلداّ مثقفاً. إنَّ الحضارة أو المدنية نشأت وتطورت حقاً بالارتباط مع تطور وظائف الجسد البشري، ومن الممكن جداً أن تُفسّر على أنها توسيع لتلك الوظائف، أو امتداد للمَلكات الجسدية كالعيون والآذان، اللسان والأيدي والأقدام. فاختراع التلسكوب والميكروسكوب مثلاً، لم يكن سوى مُحصِلّة للطموح البشري في مساعيه لرؤية أشياء لا تقوى حاسة البصر العادية عن رؤيتها. وهكذا فإن التأثير المتراكم لمثل هذه المساعي هو ما يمكن أن نطلق

عليه كلمة “حضارة” أو “مدنية” والتي هي ثمرة لتوسيع وامتداد لتلك المَلكات الجسدية. أما الأمر الذي ينبغي علينا بعد ذلك أخذه في نظر الاعتبار، فهو نوع الطاقة الضرورية لتحقيق طموحات كهذه، وهذا بدوره يقودنا منطقياً إلى التفكير في موضوع “الحداثة”.

 إنَّ المعيار الأساسي للتمييز بين مجتمعات “الحداثة” ومجتمعات “ما قبل الحداثة”، حسب بعض السوسيولوجيين الأمريكيين مثلاً، هو نسبة استخدام “الطاقة الحيوانية” قياساً بـ “الطاقة غير الحيوانية” في تلك المجتمعات.

( المقصود بالطاقة الحيوانية هنا، هي تلك التي يبذلها الإنسان والحيوان، أما الطاقة غير الحيوانية، فالمقصود بها الطاقة الكهربية والنووية وما شابه)

ليس ثمة سوى وسيلة واحدة لقياس حداثة ذلك البلد من عدمه، وهي حساب حجم” الطاقة غير الحيوانية” المستخدَم في مجرى عملية الإنتاج لذلك البلد.

من هنا، يمكن القول، وبشكل تقريبي، أنَّ البلدان الإفريقية والكثير من البلدان الشرقية، على سبيل المثال، والتي عادة ما تكون نسبة استخدام “الطاقة الحيوانية” فيها عالية جداً، هي مجتمعات “ما قبل الحداثة”، مقارنة ببلدان متقدمة مثل الولايات المتحدة واليابان مثلاً، حيث الطاقة فيهما تُشتق من البترول والكهرباء والقدرة النووية، والتي تستخدم عادة في كل عمليات الإنتاج.

الآن، لو طبقنا الآن وجهة النظر هذه على المسرح، فسنلاحظ في هذه الحال أن كل المسارح المعاصرة هي مسارح “حديثة” ذلك لأنها تستخدم الطاقة “غير الحيوانية” إلى أقصى الحدود. فالإضاءة والمصاعد والرافعات وخشبات المسارح الدوّارة وما إلى ذلك، يُتَحكَّم بها كلها عَبر الطاقة الكهربية، فضلاً عن دُور العرض نفسها، بدءاً من الأساسات الكونكريتية وانتهاءاً بآخر مبتكرات أدوات وعناصر العرض التقنية والفنية، ما هي إلا المحصَّلة النهائية لتنوع ميادين النشاط الصناعي.

أما لو أخذنا النموذج الياباني الوحيد الباقي لمسرح ما قبل الحداثة وأعني به مسرح “نـو “Noh لوجدنا أن العملية معكوسة تماماً، أي أن هذا المسرح لم يكن يستخدم الطاقة “غير الحيوانية” على الإطلاق.

لنأخذ الموسيقى، على سبيل المثال، ففي المسرح الحديث، تُسجّل الموسيقى ويعاد إنتاجها عبر عملية التوليف ومكبرات الصوت، في حين نرى أنَّ أصوات الممثّل ـ المغني ـ والكورس وصوت الآلات الموسيقية في مسرح “نو “Noh تؤدّى وُتعزف جميعها بشكل حيّ لتصل إلى أسماع الجمهور مباشرة. أما ملابس وأقنعة هذا المسرح فهي تصنع باليد عادة، بل إن المسرح ذاته قد شُيدّ وفقاً للقواعد التقليدية لحرفة النجارة اليابانية

القديمة. أما فيما يتعلق بالإضاءة، فعلى الرغم من استخدام العروض الحديثة لـمسرح “نـو “Noh للطاقة الكهربائية في توليد تلك الإضاءة، والتي لازلتُ أنا معارضاً لاستخدامها، لأن العروض القديمة لم يكن مصدرها سوى الشموع فقط، إلا أن الإضاءة الصناعية تلك تستخدم الآن بحدّها الأدنى قياساً بالإضاءة الملوّنة ذو التقنية العالية الجودة، تلك المستخدمة في المسارح الحديثة.

لقد انبثق مسرح “نـو “Noh بإدراك روحي لخلق شيء ما عَبر جُهد الجسد الإنساني وبراعته، إلى الحد الذي يمكننا أن نصفه، حسب السوسيولوجيين الأميركيين، بأنه خلاصة لمسرح “ما قبل الحداثة” لأنه إنتاج إبداعي مصدره الطاقة الحيوانية. ونظراً لأن على المسرح مجاراة الزمن، وإنَّ عليه أن يستخدم الطاقة “غير الحيوانية” في كل وجه من أوجه نشاطاته، سواء كان ذلك في الغرب أو في اليابان، فإن إحدى أكبر المعضلات التي واجهها هي الانفصال الواضح لملـَكات الجسد عن الإحساس الجسدي، فمثلما وسّعت الحضارة من وظيفة العين في اختراعها التلسكوب، أسهمت الحداثة في تقويض وتمزيق ملـَكاتنا الجسدية وفصلها تماماً عن ذواتنا الإنسانية.

إنَّ ما أسعى إليه من ذلك حقاً هو أن أبعث تكامل الجسد الإنساني وسط البيئة المسرحية، ليس عَبر العودة إلى الأشكال المسرحية التقليدية لمسرح “نـو “Noh أو مسرح “كابوكي “Kabuki إنما بتوظيف المزايا الاستثنائية لهذين المسرحين من أجل خلق شيء ما، يمكن أن ينقل تجاربنا الحالية في العمل مع الجسد إلى المسرح الحديث.

ما ينبغي لنا القيام به هو أن نعيد لُحمة ملـَكاتنا الجسدية التي قُوضّت يوماً ما، وأن نستعيد طاقات جسدنا البشري وقدراته التعبيرية والمُدركة. فإذا نجحنا في تحقيق ذلك، نستطيع عندئذ الحفاظ على الثقافة واستمرارها داخل نطاق الحضارة أو المدنية.

إن منهجي في تدريب الممثل يؤكد بوجه خاص على أهمية “لأقدام” لأنني أعتقد أنَّ إدراك الصلة القائمة بين الجسد والأرض، يقود بدوره إلى إدراك هائل لكل الصلات الفيزيائية الأخرى للجسد.

يتطلب القسم الرئيسي لطريقتي في التدريب أن يضغط الممثل بقدميه على الأرض بشدة وقسوة لفترة محددة من الوقت وفقاً لموسيقى إيقاعية، أو على نحو أدَّق، السير بشكل دائري وركل الأرض بالقدمين بقوة، في وضعية يكون الجسد فيها شبه جاثم. بعدها، وحال توقّف الموسيقى، ينبغي على الممثل إرخاء جسده تماماً والاستلقاء على الأرض، شرط أن يكون هذا الاستلقاء ساكناً وهامداً. وبعد فترة وجيزة ينبغي أن تبدأ الموسيقى ثانية، لكنها يجب أن تكون هذه المرة بطيئة وناعمة. ووفقاً لهذا التغيّر الحاصل في الموسيقى، ينهض الممثل ويقف على قدميه ببطء، بأية طريقة يشاء، منتصباً بشكل عمودي، عودةًً إلى وضعه الطبيعي السابق.

يتضمن هذا التمرين في الواقع حركتين متعاكستين، إحداهما ديناميكية والأخرى ساكنة، أي، حركة وسكون، سكون وحركة.

بعبارة أخرى، إنها عملية إطلاق وكبح متناوب للطاقة الجسدية. الهدف من هذا التمرين في الواقع هو إظهار قوة التركيز على الجسد عبر التحكّم في عملية التـنفس.

إن المغزى الرئيسي للنصف الأول من هذا التمرين هو المحافظة على استئناف ضرب الأقدام على الأرض بقوة دون إحداث أي اهتزاز للنصف العلوي من الجسد. أما إذا فقد الممثل تركيز إحساسه على قدميه وساقيه ووركه، والتي ينبغي لها أن تكون قد خضعت لمران جيد وصارم، عندئذ يصبح من الصعب عليه الاستمرار في الضرب على الأرض بشكل متماسك ومتناسق مهما أُوتي من قوة ونشاط.

فضلاً عن ذلك، بدون طاقة روحية وإرادة في التحكم في عملية التنفس، فأن النصف العلوي للجسد سيبدأ حتماً في التأرجح تدريجياً، ومن ثم سيفقد إيقاع الضربات هارمونيته.

نقطة مهمة أخرى هي، إذا ضرب الممثل الأرض بقدم واحدة، فإن قوة الضرب تلك ستؤثر بشكل طبيعي على النصف العلوي من الجسد وتجعله يهتز.

 ما أثار انتباهي خلال التدريب مع الممثلين وهم يضربون الأرض بأقدامهم بعنف وقوة هو أن ردّة الفعل تتجه آلياً نحو الأعلى. بمعنى آخر، كلما ركلوا الأرض بشكل أكثر قوة، كلما بدأ الجزء الأعلى من أجسادهم يتأرجح أكثر، لذا فإن الطريقة الوحيدة لتخفيف حدّة التأرجح تلك إلى حدّها الأدنى يستلزم منهم كبح تلك القوة عبر الورك.

ينبغي على الممثلين وهم يضربون الأرض بأقدامهم أن يدركوا دائماً العلاقة التي تربط النصف السفلي بالنصف العلوي لأجسادهم، هذان النصفان اللذان يدوران معاً على محور واحد هو الورك.

إن التشديد على حقيقة أن بُنية جسم الإنسان وتوازن القوى التي تساعده تتمحور في المنطقة الحوضية هي ليست بالطبع فكرة خاصة بمنهجي، فهي تُستخدم في كل أنواع فنون الأداء تقريباً. ومع ذلك، أعتقد أنها الشيء الذي يميز منهجي في تدريب الممثل، والذي يستلزم من الممثلين قبل كل شيء، هو أن يُحسوا تلك المنطقة بوعي تام عن طريق ركل الأرض بأقدامهم وضربها بقوة.

إن منشأ هذا مصدره اعتقادي الراسخ أن الإحساس الجسدي الرئيسي لأي ممثل مسرحي يتوقف كله على أقدامه!.

المعضلة هي أننا نميل في حياتنا اليومية دائماً إلى التغاضي عن أهمية الأقدام، في حين أن الشيء الهام والضروري يتطلب منا أن ندرك جيداً أن الجسد الإنساني يقيم صلته بالأرض عن طريق القدمين فقط، وأن الأرض والجسد هما شيئان غير منفصلين، وأن الثاني هو جزء من الأول. بمعنى آخر، أننا حين نموت سنعود ثانية إلى الأرض.

ينبغي علينا ان نجعل من الجسد، الذي هو عادة ما يقيم مثل هذه الصلة مع الأرض بشكل غير واعٍ، أن يدرك هذه الحقيقة عن طريق خلق إحساس قوي لوقع التأثير أو الصدمة خلال ضرب الأرض بالأقدام.

قيل إنَّ فكرتي هذه هي فكرة يابانية بحتة، إلا أن ذلك غير صحيح على الإطلاق، فحتى الباليه الأوروبي الكلاسيكي الذي يبدو فيه أن هدف الراقصين من القفز نحو الأعلى ما هو إلا لغرض التحليق في الهواء، إلا أن الإحساس الجسدي الرئيسي يتكون حقاً من خلال الإحساس بالجاذبية نحو الأرض.

مرة أخرى نرى في الأشكال المسرحية التقليدية اليابانية “نـو” و” و”كابوكي” أن توازن القوتين الموجَّهتين، أعني تلك التي تتجه إلى السماء، صوب القمم، والأخرى صوب الأرض باتجاه الأعماق، هي مسألة جوهرية جداً في التعبير الجسدي. ففي الأشكال المسرحية التقليدية اليابانية نرى أن هاتين القوتين تكونان متعاكستين في وجهتيهما، إحداهما إزاء الأخرى، إلا أنهما تلتقيان في المنطقة الحوضية، ومن هاتين الحركتين أو الاتجاهين تنشأ الطاقة لتشع فيما بعد بشكل أفقي.

وهكذا، فإن محاولة النصف العلوي من الجسد للتحليق في الهواء، والنصف السفلي للغوص نحو القاع، ما هي إلا عملية موازنة لهذه الحركة، وبناء على ذلك يتضاعف الإحساس أكثر بأن القدمين راسختان بثبات على الأرض، وهذا ما يُرمز له بحركات مثل “سوري ـ آشي”) أي الخطوات الانزلاقية) أو “آشي ـ بايوشي” )أي السير والضرب على الأرض بالأقدام). هاتان الحركتان اللتان تعبّران عن الصلة أو الانجذاب نحو الأرض. (**) (***)

لقد وجد الأنثروبولوجي الياباني الشهير شينوبو أوريغاتشي (****) في دراسته لفنون الأداء اليابانية، أن المؤدّين أو الممثلين حين يركلوا الأرض بأقدامهم بشكل متواصل في بعض أجزاء العرض، فإن ذلك يوحي في حد ذاته بالتعبير عن سحق الأرواح الشريرة القابعة تحت الأرض. انطلاقاً من وجهة النظر هذه نرى أن الخطوات الانزلاقية “سوري ـ آشي” في مسرحيات “نو” يمكن اعتبارها حركات تمهيدية للبدء في الضرب.

وهكذا، حسب أوريغاتشي، فإن جوهر الرقص التقليدي الياباني هو المشي والتجوال فوق خشبة المسرح والذي كان يعبّر أصلاً عن تطهير المكان من الأرواح الشريرة عبر ضرب الأرض بالأقدام بقوة سعياً لسحق تلك الأرواح القابعة تحت سطح الأرض.

إن سلسلة الحركات في تدريباتي تتكون من شدّ الجسد بأكمله بقوة وإحكام وتكثيف وتركيز القوة في منطقة الورك، ثم الضرب على الأرض بنفس الإيقاع المتواصل، وبعدها السقوط على الأرض والاستلقاء دون حراك، ثم النهوض ثانية وفق الموسيقى، تماماً مثل الدمية التي تتحرك بواسطة الأسلاك، عن طريق نشر قوة ساكنة في كل أنحاء الجسد. وكل ذلك يتحقق بواسطة التبدّل النوعي التام لما يمكن أن نسميه بـ “الجسد الاعتيادي الخام الخامل وغير المُرّكز”. لهذا السبب نرى الكثير من المبتدئين يشعرون أنهم مرغمين بشكل آلي على الحركة، وأن الفوارق الطفيفة والرقيقة لأجسادهم تكاد تتلاشى شيئاً فشيئاً.

وفقاً لخبرتي في تطبيق هذه التدريبات، لاحظت أن الممثلين الأمريكيين المولعين بالتمثيل الواقعي، يميلون على الدوام لشعور كهذا. فعلى الرغم من أنهم يبتدئون الضرب على الأرض بأقدامهم بنشاط وجديّة، إلا أنهم سرعان ما يفقدون تركيزهم، ومن ثم ترتخي أجسادهم وتنحّل. وثمة شيء آخر وهو أن البعض من الناس ممن شاهد تدريباتي اعتبرها يابانية محضة حالاً، قائلين إنها لا تتلاءم مع الممثلين الأمريكيين! والسبب لأن سيقانهم طويلة مقارنة مع اليابانيين.!

الواقع أن المسألة ليست لها علاقة بسيقان طويلة وسيقان قصيرة أو قدرة على الاحتمال، إنما المسألة لها علاقة باكتشاف الإحساس الداخلي الجسدي الملموس، أو بتمييز ومعرفة الذاكرة الفطرية العميقة والداخلية وعلاقتها بالجسد الإنساني. بكلمات أخرى، الموضوع كله متعلق بالقدرة على الكشف عن هذا الإحساس الجسدي العميق ومنحه حرية الحركة كاملة.

من هنا يمكن القول ليس بالضرورة أن الممثلين اليابانيين وحدهم فقط بإمكانهم استيعاب الهدف من تمريناتي، فيما الآخرين لا.

إن ضرب الأقدام على الأرض، سواء كان ذلك في أوروبا أو في اليابان، هو حركة جسدية كونية شاملة ضرورية لنا جميعاً، الهدف منها أن نحس بأجسادنا بشكل مثير ومتميز، أو لكي نخلق أو نبتكر الحّيز المُتـَخيّل والذي يمكن لنا أيضاً أن نسميه بـ “الحيّز الطقسي أو الشعائري”، هناك حيث يمكننا أن نحقق التحّول الشخصي أو الذاتي.

إن ضرب الأرض أو ركلها بالأقدام كان قد نشأ وتأصل في الطقوس اليابانية القديمة، فقد ذكر الأنثروبولوجي أوريغاتشي في كتابه الشهير (ست محاضرات في تأريخ فنون الأداء اليابانية القديمة) من أن “الطقس الإستهلالي للجدار الحجري المقدس في “أسطورة الخلق” اليابانية، هو بمثابة الجذر الأساسي للرقص البوذي المقدس كاگورا ). (*****)

وقد تحدّث أوريغاشي أيضاً عن الرقص الإيقاعي الذي يهدئ الأرواح والذي تؤدي رقصته الإلهه “آمينو أوزامينو ميكوتا” التي تدور حول حوض غسيل خشبي وتضرب قاعه بنهاية عصا، بشكل إيقاعي. يقول أوريغاتشي:

” ربما يرمز حوض الغسيل هنا إلى الأرض أو قاعها. وإن ضرب الإلهة آمينو لقاع الحوض بالعصا، وهي تطلق صيحاتها عالياً، ما هي إلا سلسلة من الأفعال، الغرض منها إيقاظ النفس أو الروح، التي يُعتقد أنها تختبئ أو ترقد تحت ذلك الحوض، من أجل إرسالها إلى الجسد المقدّس غير المرئي للإله المجاور”.

يستنتج أوريغاتشي أن الغرض من فعل الضرب والركل هذا، ليس هدفه بالضرورة سحق وقمع الأعداء الأشرار، بل لإيقاظ واستثارة طاقاتهم، لغرض الإفادة منها في تنشيط حياة الإنسان.

وكمحصلّة، فإن ذلك التأثير هو مشابه لتأثير التعويذة التي تقول إنه عن طريق امتلاك روح الشرير يمكن التغلب عليه.

لذا فإن حقيقة ضرب ممثلي مسرح “نـو” و”كابوكي” لأرضية المسرح بأقدامهم، ما هو إلا ممارسة عملية لهذا التقليد.

معروف أن المسارح اليابانية القديمة كانت تُشّيد فوق الروابي والقبور، هناك حيث ترقد أرواح الموتى، كما كان يُعتقد. وهذا ما دفع الناس، حتى وقتنا الراهن، إلى ممارسة فعل أصبح عادة، وهو حفر تجويف في الأرض، أو دفن وعاء فيها قبل تشييد مسرح “نـو” فوقها، والغرض من ذلك، هو ليس فقط لخلق تأثيرات تقنية، بدعوى أن الأرض المجّوفة عادة ما تردد صدىً قوياً لصوت الضربة، بل هو مجرد إجراء لخلق وهم يستطيع من خلاله الممثل أن يستحضر في ذهنه أرواح الأرض، أو أرواح الأسلاف الذين يعودون إلى الأرض، بغية امتلاك طاقاتهم. أما الرنين الذي يحدثه صوت الضرب على الأرض فهو بلا شك يقوي ويعزز بدوره الإحساس الجسدي في الاستجابة لتلك الأرواح.

 وهمٌ كهذا يعتبر حتى يومنا هذا بمثابة عنصر ضروري جداً للممثلين وهم على خشبة المسرح، وهو أن طاقة الأرواح يمكن الإحساس بها عن طريق الأقدام لغرض تنشيط فعالية أجسادنا، والذي هو أكثر الأوهام طبيعية وقيمة للكائنات البشرية.

من هنا يمكن الجزم بأن سر قدسية مسرح “نو” تكمن في مواصلته على تغذية وإنعاش هذه الفكرة حتى يومنا هذا.

أن القبور والروابي يمكن اعتبارها حقاً بمثابة الأرحام التي وُلدنا منها. بهذا المعنى المجازي، يمكن أن تصبح الأرض هي الأم نفسها.

بوسع الممثلين أن يلعبوا أدوارهم بافتراض أنهم يرتبطون بالبشرية جمعاء، بوصفها ذوات موّحَدة ومتكاملة، ومن المحتمل جداً أن النصف السفلي للجسد وليس نصفه العلوي، هو الذي يمكن من خلاله التعبير بشكل أكثر وعياً عن الإحساس الجسدي، الإحساس العام المشترك لكل الأجناس البشرية. ولكي نكون أكثر دقة وتحديداً نقول ليس النصف السفلي كله، إنما القدمان!.   

إنَّ الأقدام هي الجزء المتبقي من الجسد الإنساني الذي ظل على اتصال بالأرض، وهي الداعم الرئيسي لجميع أنشطة البشر.

هامش:

(*) الثقافة هي الجسد”  مقالة مجتزأة من كتاب “إعادة النظر في فن التمثيل المسرحي. نظريات وتطبيقات”، الذي يتضمن اثنتان وعشرون مقالة لأشهر مسرحيي العالم المعاصر، والصادر عن دار روتليج، لندن، نيويورك، والذي كان يشرف على تحريره والتعليق عليه فيليب. ب. زاريللي، بروفيسور المسرح والدراما في جامعة ويسكونسن ماديسون، ومخرج المسرح التجريبي الآسيوي منذ عام .1980

suri-ashi (**)

Ashi-byoshi ((***

Shinobu Origuchi (****)

Kagura (*****)

قد تعجبك أيضاً

اترك تعليقًا

موقع الخشبة - موقع يعنى بالمسرح .. تم تاسيسه من قبل المخرج العراقي حاتم عوده وهو يديره ويرأس تحريره - جميع الحقوق محفوظة  - الاراء تعبر عن اصحابها - راي الموقع في مقالات رئيس التحرير فقط

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنقدم لك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. باستمرارك في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
موافق